كيف ينبغي أن تمارس الشخصية أداءها؟

محمد قاسم
ربما كان الاستمرار في البحث في الشخصية أمرا مفيدا،خاصة عندما تصبح الأفكار مادة للحوار ..
فقد تطرقنا إلى المعرفة في حياة الناس،ومن ثم الشخصية ومكوناتها الأساسية..وربما كان التطرق إلى الشخصية في حيويتها أو أدائها…يكمل ما بدأناه..ويجعل الحلقات الثلاثة متكاملة ..تخرج بتصور متناسق عن الشخصية في تكونها ودور المعرفة في ذلك،ومن ثم حركة الشخصية في الواقع الذي تكون البيئة الطبيعية والاجتماعية حاضنتها..ومناخها..ومنطلق حيويتها أيضا..!
هذا التكامل –واقعيا- يتجاهله الكثير..وبذلك فإن الشخصية لا تأخذ أبعادها اللازمة والمتوازنة ..وينشا عن ذلك؛ ارتباك في السلوك، ينعكس على كل أداء الشخصية .وخاصة الأداء ذي البعد ألعلاقاتي –إذا جاز التعبير-
وما يأتي كان بحثا سريعا سبق أن نشرته في مواقع مختلفة ..ولكني عدت إليه فوجدت انه يصلح أن يكون مادة متكاملة مع بحثين سابقين..بعد إدخال تعديلات وإضافات تجعله موائما للغرض..وهذا ما فعلته.

فالمألوف والمعلوم أن كل عمل يقوم به الإنسان، يحتاج إلى مخطط نظري يسبق محاولة تطبيقه على الواقع.وهذا يتطلب خيالا مميزا بقدر ما يكون قوياً ، بمعطياته الذاتية (خصائص نفسية تتصل بذكاء صاحب الخيال….) أو بمعطياته الواقعية ( عناصر يحتاجها لتحقيق العمل ، سواء أكانت أدوات أو مادة للعمل هذا ) فإنه يساهم في الإبداع عموما.
وبقدر ما يكون هذا الخيال قوياً ومبدعاً، يمكن له أن يتوصل إلى أفضل صيغ ومستوى ينبغي للعمل أن يكون فيها. في مخططه وإنجازه النهائي . يتعلق هذا أيضاً ، بالمناخ الذي ينمو فيه الخيال !!
بعبارة أخرى 🙁 البيئة التي يتربى فيها الإنسان).
فالبيئة التي تؤثر في المرء، هي بيئة طبيعية، وبيئة اجتماعية..وكلاهما متكاملان..لكن الثانية( البيئة الاجتماعية ) تبدو  أكثر فاعلية في تحديد إطار  تتحرك الشخصية ضمنها، تحت تأثير معطياتها..!
فإن كانت البيئة تعتمد على تحريك الطاقة الفكرية عند أفرادها ، وتتوفر فيها أساليب حياتية مرتكزها: صيغة منطقية، وموضوعية متناغمة مع القوى النفسية الأخرى ، والتي لا مجال لعزل الإنسان عنها ( عواطف-معتقدات- ميول…الخ).
عندما تتوفر هذه البيئة ، فإن الممارسة الحياتية ،بالوسائل المقبولة والمنتجة ، تصبح في متناول اليد ، وعلى أي صعيد كان . ذلك لأن الانخراط في معمعة الحياة بسلاح قوي هو (الوعي) يسهل على المرء حسن الدخول ،وحسن الإنجاز أيضاً.
أما المدخل السيئ إلى المعالجات – أياً كان المشكلة – فإنه يعقد المشكلة أكثر.

وليس الوعي سهل المنال . فالفارق كبير بين القراءة والكتابة وتنميق الحديث…وبين الوعي الذي توفر التربية  في الأسرة والمدرسة والمجتمع، والتجربة الذاتية؛ الأسس الصحيحة لهذا الوعي. شريطة توفر مناخ صالح للحرية.
وقد يجد الاختلاف طريقا له حول هذه المفاهيم في تفصيلاتها –وهو أمر طبيعي في طبيعة التركيبة البشرية- وهو اختلاف يمكن التفاهم حوله عبر الحرية نفسها؛ عندما تمارس ديمقراطيا..ولعل القارئ يلاحظ أننا نتجه نحو حالة دائرية –بمعنى ما-
الوعي يحتاج حرية ، والحرية تحتاج إلى ديمقراطية، والديمقراطية تحتاج إلى وعي لممارستها.وهكذا،فكيف نتجاوز هذه الدائرية .؟  ومن أين نبدأ…؟ لعل الدكتور “خالد محمد خالد” كان يريد هذا عندما ألف كتابا بعنوان :”من هنا نبدأ”.
والبداية هي في ممارسة الحياة بحرية ، وفق ما يفهمه المرء .ألم يقل “عمر بن الخطاب” –الخليفة الراشدي الثاني-: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟” .
ففي ممارسة الحياة الحرة نُختزن التجربة..و تغني التجربة؛ الوعي -في علاقة جدلية- كلاهما يفرز صيغا جديدة للمفاهيم بمرونة تتفاعل مع المتغيرات باستمرار.وربما هذا هو مسار التطور والتقدم في حياة المجتمع(عملية تراكم معرفي  و خلاصات تجارب ووعي…).  ونظرة إلى تاريخ مجتمعات متقدمة تعيننا على تمثل هذا المعنى..
ولا ريب أن لكل مدخل و أدواته (وسائله ) التي تتناسب معه.
والمدخل إلى العمل… والمدخل إلى ممارسة الفعالية الاجتماعية (السياسية خاصة ) يحتاج إلى أدوات لعل أهمها:
• فهم الواقع
• والتعامل معه  بقوة خيال مبدع في تحديد لمرحلة البداية، ولما ستكون عليه النتائج بتصور صحيح لها).
من هذه الحقيقة انطلق الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الاجتماع …الخ في تصنيف السياسيين الناجحين(القادة خاصة ) باعتبارهم في :الدرجة الأعلى من الذكاء. يقول الفيلسوف الألماني “إمانويل كانط” المشهور:(إن أصعب المهن على الإطلاق هي السياسة والتربية).
إنهم يتعاملون (السياسيون والمربون)مع واقع حي متغير ( الحياة الاجتماعية)إضافة إلى تعقيدات معطياته وحوادثه…
وفي حالات كثيرة ، خاصة عندما تكون التعقيدات شديدة، ومستوى الجمهور مرتبك في الفهم…يتهرب بعض الأذكياء، مما يعطي الفرصة لفئة ذات إمكانيات متواضعة من الذكاء والخبرة، والمعطيات النفسية المختلفة، ليتبوؤا وظائف قيادية في الحياة الاجتماعية ( والسياسية). أو وظائف إدارية بمستوى من الإمكانيات المتواضعة ….
فكيف تقود هذه الفئة؟!
ما هي المنعكسات ؟!
إن ارتباك القيادة في هذه الأحوال ، يتيح ارتباكا في حياة المقودين(الشعب) بشكل متزايد يوماً بعد يوم ، هذا إذا أحسنا الظن بهذه القيادات على أنها تمارس وظائفها بمصداقية….؟
أما إذا أسيئ الظن بها – وهذا ممكن،وربما الأكثر ترجيحا في المجتمعات المتخلفة – فماذا يكون ؟
تكون الكوارث….لكننا سنظل نفترض حسن الظن.ونعتبر السلوك المتجاوز لهولاء القادة هو ناتج مزيج من جهل لديهم،وضعف الوعي لدى المجتمع في تركيبة  تفاعلية تنتج أخطاء الممارسة.
فالمعروف أن أي قائد لأية عملية ، ما لم يشعر-شعور الشخصية الداخلي- بأنه أعلى مكانة (قيمة)مما يشغله من موقع (منصب). فسيسعى دوماً للاحتفاظ بموقعه ، لأنه يستمد قيمته الشخصية منها ، بخلاف الذي يرى نفسه أكبر من الموقع. يحضرني هنا قصة الوالي العباسي-ربما اسمه خالد القسري- والذي سئل عن السبب في تغير الإنسان عندما يشغل مركزاً ما .فأجاب قائلاً الرجال نوعان:
الأول : رجل يرى نفسه أكبر من المركز.. فلا يغيره المركز في شيء ..
والثاني: يرى نفسه أصغر من المركز. فهو لا يشعر بشخصيته إلا من خلال هذا المركز. فيتصرف بأسلوب فيه تشويه لقيمته كإنسان،ومن ثم فإنه يفعل كل ما يستبقيه في المركز،وإن أدى ذلك إلى كوارث –كما يحصل في المجتمعات المتخلفة عموما- .
ولعله يصلح معيارا جيدا لمسؤولي هذه الأيام، والذين – على ما يبدو- جلهم أصغر من المركز الذي يشغله…لذا لا يألو جهدا في استثمار سيئ لمركزه، ويحرص عليه كل الحرص، وقد يدفعه حرصه هذا إلى كوارث في حياة المجتمع الذي يقوده.
نقارن هذا بما مر به الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حينما عرض عليه تولية ابنه عبد الله- وهو أعلم بني قريش- فقال : يكفي أن يحمل وزر هذه الأمة من آل الخطاب رجل واحد)) أو كما قال.
ترى ..أليس الأجدر أن نتساءل..ما معنى أن يتولى امرؤ ما ولاية أمر الأمة-أية أمة-..؟!
وكيف يرى هذا المسؤول المركز الذي تولاه..؟!
أليس القيمة الإنسانية هي التي ينبغي أن تكون الأساس- منطلقا وسيلة وغاية-في هذه الولاية..؟!
وما لم يكن فما هي القيمة التي تسكن هؤلاء الولاة..؟!!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *