ثقافة تحت المجهر

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
ضبط المعاني وتأطيرها وتحديد دلالاتها…هاجس إنساني قديم…فكان المنطق والقواميس والشروح الضابطة والموضحة…الخ. كان الطابَع الغالب في ذهنية وسيكولوجية البشر، هو البحث عن الحقيقة، ومحاولة فهمها؛ لتفسير الحياة و ما فيها من معطيات؛ لأن ذلك يخدم مصلحة البشر.
إلا أن نمو مطامح بشرية ونزوعها نحو المطامع، وتضخم الأنا إلى درجة غلبت فيها روح أنانية على الغيرية –نفسيا-بخلاف المعلن الفكري من القيم الأخلاقية، والنهج المنطقي… أدى إلى إضعاف هذا الشعور المشترك إنسانيا وانتقالها من حالة عفوية تلقائية ؛انبثاقا من العمق النفسي البشري الطبيعي…إلى حالة معقلنة ممنطقة تكاد تكون منعزلة عن الحالة النفسية الطبيعية.
اختل -بذلك – الميزان الطبيعي في ذات الإنسان…وأصبح هناك ميزان مصطنع تم تكوينه في ظروف نمو وتضخم جوانب في سيكولوجية البشر على حساب جوانب أخرى… وغالبا ما، كانت الجوانب السلبية المنسجمة والمتناغمة مع الرغبات والنزوات هي الغالبة.
نلاحظ بوضوح غلبة مفهوم(مصطلح)-المصالح-في العلاقات الدولية أولا ، ثم انعكست في علاقات اجتماعية داخل الأوطان. وشيئا فشيئا انتقلت إلى دوائر أضيق ضمن العلاقات الاجتماعية المحلية حتى كادت تتكرس داخل الأسرة الواحدة.
باختصار ، تحل الروح الأنانية -بفعل عوامل مختلفة-، منها موضوعية كالتكنولوجيا ونتائجها على القيم، ونمو الفردية، وذاتية –إنسانيا-كنمط، خاصة في الإدارة السياسية والتحكم بحياة الشعوب؛ استبدادا، واستلابا، وإنتاج أنماط جديدة من قوى تعزز التشبث بالسلطة، استجابة لأنانية سلطوية هي ربما أقرب إلى حالة مرضية نفسيا واجتماعيا-و من هذه القوى: الأجهزة الأمنية المختلفة ووسائلها غير الإنسانية. والقيم التي تخدم مصالحها عبر ثقافة موجهة، إضافة إلى التحكم في الاقتصاد والخدمات، بل وبالعقول: تسييس المدارس منذ المرحلة الابتدائية، وحفر أفكار مشوّهة في أذهان الصغار. وان كان ذلك –في حصيلة نهائية لا يؤدي إلى المراد بالنسبة إليها، ولكنه يبيع الزمن للحكام والأنظمة لفترة تكفي لجعل الحياة بائسة لجيل أو أكثر أو أقل من الناس.
إن الاتحاد السوفييتي سيعيش ربما نصف قرن أو أكثر حتى تتبلور فيه قيم جديدة يتأقلم الشعب معها في صيغة حياة جديدة تكون أكثر ملاءمة لحياة حرة وديمقراطية تفجر الفردية كقوة ذات حقوق وقيمة.
وإن الثقافة العربية تتراوح بين محافظة رجعية حتى العظم تحت عنوان التراث الديني والطائفي والمذهبي…الخ. ومحاولات تحت عنوان التجديد كالماركسية والقومية المتطرفة –العروبية-ومثالها حزب البعث في سوريا والعراق … والناصرية وأشباه ذلك.
في ظل ظروف الارتباك وغياب الوضوح في المفاهيم والقيم والرؤى … في إطار حيوية تمكنها من التفاعل المستمر والمباشر للتغيرات الحاصلة طبيعيا وصنعيا في الحياة. يحل ارتباك في حياة المجتمع وتتصادم المفاهيم والقيم والقناعات والسلوكيات أيضا ، اعتبارها ناتج ترجمة لقناعات و قيم  يؤمن بها أبناء المجتمع…!

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *