فهم خصاىص لتعميق فهم البشر

محمد قاسم
كنت أتابع مسلسلا –يبدو كوريا- محتواه مجموعة قيم اجتماعية وإنسانية ..فأثارت أفكاره في نفسي سؤالا :
ترى هل من الضروري أن تكون حال المجتمع ،ثنائية على طرفي نقيض ؟!
مثلا:هل من الضروري أن يكون في المجتمع حالة ارستقراطية تقابلها-تضادا- حالة شعبوية..؟
أم هل من الضروري أن تكون حالة المجتمع إما رأسمالية وإما كادحة..؟! وهكذا…
هل من الضروري أن يكون-دائما- ثمة حالتان متناقضتان، ولكل حالة منهما نظامها الاجتماعي الذي يجعلهما –وكأنهما في تضاد وصراع لا بد منه..؟!-
طبعا ليست الفكرة جديدة..ولكنها متجددة –دوما- في أنماط الحياة الإنسانية، بأبعادها الاجتماعية المختلفة، وأبعادها الإنسانية المختلفة ..وإن كان مصطلحا “الاجتماعية” و”الإنسانية” لا ينفصلان عن بعضهما؛ واقعيا-..!
وهنا، لعله من المفيد، التنويه إلى أن اللغة – بما يرافقها من بعض تداخلات المعاني، وعدم  تعبير الكلمة بوضوح عن المعنى لدى الجميع بفهم مشترك- .. من العوامل المساهمة في الإشكالية التعبيرية-إذا جاز التعبير-،ومن ثم في إشكالية الفهم-أو وضوح التواصل-. لذا ربما سبق الغرب  إلى تحديدات موضحة لأطر المعاني(الكلمة-المفهوم-).

لعل غاليليو هو الأكثر مساهمة في ذلك، بفصله بين “الكم” و”النوع”،وان كان الدكتور ألكسيس كاريل،يحمّله مسؤولية تطور العلم على حساب الحياة الاجتماعية و بعدها الأخلاقي والإنساني بشكل عام.!
لقد ظهرت على وجه الأرض، عشرات النظريات، والاتجاهات،والمحاولات –وعلى كل صعيد-ولكنها جميعا لم تحقق ما يصبو الإنسان إليه؛ من حل، أو معالجة لما تفرزه الاختلافات الاجتماعية من مشكلات إنسانية مؤلمة؛ تجليها حروب، وصراعات، وفوضى، وروح شريرة في النفوس؛ وهي حالة في تراكم مستمر-وللأسف.
هذه الثنائية المتقابلة في الذهن البشري؛ لم تحسم العلاقة بينها بشكل يخدم التقدم الاجتماعي والإنساني ، على الرغم من التطور الاقتصادي والتقني، خاصة في العالم الرقمي –إذا جاز التعبير-أو في مجال تكنولوجيا رقمية.
وعلى الرغم من الكميات الهائلة من ورق الكتب التي احتوت دراسات اجتماعية ونفسية واقتصادية و…الخ. إلا أنها لم تتمخض عن نمط أو صيغة أو أسلوب…يوفق بين الاختلافات البشرية اجتماعيا وتعاملا وقيمة إنسانية..كما ينبغي.!
ما السر يا ترى؟
كما يبدو لي، فإن التكوين البشري بطبيعته يتضمن الإشكالية في ذاته –مهما كان التفسير في طبيعة الوجود والتكوين البشري.. سواء أكان نتيجة وجود خالق –الله-أو نتيجة تطور طبيعي في الخلية كما يزعم داروين وغيره..!!.
المهم إن الإشكالية موجودة ..فالإنسان كائن عاقل وناطق، ولكنه ليس ناطقا بلغة واحدة..بل تتعدد اللغات،وعددها كبير، وهو ليس عائشا في وسط محدود،بل البيئات التي يعيش فيها مختلفة.. في مناخها،تضاريسها، ومن ثم طبيعة الأعمال التي يمارسها فيها، وقبل ذلك كله، مستوى التعلم والتثقيف، والمستوى الفلسفي للوعي…الخ.
فمن الطبيعي-إذا- أن توجد هذه الإشكالية..ولكن السؤال..!
هل هي إشكالية، تمتنع أو تستعصي على الحل..؟!
بتقديري..لا.. ولكن الحل يحتاج إلى زمن ، والى جهود ، والى مصداقية العمل والجهود..
لأن الحياة بتكوينها –كما فهمت- ليست مجرد حياة نعيشها اضطرارا، ونغادرها اضطرارا، فنحاول أن نعب من ملذاتها قدر ما نستطيع عليها-كما يفعل البعض..،أو نزهد في ملذاتها بقدر ما نستطيع،كما يفعل الزهاد والمتصوفون عموما-
إن هذين الاتجاهين في الحياة هما –برأيي-متطرفان،ولا يبنى على واقعية طبيعة الحياة..وإذا شئنا أن ننجح في أي هدف، ينبغي أن تكون الوسائل والأهداف منسجمة أو متوافقة ..
بمعنى آخر..:ينبغي أن تكون الأهداف في متناول القدرة على تحقيقها واقعيا،وأن تكون الوسائل مناسبة لتحقيقها..وهذه أمور تتطلب جهودا، وتتطلب وعيا، وتتطلب مصداقية، وتتطلب عزما-الإرادة-وتتطلب وعي الظروف المحيطة والعلاقة بينها وبين الهدف المطلوب تحقيقه …الخ.
صحيح، أحيانا يلعب الحدس دورا مميزا في هذا الأمر..ولكن نتساءل كم شخصا يمكن أن يرشدهم الحدس..؟! كم من الناس يسعفهم الحدس في مثل هذه الأمور؟ إن الحدس (قوة المعرفة المباشرة) خاصة بشرية متميزة قد لا تتوفر دائما عند كل شخص،  و بنفس القوة .  فلا بد إذا من الأسلوب التحليلي للتفكير ،واعتماد معايير منطقية،ووعي استخدام مراحل التجربة الثلاثة في المعرفة (العلم) وهي :- الملاحظة والفرضية والتجربة، للوصول إلى نتائج علمية معتمدة(القوانين) كما أقرها كلود برنار.. وفرانسيس باكون في القرن السادس عشر..كمنهج للعلم.
لماذا هذا المقال؟
بملاحظة ما يجري في العالم..وفي بلادنا بخاصة ..وعبر التاريخ..نجد أنالبشر لم يصلوا بعد إلى ما يريحهم، ويبث السلم والاطمئنان في ربوعهم.. ونجد محاولات كثيرة- تبدو وكأنها ستحل المشكلة، ولكنها تتحول –غالبا-إلى مشكلة تحتاج هي أيضا إلى الحل.
لنأخذ مثلا ..
الثورات الاشتراكية التي وعدت الناس بالفردوس المنشود ،حيث السلم.. والتقدم الطبيعي.. والمعيشة المتطورة في اتجاه الرفاهية باستمرار..!
ولكن هذه الثورات،تحولت إلى أنظمة قمع، واستخبارات، وتعذيب، وزرع حالة التوجس من المواطنين، وخشية قيامهم بالثورة عليهم؛ بعد أن استمرأوا كراسي الحكم. وهم أنفسهم الذين تعهدوا الثقافة الشعبوية، وجعلوها المصدر الأساس في إدارة شؤون البلاد باعتبارها من متضمنات ثقافتهم في الحكم،فعادت مصدر خوف لهم من ثورات تزيحهم عن مواقعهم ..لقد نمت الاستبدادية –كخاصة لهذه الثورات- إلى درجة مخيفة من تجاوز القوانين والدساتير ..وتماهت هذه السلطات الثورية مع الحكم بدرجة لم يعد ممكنا لها –نفسيا خاصة-أن تتصور احتمال ترك الموقع..لكونهم قمعوا الشعوب وقلموا أظافرهم،وحاصروا معاشهم وحريتهم وتفكيرهم…وكما يقال شعبيا،ثبتوا مواقعهم في الفلك..فأصبح كل ما يفعلونه مكرمة يقدمونها لشعوبهم وعلى هذه الشعوب أن ترقص لهم كلما قصوا حرير مشروع متواضع..وكلما حلت مناسبات ثوراتهم،وولادتهم،ويوم ذكرى وفاة أسلافهم،ويوم ولادة أبنائهم،ويوم زواج أحدهم او زواج احد أولادهم أو بناتهم من أعلى هرم الحكم إلى أدنى مرتبة الإدارة وخاصة الرموز الأمنية….ومن المضحك-مثلا –أن الشريط الإخباري للفضائيات تحمل اليوم الخبر التالي :
“راؤول كاسترو يسمح للمواطنين بشراء الموبايل” يا لعظمة الإنجاز..!
راؤول كاسترو هذا يمارس سلوك الآلهة –أو أكثر –كما كان يفعل سلفه أخوه فيدل كاسترو الذي كان ثمن غليونه من السيكار يكفي لمعيشة عدد من الأسر الفقيرة والجائعة..
هذه الشعبوية في الثقافة هبطت بمستوى الذهنية البشرية من الاتجاه إلى القيم العليا الأخلاقية
وصرامة الالتزام بالمبادئ ..الجدية في السلوك …الخ.
ونجد هذا واضحا في معظم الأنظمة التي تبنت الثقافة الشعبوية تحت مسميات براقة ولكنها غير متوافقة مع مجريات الأمور أو التنفيذ..-كالاشتراكية والتقدمية ومنظومة كبيرة من الشعارات ذات المضمون المفيد-نظريا-ولكنها تبقى لوحات معلقة في الجدران وعلى مداخل المدن ودوائر والوزارات وحيطان الأبنية الرسمية بحيث لا يترك موطئ قدم لعبارات أخرى او لرسم ذكرى من تاريخ الشعوب،أو عبارة حكيمة ينتفع الناس بها..ولكنها –كما فعل صدام والمنهج البعثي عموما ،والمذاهب المتكئة على النهج الماركسي -للأسف–فالتلفاز صورته،وكل الدوائر صورته،وفي اللوحات كلها الإعلانية صورته،وعلى النقد والكتب المدرسية والبطاقات المختلفة..
سيكولوجية لا يمكن وصفها سوى بأنها خارجة عن المسار الطبيعي لسيكولوجية الإنسان..!
وفي المقابل سلوكية بورجوازية أو رأسمالية أو ارستقراطية تأخذ المنحى نفسه وان كان الأسلوب مختلفا ..ألا يمكننا أن نجد بديلا يكون أصلح لممارسة حياة ذات بعد إنساني يكون الإنسان فيه محورا لما يسن من قوانين ودساتير،وتعتمد قيم إنسانية –أخلاقية-عامة..؟!

 

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *