سيكولوجية الموقف

محمد قاسم
يغيب عن بالنا أحيانا، طبيعة التكوين النفسي للشخصية الإنسانية. ويفترض انها وحدة متكاملة ذات انسجام مفترض بين عناصرها. نصفُها –او نسميها –الشخصية. لذا عرّفها علماء النفس:
الشخصية هي: الصورة المنظمة المتكاملة لشخص ما يشعر بتميّزه عن الآخرين.
ما يحصل أن بعضهم يفتت الشخصية، وكأن عناصر تكوينها مستقلة عن بعضها.فيجعل فهم الأشياء مبعثرة، ومن ثم تتضاءل روحية فهم الشخصية على أساس..تكامل عناصرها ، تكامل الشخصية في قواها المختلفة ، بدلا من النظرة إليها من خلال الجزئيات المكونة للشخصية. فيأتي الحكم-أو التحكيم ،بمعنى التقييم- ناقصا منحازا إلى الحالة النفسية للإنسان في اللحظة التي يطلق فيها الحكم، أو يتخذ الموقف.
الموقف –تعريفا-هو حالة نفسية ثقافية للشخصية في نظرتها (رؤيتها) لقضية او حدث او شخصية او فكرة …و تحديد كيفية التفاعل معها.
وهو يستند –عادة-إلى ما تبلور في النفس،وضمنا العقل-من رؤية لموضوع الموقف.وتأتي الخطوة التالية في تنفيذ الموقف وتحويله إلى سلوك عملي يجسد حركة الشخصية المتكاملة باتجاه الموضوع –أي موضوع-
ولكن الأشياء تبدأ –دوما- بمقدمات، يفترض أنها موضوعة وفق معايير منطقية مستندة إلى عوامل التجربة والخبرة ونتائجها-العلم- وتنتهي إلى نتائج ،يفترض أن المناخ المنطقي يرعاها حتى تأتي متوازنة ومنسجمة مع مستلزمات المقدمات ،وبالتالي ، التصورات المتوقعة…
ما المشكلة..؟
في الوسط البيئي الاجتماعي العربي –والشرقي- يبدو أن سيكولوجية تكونت عبر التاريخ الطويل -ربما منذ الخلافة الأموية -والتي غيرت مجرى أسلوب إدارة المجتمع بمبايعة حرة إلى  أسلوب مبايعة قسرية.  يقال أنه كان جمع القوم في مكان معين – بشكل جماعي حينا، وبشكل إفرادي حينا- ويضعهم تحت ظرف الإكراه لمبايعة ابنه من بعده ، وهو غير مؤهل للخلافة-.

ابتكر هذه الطريقة، وامّن له المتسلقون من علماء وسياسيين-غطاء ألبسوه  شرعية. ربما منذ ذلك التاريخ-إضافة إلى طبيعة بدوية متخلفة من جهة الوعي السياسي، وغلبة طابع قبلي  في مسار التفكير والذهنية،-ساهم في تبلور هذه الذهنية والسيكولوجية ..والتي تمد الموقف بمعطياته الضرورية..وهذه هي المشكلة..
هذه المشكلة في التكوين، وبلورة السيكولوجية والذهنية..هي التي جعلت السياسة العربية تتحول من فعل مؤثر إلى مجرد منظومات كلامية وشعارات لا صلة بالواقع ،سواء من علماء وعاظ نظريين أو منظرين معاصرين…وخاصة كوادر مشبعة بهذا النمط  من تربية مخصوصة.-  خريجوا مدارس منظمات شعبية –شعبوية- والذين قضوا عمرهم في ترديد هذه الشعارات دون معرفة محتواها ولا نتائج تترتب عليها،  سوى أنها مطلوبة منهم واعتادوها خلال نموهم منذ سنوات الدراسة الأولى وانتهاء بالدراسات العليا..
والوجه الآخر في الأمر أن هذه الحالات تكرّست سيكولوجية عميقة ، ومكونات ذهنية متبلورة… فأضاع  طاقات ذهنية عربية وبعثرتها..وحولت الشخصية في أوطانها إلى :

ببغاوات تردد ما يقال لها أو ما يطلب منها،  أو متسلقات ومنافقات (وصوليات) همها أن تتقرب من مراكز النفوذ لعلها تتبوء موقعا يسهل لها  سرقة ونهبا للأموال العامة..وبعثرتها فيما لا ضرورة فيه –رفاهية و ملذات …!
–   محيّدين ولا مبالين همشوا -طوعا أو كرها- باتباع سياسات منظمة اتبعتها  أنظمة حكم ، فلسفتها الأساسية ، هي الوصول إلى هذه النتيجة ، وهي : عزل الشعب عن السياسة، ليستطيعوا التحكمب، وبمؤازرة جيش  من الأجهزة التي تسمى أمنية –وهي في واقعها قمعية -بل وقمعية لأفرادها المنتمين إليها –طوعا أو كرها –فيعيش أفرادها في رتبة متدنية بالنسبة لمسؤوليهم..ويمكن لكل إنسان إن يلاحظ ذلك من خلال التباين الكبير جدا في أسلوب ممارسة الوظيفة الأمنية،وفي أسلوب المعيشة –سكنا وطعاما ولباسا..وتجميعا للأموال…الخ-
هذه هي النتيجة –والنمط المعاش- التي وصلت-أو دفعت إليها- إليها الشعوب العربية. خاصة تلك التي تصر أن تصف نفسها بالتقدمية ..والغريب أنهم هم الذين  يمدحون أنفسهم و و يرفعون شعاراتهم، ولا ينتظرون من احد ذلك. وليحققوا ذلك اغتصبوا أجهزة الإعلام كلها ليضخوا باستمرار ما يريدون أن يلقنوه للناس..غير منتبهين إلى أن تطور التكنلوجيا الرقمية؛ فوّت عليهم هذا الأمر . فلجؤوا إلى أسلوب جديد – يعبر عن سيكولوجيتهم وذهنيتهم بشكل اوضح- وهو استهلاك الأموال الضخمة-من المال العام- في تتبع المواقع الإلكترونية وكأنها ملك يمينهم.. في نفس الوقت الذي يتقاضى الموظف فيه ما لا يكفي معيشته و أفراد أسرته الذين يعيلهم…!
من المؤسف أن اتجاهات احزبية كوردية ، تشربت هذه الروحية.  وتتعامل مع جماهيرها بنفس السلوكية المستندة إلى ذات السيكولوجية والذهنية،وربما بتغذية –مباشرة او غير مباشر –من أجهزة الأمن والسلطات المختلفة. مستغلة مشاعر اللهفة نحو بلوغ ما حرم منها من حقوق سياسية و…!
فمن جهة: التوجيه نحو شعارات مثيرة لانفعال  شعبي،و من جهة أخرى: تشبث بالموقع الحزبي، فيتحول النضال من اجل الحقوق إلى صراع من اجل المواقع.!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *