الرجل المناسب في المكان غير المناسب

الرجل المناسب في المكان غير المناسب والدور السلبي الذي يفرزه الإجراء في حياة المجتمعات
محمد قاسم
في أحد أعداد جريدة (خه بات) أورد الكاتب عبد الرحمن مزوري الحكاية التالية:
أحد وزراء المارشال جوزيف تيتو كان عميلا للولايات المتحدة الأمريكية،وقد اكتشف الاتحاد السوفييتي (سابقا) ذلك فأخبر المارشال بأن الوزير الفلاني هو عميل فانتبه إليه.. وفعلا وضعه تحت المراقبة، لكن لم يَظهر ما يثبت عليه التهمة..!

ولما حار المارشال في الأمر استدعى وزيره هذا و صارحه، بالقول (وهو احد رفاق دربه في المسيرة السياسية):
اسمع ..أنا أعلم انك عميل لأمريكا ،ولك الأمان،فقط بين لي ذلك.
فقال:الأمر بسيط ،فأنا لست جاسوسا أنقل إليها المعلومات(وهذا أمر رخيص لا افعله) ولكني فقط،أضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب..!
فقال المارشال: وما ثمن ذلك..؟
قال: مبلغ محترم في احد بنوك أمريكا ودار فخمة في مدينة لوس أنجلوس
فصرفه المارشال من الخدمة طالبا منه الخروج من البلاد لأيعيش في قصره.*
ولعل هذه الحكاية تبين مغزى تخلف اتعيشه مجتمعات متخلفة عموما ومنها ( المجتمعات العربية).
الرجل المناسب في المكان غير المناسب
هذه الفكرة التي توظف بذكاء في خدمة الدول القوية (المعادية).
الحاكم في البلد المتخلف (هو أيضا متخلف -بغض النظر عن مستواه التحصيلي ودهائه في قمع شعبه).
هذا الحاكم يأتي الى الحكم بطريقة غير شرعية (انقلاب،ثورة،انتخاب مزيف ..توريث..الخ) ولذا فهو لا يثق بشعبه، ولا يثق بموظفيه ووزرائه وبكل من يحيط به..ماذا يفعل..؟
يجيب العلامة ابن خلدون  على السؤال، بتصرف:
يتخلص الملك(الرئيس) من المحيطين به ويستبدلهم بموظفين ووزراء جدد مأجورين (مرتزقة) بحيث يضمن ولاءهم ولا يخشى انقلابهم عليه لكونهم غرباء- غالبا- أو أقلية.. لا تأييد واسع لهم بين أوساط الشعب ، ولا يملكون احتمال الطمع بالحكم بسبب ذلك ، فهم يقنعون بما يرمى لهم.! وربما تقاطع مصالح بطريقة فعالة تخدم الابقاء على الرئيس..!
أي تقديم الولاء و الكفاءة فيه وفي اسلوب ادارة المجتمع لهذا التوجه، على الصدق والإخلاص للمبادئ والقيم- تقديم المصلحة الشخصية على مصلحة الشعب- هذه هي الصيغة التي تدار بها النظم السياسية في المجتمع العربي. منذ استيلاء الخليفة الأموي معاوية على مقاليد السلطة باسم الخلافة (وإن هذه الصيغة أكثر تلاؤما مع هوى الحكام العرب فهم يسلطون الضوء على هذه المرحلة العروبية في الحكم(الخلافة) ويتعاملون بنوع من التململ مع المراحل الأخرى من فترات و صيغ حكم ذات طابع أقل عنصرية نسبيا، وأكثر توجها نحو قيم الإسلام (مرحلة حكم عمر بن عبد العزيز الأموية وغيره.. الدولة العباسية في بعض مراحلها،والدولة العثمانية في بداياتها وحتى أواخر القرن التاسع عشر تقريبا.- الدولة الأيوبية في جزء كبير من عمرها…الخ. ذلك لأن هذه المراحل كان فيها حكام غير عرب، أو أن الذين يحيطون بهم و يعملون معهم كذلك.

من هنا فإن الكتّاب من ذوي فلسفة قوموية عروبية او منتفعون من واقع هذه الفلسفة – ومهما كان السبب- تعاملوا مع هذه المرحلة –كتاريخ- وفق هذه النظرة المتخلفة، قياسا لما كان عليه واقع الحكم ذو الطابع الإسلامي غير المميز للناس على أساس مبدأ اقره القرآن وهو:

“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”-سورة الحجرات الآية 13
ولو عدنا إلى قراءة مجريات الأمور في هذه المراحل من الحكم – والذي كان الحرص فيها على تسميته بالإسلامي أو الخلافة- ما ذا نلاحظ..؟
ببساطة : قيم إسلامية ،مطعّمة بقيم قبلية (عشائرية) أو تمارس قيما قبلية (عشائرية) في سياق قيم دينية إسلامية) انسياقا مع معنى ((وأنذر عشيرتك الأقربين)). وهو معنى المسؤولية ، وليس امتيازا،  و لذهنية عروبية، من غير المسلمين دور كبير فيها ، (لاسيما عرب مسيحيون) إذ عملت على اعادة فهم المنظومة الثقافية الاسلامية  وقيمها إلى فهم ضيق، غلبت فيه رؤية قبلية ضيقة، وردت  الإسلام” الكوني” الواسع والممتد إلى يوم القيامة، إلى إطار “قبلي ضيق” بدوافع مصلحية، أو بردود أفعال نفسية لم تخدمهم في شيء سوى  ما امدتهم به من شعور كاذب بالتميز. وأفقدهم القدرة على استثمار مفيد للعلاقة بين معنى العروبة  (كأول حاضن للإسلام، و لغة نزل بها القرآن،وفضل السبق في العمل على نشر الإسلام..) بل حوّلوها إلى نفرة شعوب داخلة في الإسلام – كرها او طوعا-  عندما زيّن لهم فكرة القومية والتشدد فيها.( هذه الفكرة (او المفهوم) التي برزت كمرحلة طبيعية في تطور أوروبا،  لكنها كانت مرحلة اصطنعها البعض في الحالة العربية  و على حساب  الفهم الاسلامي الأممي .  يحمل وزر ذلك ، تعصب قومي عرو بي ،ثم تعصب ظهر لدى الأتراك العثمانيين  في القرن الأخير خاصة- ويبدو أن  ذلك كله كان يحظى بدعم خارجي لزعزعة الثقافة الاسلامية التي تجعل البلدان الاسلامية مستقوية ببعضها ( ضمن نظام الخلافة )  مع تحفظ على جانب  استُغِل لمصالح الحكم . وتحويل الخلافة الإسلامية إلى مزق يسهل  اقتناص الفرصة للسيطرة عليها- وهذا ما حصل.و قد أدلج العروبيون – بفضل ميشيل عفلق وغيره.. الذين نظّروا للإسلام بدوافع قومية ،وخلفية ثقافية تختلف .  فاتجه الفكر العروبي إلى صيغ جديدة نُحتت من  آثار القبيلة في الجاهلية، ومن مواقف متقاطعة بين  ثقافة عربية  والإسلام، ، ومن أسلوب تحوير في رؤى إسلامية لصالح فكر عروبي..الخ. باختصار:
تطويع ما هو إسلامي، لفكر عروبي مؤدلج على هدى النظرية الماركسية، مع فارق، هو:
صَبغ فكرهم الأيديولوجي  بصبغة قومية ؛لتبدو أكثر جاذبية لشعبهم، خاصة ان هؤلاء المنظرين أدركوا  ما عليه سيكولوجية عروبية بسيطة.. و منفعلة، كرد فعل لتصوّر فقدوه، وهو: ان العرب ينبغي أن يكونوا قادة الإسلام سياسيا إلى يوم القيامة..
وكان هذا خلطا بيّنا .
وقول الله جل وعلا ((يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)).  والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.  لكن الذي غلب في التفسير لدى البعض هو:  هيمنة حالة نفسية، بسبب القرب من عهد الرسول(التابعون خاصة) وشعور أخلاقي، بفضل السبق للعرب في نشر الإسلام..فطرح البعض فكرة ان يكون الحاكم من قريش،وفسر العروبيون هذا بحصر الحكم في العرب على اعتبار ان قريش عربية ..انتج هذا الاتجاه شعورا بالتميز العرقي انعكس نظرية وايديولوجيا عروبية تعثرت في تشكيل رؤية موضوعية واقعية لشؤون البشر وعلاقتهم..!فانكفؤوا على انفسهم متعالين على الآخري،،بشعور لا يمكنه ان يترجم واقعيا ،بل يجر المشكلات والصراعات بدون طائل..
يقول الرسول في إحدى إجاباته على تساؤل الصحابة في مسألة دنيوية: ((أنتم أدرى مني بدنيا كم)).
وفيما بعد وقد ابتعد الناس عن عهد الرسول وحصلت أخطاء فادحة من بعض الخلفاء الذين حولوا المشورة والبيعة من حال حرية و ديمقراطية- بالمعنى الحديث- إلى ولاية العهد التي غلب فبها رغبات نفسية(من الأب والأم أحيانا-فلم يخطئوا فقط في تجاهل الشورى والبيعة كما في الخلافة الراشدة، بل أخطأوا في إعطاء ولاية العهد لأولاد دون غيرهم –بحسب الرغبات، مما سبب حروبا ومشاكل (الأمين والمأمون مثلا)..
وفي الوقت الحاضر ظهرت -ما سماها بعض الكتاب- الدولة (الجملكية) كناية عن الجمهورية التي أصبحت ملكية،فوّرث الحكام فيها أولادهم بإجراءات دستورية شكلية، لهم فيها كل السطوة والمقدرة على التكيف فيها، لتناسب ما يريدون(يرغبون). (مصر ومحاولات التوريث،سوريا والتوريث الفعلي،اليمن والتحضير للتوريث، ليبيا، والعراق في زمن صدام، والتوريث الذي كان مؤكدا. الخ. وطبعا الدول الملكية والإمارية ليست بحاجة إلى هذه الإجراءات، فدساتيرها تتضمن ذلك منذ نشأة حكوماتها(دولها).
وتكر دنلوب في غزلها..
ويكر الحكام في أسلوب إدارتهم: الوطن يصبح مملكة لهم يتصرفون بمقدراته الاقتصادية ، وسمائه وأرضه ونباته وحيواناته- بما فيه البشر- أليس تعريف الإنسان أنه :حيوان ناطق..؟! كيفوا الأمر فحولوه إلى حيوان صامت ،ومن ثم حق لهم حكمه بموجب هذه الحال الجديدة.فلم تعد للمعايير قيمة في التعيينات الوظيفية – كبيرة او صغيرة- ولم تعد الكفاءة ضرورة، ولم يعد الإخلاص للوطن او وعي الأداء..او غير ذلك مطلوبا..
كل ذلك اختصر في معيار واحد وحيد:الولاء للسلطان، وشرّعوا لذلك ،عبر مجموعة إجراءات تعوّد المواطنون عليها، وكأنها طبيعية، وتعاملوا معها على هذا الأساس،بل إنها أصبحت لدى البعض وسيلة مفيدة لتحقيق ما يشاؤون عبر التماهي مع هذه الإجراءات بفهلوية اكتسبتها تاريخيا، واستثمرتها حاضرا فملكت، واستوزرت،وتادرت(من الإدارة) و..,,الخ فسيطرت.!
الرجل المناسب في المكان غير المناسب.
عنوان حضارة جديدة يشد العروبيون(والدول العالمثالثية) على يدها ليبقوا في مواقع سلطوية على حساب كل شيء..! ونخشى أن يلحق قطار الكرد بهم أيضا..!
بل هذا ما تكرسه ثقافة الأحزاب الكردية بشكل أو بآخر.
على الأقل هذا ما يبدو في بعض الإجراءات الحزبية ونمط السلوك فيها..
اللهم احفظنا من هذه اللوثة..!

* جريدة خه بات عدد 937- حكاية منقولة عن كتاب(دربار أي الحزب) لمؤلفه الصيني ليو شاوشي والمترجم إلى اللغة العربية بعنوان(حول الحزب). الحكاية بقلم عبد الرحمن النقشنبندي ليس في حياة الأفراد ولا في حياة الشعوب خطأ لا يمكن اصلاحه ، فالرجوع إلى الصواب يمحو جميع الأخطاء
…………………

 

 

 

 

 

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *