بين التقدم والتخلف خيط رفيع

نسيجه “الروح المتقنة لحيويتها ”
ربما من الأسباب التي دفعت أوروبا والغرب والشعوب المتقدمة عموما  لأن تكون كما هي عليه الآن؛ أنها تمتاز بخاصتين أساسيتين.
– أولا: تاريخ بُني على وعي ديمقراطي-مهما كانت الصيغة ، فالمهم أن فكرة الديمقراطية متجذرة في ثقافتها،( ذهنيتها وسيكولوجيتها) وسلوك  منسجم معها ،غالب  لديها.
– ثانيا:روحية حيوية فكرية؛ ومرونة تعبير، وترجمة ذلك الى واقع معاش .هذه الروحية التي أهّلت للتوصل الى المبادرات في معالجة المشكلات وفق معايير واضحة الدلالة؛ تكوّن نسيج الفاعلية لديها، لاسيما في العلاقات و التفاعلات …!
هذه المعايير الآن هي؛ معايير المصلحة غالبا، و المصلحة المادية تحديدا..

وبغض النظر عن التوافق معهم فيها أم لا ، فإنها تشكل ضوابط ذات أثر يعين على التقدم،  وان لم تخلُ من عيوب على صعيد التطبيق ..لكن البحث جار دائما لمعالجة المشكلات. وإنّ هذه المرونة، و في ظروف حرية واسعة المدى؛ تنتج الحيوية..
وعلى الرغم من أن الجميع يعتمدون المصلحة في الممارسة في الواقع ؛ إلا ان البعض يظل يحاول أن يضفي على منهجه طابعا فيه بعض مثالية؛ مما يجعلها غامضة الدلالة والمضمون والتحديد.. وربما ذاتية ، تلغي حق المختلف في التعبير. وقد يصل الى حد إلغاء حق الحياة، بما تجريه من ممارسات الغائية أصبحت ثقافة مكرسة. وربما كان السبب في كثير من صراعات غير ضرورية و مدمّرة.!
من هنا تنبع مشكلات غالبا..!!
فبالرغم من أن المصلحة طاغية في حياة الناس.. هذا ما نقرأ في التاريخ، ونلمسه في الواقع.
و لا تجد القيم المثالية مساحة واسعة من التطبيق في حياة الناس قديما وحديثا –إلا بقدر  ترتقي فيه قيم ثقافية في المجتمع –كما نشاهد اليوم في أوروبا التي بدأت دينية- إقطاعية-بورجوازية -رأسمالية… الخ. وانتهت مجتمعا قانونيا ديمقراطيا يشارك المجتمع بكل شرائحه في صنع السياسة فيها، واختيار الإدارة، ونسج بنية القوانين..بتدرج لا يزال مستمرا في الإصلاح باستمرار-وهذه ميزة حيوية-
فلم يعد ممكنا القيام بانقلابات، أو تغييرات طفراتية أبدا، لوجود مؤسسات قائمة،  جردت الفرد-مهما بلغت مكانته المالية، أو الإدارية، في الحياة المدنية والعسكرية…من قوة فعل ذلك(أي الانقلاب)..
لماذا؟
لأن الفعاليات موزعة بطريقة لا تمكّن أحدا  أن يسيطر- عبرها- على المجتمع –كما يحصل في المجتمعات المتخلفة، ومنها الكورد والعرب..وغيرهم..
وتجاوز المجتمع فيها ، قِيَما ترتد الى انفعالات، تفرزها علاقات بدائية –قبلية أو تعصب ديني أو فروعه..
باختصار ،تحررت الذهنية و السيكولوجية (أي الثقافة) من ترسبات ذات جذوة، تعود الى تلك الجذور..بل استبدلتها بقِيَم تلائم ما هي فيه من تطور يزدادا دوما..
فإذن – وبحسب هذا الاستنتاج، وأحسبه صحيحا- لا بد من توفر مرونة، وحيوية، وبنية فكرية؛ ترتكز على فهم الديمقراطية وسيلة تعامل بين البشر.- سمِّها الشورى أو التشاور ، أو التعاون، أو الاستشارة، أو التشارك، أو غير ذلك ؛ في الثقافة الشرقية-الإسلامية –خاصة.ودون الوقوف على تفاصيل تعطي مبررات لأنظمة  فتتخذها مدخلا لخلق إشكاليات ذهنية نظرية ؛ تثير البلبلة في فكر الشعوب، لتنشغل بها عن حقيقة شرعية وجودها وممارساتها ..
هنا تكمن مفارقة غريبة…فالغرب الذي أقر بالفردية-بخلاف الشرق الذي يرجح دور الجماعة- توصل الى تعريف الحدود بين الحق الفردي و الحق الاجتماعي الى درجة عالية من التوضيح.
فيما لا يزال الشرق ( و العالم الثالث عموما )يتراوح بين نظرية  أولوية الجماعة أو الفرد ؛ مستفيدا من لغط أثارته الفلسفة الماركسية، والتي تتمتع بعمق فكري فلسفي، لكنها –للأسف –رهينة فكر سياسي مسبق التصور والهدف ..وهو ما يخالف طبيعة العلم والفلسفة.. فالبحث عن الحقيقة  يفترض أن يتم في مناخ حر . .والنتائج هي التي تقرر الحقيقة وفق قواعدها..!
ربما هاتان الحالتان  تفرزان الشعوب والمجتمعات الى:
– مجتمع مغلق الذهنية والتصورات وفق أيديولوجية مقررة –سواء أكانت دينية أم سياسية…
– مجتمع منفتح الذهنية..فهو يعتقد بما يؤمن به في مسير حياته؛ ولكنه مستعد للتغيير كلما وجد لذلك سببا مقنعا، وضرورة تستوجب ذلك، ووفق معاير علمية –منطقية..يقررها العقل عبر خصائص تكوينية، فطرية أو مكتسبة من التجربة..!
وربما كان هذا هو السبب في تكوين ذهنية وسيكولوجية مختلفتين بين الشرق والغرب؛ أهم نتائجهما-أو ملامحها- ان الغربي –كمسؤول في الإدارة ومنها الإدارة السياسية- محكوم بالاهتمام بشعبه ووطنه، وتقدمهما؛ لكي يجد له مكانا في العمل السياسي كما يتطلع..في حين ان العكس هو السمة التي تسم المسؤول الشرقي حيث يجد بقاءه رهنا ببقاء الشعب في انحطاط لأسباب ذاتية؛ أو لأجل التحكم فيه مطواعا لبقائه حاكما.
وبالتالي، لا يمتلك الشعب أية قوة للتأثير والتغيير..
ومن الطبيعي ان الخلاصة لذلك هو ما نشهده من تخلف مزمن ومشاكل تنتظر الحلول، ولا تجد من يجرؤ-أو يقدر- على معالجتها، وتستنزف من الوطن والعلاقة بين فئات الشعب، ومن الاقتصاد، ومن إمكانية التطور الكثير الكثير . فضلا عن القلق المزمن في الرؤى والسلوكيات والتعامل القانوني..-احترام القانون-
فالأجهزة الأمنية يمكنها ان تتجاوز اعقد قانون في البلاد..وهي تهزأ بتذكيرها به.

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *