قضية تحت النظر (أو تحت المجهر)

محمد قاسم
تداعيات الأفكار تكون غزيرة عندما يكون المرء في حالة استماع لما تفرزه الأحاديث والحوارات والجدالات والقراءات …!
ومنها مثلا أن الحوار (بل الجدل) ساخن بين الناس حول قضايا معينة. لنأخذ منها -مثلا -الكتابة باللغة الأم، أو لغة أخرى.
(هل ينبغي أن يحصر الكاتب الكردي نفسه ضمن الكتابة فقط باللغة الكردية. أم يكتب باللغة العربية أو التركية أو الفارسية وغيرها -كل بحسب المنطقة التي يكون فيها؟).
هذه القضية تشغل مساحة غير قليلة، من التفكير. ومن الزمن أيضا؛ من بعض الكتاب الكرد. -لنقل في سوريا بشكل خاص-ونقرأ دوما مقالات تتناول هذه القضية. وهذا أمر طبيعي لولا أن بعض هذه المقالات تأخذ-أحيانا – صيغا فيها هجوم، أو إساءة أو تشدد…الخ. بل أحيانا يصل الهجوم على الكتاب باللغة العربية من الكتاب الكرد؛ منحى تقويميا سياسيا عليهم، وقد يوجد فيه بعض مزايدات أيضا لدى البعض. من جهة كونه منسجما مع مفهوم القومية الكردية أو كونه يخدم الأغيار – العرب والترك وفارس…الخ-
وقد شعرت أن فتح حوار هادئ حول هذا الموضوع قد يفيد. وإن كنت أخشى –دائما –من بعض الكتابات الناشزة؛ سواء بسبب قلة وعي كتابها أو قلة الخبرة لديهم، أو حتى افتقار بعضهم إلى توازن نفسي في التعامل مع الآخرين المختلفين عنهم في الرؤية، إضافة إلى الذين يصيدون في الماء العكر دوما.
يرد في الإنجيل القول: (في البدء كانت الكلمة).
والكلمة هنا تعني المعنى(الفكرة).
من الطبيعي أن الفكرة تتجسد في كلمات منطوقة أو مكتوبة، والتي تشكل العلاقات بينها منظومة لغوية نسميها –عادة-اللغة. وقد حاول أرسطو أن يعالج هذه القضية من الزاوية المنطقية (“العلاقة” بين “المعنى” وبين “الكلمة” أو “اللفظة” التي تعبر عن المعنى منطوقا به.” و”المعايير” التي ينبغي أن تتبع؛ لتحصل حالة تطابق أو توافق –على الأقل – بين “المعنى”أو “الفكرة” وبين “الكلمة” أو “اللفظة”. ومن ثم، بين “العبارة” أو “الجملة” وبين “مدلولها” باعتبار أن “العبارة” أو “الجملة” هي تشكيل من الكلمات (منظومة كلمات) تشتمل على معنى محدد وتعطي فكرة محددة.
ولذا فقد ابتكر-ربما الأصح أن نقول: اكتشف مصطلحات سميت “مفاهيم” مفردها “مفهوم”. في التحديد المنطقي لها. فمثلا: “المفهوم” قد يشمل كلمة واحدة، أو كلمتين، أو ثلاثة، أو أكثر.
للتوضيح نورد أمثلة.
الكتاب مفتوح. كل منها “مفهوم” =”كلمة”.
والـ “الكتاب المفتوح” كلمتان تشكلان معا “مفهوما” واحدا أي “معنى” واحدا، أو “فكرة” واحدة.
و”الكتاب الأخضر المفتوح” عدة كلمات تمثل مفهوما” أي =”معنى” واحدا، أو “فكرة” واحدة.
فالمفهوم “معنى” واحد، أو “فكرة” واحدة نعبر عنه بكلمة واحدة (جميل-انسان-درب-ليل…)
او بكلمتين (الورد الجوري-الانسان الجميل-الدرب الطويل-الليل الحالك…) أو أكثر. عدة كلمات (الورد الجوري الأكبر-الانسان الجميل الأشقر-الدرب الطويل الملتوي-الليل الحالك الطويل…). نلاحظ أننا اضطررنا أن نعرف الأمثلة في حالة الكلمتين وثلاثة كلمات بأل التعريف لتصبح الكلمات التالية وصفا –أي صفة -. فلو اوردناها في صيغة نكرة (ورد جوري) -انسان جميل-درب طويل-… فيصبح هنا مبتدأ وخبر (او موضوع ومحمول بلغة المنطق) وفي هذه الحال فإننا نحكم على الكلمة(المفهوم) الأولى والتي تسمى (موضوع) في المنطق؛ بمضمون الكلمة(المفهوم) الثانية والتي تسمى (محمول) في المنطق. أي أننا نحكم على (ورد) وهو (موضوع) بأنه (جوري) لا نوعا آخر من الورد وهو (محمول). والمر نفسه بالنسبة للأمثلة الأخرى لذا ينبغي هنا ان يتألف الحكطم من مفهومين فقط” ورد جوري –انسان جميل- درب طويل-0ليل حالك…) وفي هذه الحال لا مشكلة اذا كان الموضوع معرفا بال التعريف(الورد جوري-
فلا تطابق منطقيا–إذا- بين “الكلمة” وبين “المفهوم. فالمفهوم قد يكون عدة كلمات، وليس العكس.
ثم ابتكر أرسطو-أو اكتشف- أساليب أخرى لتحديد “المعايير” التي تساعد على معرفة صحة العبارة أو خطئها (بلغة المنطق: صدق الحكم أو كذبه) فعندما نقول –مثلا:
” الكتاب مفتوح” .فإننا نحكم على حال الكتاب بأنه: مفتوح.وهنا نحن نتعامل مع مفهومين =معنيين(فكرتين) هما:
الكتاب=معنى=”فكرة”=”مفهوم”.
مفتوح=معنى=”فكرة”=” مفهوم”.
ما الذي اختلف؟
في المثال الأول”الكتاب المفتوح” تصبح كلمة “المفتوح” صفة الكتاب، فكانت الكلمتان تعبران عن معنى واحد (صفة الفتح في الكتاب)= “مفهوم”
في حين في الحالة الثانية “الكتاب مفتوح” نستخدم معنيين”فكرتين” =”مفهومين”:
المفهوم الأول هو:الكتاب= معنى=”فكرة”
المفهوم الثاني هو: “حالة الكتاب”وهي:”الفتح”=معنى=”فكرة”.
وهكذا لئلا ندخل في دروس في المنطق، أردت أن أنبه إلى أن “المعايير” شرط أساسي ل”توافق المعاني مع الكلمات”،ول”توافق الفهم –بالتالي-بين الكاتب والقارئ” ،أو بين “المتحدث والسامع”..!
إن عدم التوافق هذا من المشكلات التي تؤدي إلى سوء فهم يخلط المعاني ببعضها،ومن ثم يصبح هناك فجوة –أحيانا تكون كبيرة- في الفهم المشترك بين الطرفين..!
بعبارة أخرى:ضرورة الوضوح في الأفكار بين المتحاورين ليتم الفهم المشترك ومن ثم اتخاذ الموقف الصحيح من أي قضية مطروحة للمناقشات.
وفي غياب هذه الحالة، إما أن تؤدي –كما قلنا –إلى سوء الفهم وغموض المعاني،أو يستغل ذلك بعض المتحذلقين- عن وعي ودراية- للتأثير على الخصم..بطريقة ما.
فلنأخذ السياسة –مثلا- هذه القضية في السياسة معروفة..ولمن لم يستوعب..فليراقب خطاب السياسيين بين بعضهم بعضا،كيف يستغلون أصغر الأشياء لخلق تأثير ما،أو للتهرب من استحقاق ما..!
ألم تبق –ولا تزال- عبارة (الانسحاب من أراض…) أو (الانسحاب من الأراضي…) مشكلة قائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.وانتم تلاحظون الفرق البسيط لغويا، ولكنه كبير في التفسير عندما يريد كل طرف أن يستغله لصالحه..وهذه في السياسة كثيرة..ولذا فالخلافات السياسية لا تحل بالسهولة..إلا إذا توفرت النية الصادقة (الإرادة السياسية).
المهم..
إن الكلام هو الوسيلة إلى التفاهم والتفاعل ..وأهميته فائقة..ولكن القليل من الناس ينتبهون إلى هذه الحقيقة..والكلام هو الحامل للمعاني والأفكار ..وعن طريقه يتم نقل الأفكار من شخص لآخر،أو من جماعة لأخرى-والبيانات السياسية مثل على ذلك.فغالبا ما، حزب سياسي يكتب بيانا ويوزعه ويخاطب –عبره –حزبا آخر أو نظاما حاكما ..أو مؤسسة كهيئة الأمم المتحدة أو احد فروعها..اليونسكو أو منظمة العفو الدولية..الخ.
أين تكمن أهمية الكلام؟
إنها في القدرة على نقل معاني(أفكار)محددة وواضحة الغرض إلى جهة ما..فبالمقدار الذي ينجح فيه الكلام في مهمته يكون مطلوبا وينبغي التعامل به ..
من هنا السؤال –مثلا-عندما اكتب أفكارا تخدم القضية التي أريدها أن تعرض ويقرؤها الناس.. باللغة العربية ..هل يقرأها العدد الأكبر –عربا وغير عرب..أم لا ..؟
فإن كان الجواب نعم،فما الضير –إذا-أن اكتب باللغة العربية ككاتب كردي..؟!
طبعا هناك الفكرة المقابلة..والتي يقول أصحابها إن الكتابة باللغة العربية تكون على حساب اللغة الكردية ،ومن ثم فإن الكاتب الكردي عندما يكتب باللغة العربية،فإنه يضيف إلى الثقافة العربية ولا فائدة للكرد فيها خاصة في الجانب اللغوي..باعتبار اللغة هي التي تحدد هوية الأمة ..!
وعلى الرغم من رأي خاص أحتفظ به ،إلا إنني لا أختلف كثيرا بان اللغة الأم ضرورة، ولها الموقع الذي يشغله..شريطة أن لا أقع-كالعرب- في مشكلة الوجود باللغة كهوية..فالكثير من شعوب العالم تتحدث لغات غير لغتها الأصلية ولكنها لم تفقد هويتها كأمة متميزة..الهند مثلا،ودول من أفريقيا،بل الولايات المتحدة ذاتها مجموعات اثنيه مختلفة تتكلم الآن اللغة الانكليزية،ولقد وفرت فيها لكنة تسمى أمريكية..ولكنها بقيت لغة انكليزية في تركيبتها الأساسية…!
قد يقال إن ذلك بعض نقص في شخصية الثقافة لهذه الأمة..وأقول :نعم. ولكن النقص لا يعني الانعدام،أو العدمية…. وفي الحالة الكردية –بالذات – فإن الدعوة للاهتمام باللغة الكردية وتعهدها بالرعاية لإعادة هويتها إليها، ومن خلال ذلك استكمال الصيغة الثقافية الكردية ..أمر مطلوب بقوة..ولكنه لا يعني أن يتطاول بعض الذين لم يستكملوا –رغم التشبث بادعاء التخصص في اللغة الكردية – على كتاب قادرين على نقل القضية الكردية عبر لغة أخرى إلى شعوب مختلفة خاصة تلك التي نحن نعيش تحت حكمها..
في الحقيقة قد يكون هذا المسلك مجرد تقليد لا شعوري لما استقر في سيكولوجيتهم من عدوى السلوك العربي في هذا الجانب.وإنهم لا ينتبهون إلى أن العرب-او العروبيون بشكل أصح- قد صاغوا نظرية حول اللغة بقصد سياسي بحت،وهو استثمار كل الثقافات التي كتبت باللغة العربية بدوافع دينية إسلامية، لينتحلوها،ويقعوا في مشكلة الانتحال غير المرغوب،فضلا عن التأثير السلبي لسمعتهم في ميزان الحضارة البشرية..
وقد وضحت المعايير والقيم المختلفة،أن كل القوميات التي كانت تمارس اللغة العربية لغة خطاب رضائيا، بدأت تبحث عن مخرج لها لتعزيز خصوصيتها اللغوية ومن ثم الثقافية.وهذا ما يفعله الكرد الآن أيضا،وإن جاءت الخطوة متأخرة،
وتحت تأثير النظرية اللغوية التي اعتمدها العروبيون لصهر اللغات الأخرى في بودقة الثقافة العربية ،مخالفين لما خلقه الله في الأمم من اختلاف..
والآن يحاول بعض الشباب المتحمسين أو بعض محترفي السياسة أن يستثمروا هذه الحالة توطئة لاتهام الذين لم تتح لهم فرصة التعلم باللغة الكردية ولكنهم قطعوا أشواطا في ميدان اللغات الأخرى ومنها العربية..
ونحن-طبعا- نشجع مسعاهم بشرط أن تكون الخطا متوازنة،والصدق التاريخي والأنثروبولجي بكل مفاصله أساسا لهذا الاتجاه الجديد والذي يتطلب زمنا طويلا ريثما تصبح اللغة الكردية لغة يمكنها أن تخدم أبناءها بشكل صحيح،بعد أن تتجاوز اللهجات المتباعدة –أحيانا –في اللفظ والقواعد..ودون منطلق تعصبي كرد فعل او توظيف سياسي..فالثقافة ليست سلعة إلا لمن يقبل لنفسه أن يكون سلعة.

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *