الحياة حيوية لا جامدة (تداخل المراحل في حياة الإنسان)

محمد قاسم………………

يولد الإنسان طفلا يطلق صرخته الأولى في الحياة،ويقال: لأنه أول مرة يتنفس فيها بعد قطع الحبل السري عنه، والذي كان يمده بكل شيء.
وخلال أكثر من أربع سنوات –تقريبا – يعتمد على والديه في كل احتياجاته من الطعام والشراب و كيفية اللبس..وقضاء الحاجة…الخ.
ومنذ الشهر الحادي عشر –غالبا- في الأحوال الطبيعية؛ يبدأ المشي بخطوات متعثرة، وينطق بكلمات بسيطة، لكن في لثغة، أو فأفأة، او ثأثأة، أو غير ذلك من الأحوال المعبرة عن تعثر الكلمات على شفتيه، بسبب الأصوات التي تخرج من حنجرته ببعض صعوبة؛ نتيجة عدم نضج القدرة على اختيار المناسب؛ أصواتا.. وكلمات..!
ولعل “المعاني” هي الأكثر صعوبة وتأثيرا على ذلك، بسبب ما في اختيارها من الصعوبة، لارتباطها بحركة المخ الذي لم يزل في طور النمو، ولم تكتمل الأجهزة العصبية فيه بما يكفل حسن التصور، وتحديد الأفكار والمعاني..
فينعكس ذلك على النطق وإخراج الكلمات..وهذا مصدر التعثر في كلامه عموما..
وهكذا… فالطفل يمر في مراحل متمايزة أثناء نموه الجسدي-بكل مكوناته المادية-، والنمو النفسي-بكل مكوناته ومنها العقل. وكما هو ملاحظ؛ فإن لكل مرحلة خصوصيتها في القدرة على التكيف مع الواقع..!
ففي مرحلة الطفولة الأولى-وهي تقابل السنين الأربعة أو الخمسة الأولى- تكون المدارك هشة، تنقصها الخبرة والتجربة..فهي غير صقيلة. لذا يمارس التفكير والسلوك بعفوية نسميها –عادة –”براءة الطفولة”.لأن الطفل –في هذه المرحلة- لا يدرك المغزى مما يقوم به غالبا. فسلوكه عفوي، وقد يقوم بما هو غير مقبول او ليس لصالحه حتى.!
ومن القرآن نستشهد بحادثة امتحان موسى عليه السلام؛ عندما قُدّم إليه ذهب ونار؛ فمدّ يده الى النار لوهجها-بغض النظر عن الدخول في تفسيرات دينية- .
وفي الواقع نلمس ذلك يوميا على سلوك الأطفال، فالطفل قد يرمي نفسه من علٍِ، تقليدا لفلم كارتوني مثلا. وهنا تسجّل مآخذ على منتجي ومنفذي هذه الأفلام. كيف لا ينتبهون الى هذه الحقيقة، ولا يدرسون مفردات إنتاج أفلامهم بناء على معطيات علم النفس التربوي_لا علم النفس العام فحسب. او علم نفس الطفولة المؤثر نفسيا على اهتماماتهم؛ توخيا لمكاسب مالية عادة.!
وفي مرحلة “المراهقة” تكون القوى النفسية والجسدية في نهايات اكتمالها..وتمثل المرحلة الوسطى بين الطفولة المتأخرة وبداية الشباب..
ولهذه المرحلة خصوصيتها وميزاتها؛ والتي لم يتحقق فيها، نضج عقلي، واكتمال نفسي متوازنين.!
فقد يغلب لديه الحركة النفسية على ضوابط العقل، ويكون التوهج العاطفي والنفسي عموما طابعه العام..ومن ثم الاندفاع يسِم سلوكه على الأغلب..
ولكن المرحلة الشبابية-البلوغ- تتصف –في الأحوال الطبيعية –بالنضج والاكتمال، والشعور بالمسؤولية تجاه الفعل، والتفكير، والسلوك عموما..
ويقتضي ذلك توازنا هاما بين ما مضى وآثاره، وما سيأتي وجديده..حيث تزداد المسؤولية باستمرار، وتتسع في ميدانها او ميادينها .فقد كان مسؤولا عن نفسه وحده، ثم أصبح مسؤولا عن نفسه وعن زوجه فأولاده..فعمله.. فبلاده.. فالإنسانية جمعاء، باعتباره-في النهاية –عضوا فيها .مهما بدا انه ضئيل الأثر في ذلك، لاسيما هذه الأيام التي تحوّل العالم فيها إلى قرية؛ بفضل التقنية الحديثة-مواصلات واتصالات بأشكالها المختلفة.
وينسب إلى علي ابن أبي طالب –كرم الله وجهه- القول:
وتحسب انك جرم صغير=وفيك انطوى العالم الأكبر
أمثلة:
• “كوفي عنان” كان طفلا إفريقيا توصل الى أن يكون أمين عام الأمم المتحدة..
• “بل كلينتون” كان من عائلة فقيرة، لكنه قاد أمريكا لثماني سنوات؛ كانت قراراته مؤثرة في الدنيا كلها، واليوم زوجته هيلاري الجميلة والحيوية –تعينه على ممارسة دور مماثل من وراء شخصيتها كرئيس للولايات المتحدة..!
– ومن جهة التأثير الفكري والفلسفي والعملي بدأ معظم المؤثرين منهم بدايات بسيطة، او منسية ، ثم بلغوا أعلى مواقع التأثير..
• “أديسون ” كان يبحث عن عمل يعيش منه عندما حطه القدر أمام رئيس محطة للقطار لينقذ ابنه من موت محقق، فيكافئه بتوظيفه. لكن كسله وميله الشديد إلى النوم، اضطر مدير المحطة الى الاستغناء عن خدماته؛ على الرغم مما بدا من موهبته. فاتجه نحو الاختراعات التي بدأت تتبلور في ذهنه، وكان اختراعات كثيرة مهمة على رأسها الكهربا(مصباح أديسون).
لكل مرحلة- إذا- تأثيرها في تشكيل الشخصية الإنسانية، وضمن زمن ومحيط اجتماعي وطبيعي مختلف.!
فهل نتوقع-إذا- أن يكون الإنسان في كل مراحل عمره في نفس الإطار الفكري والنفسي والسلوكي..؟!
والأزمان والأمكنة والظروف مختلفة ومتداخلة(فالحاضر ينزلق الى الماضي،والمستقبل ينزلق نحو الحاضر.. وهكذا..
ولعل هذا هو السر في ان (الإنسان خطاء) او أن الخطأ ملازم له دائما، وعليه أن يتعلم تدارك أخطائه باستمرار، ليستقيم أمره مع البيئة التي يعيش فيها –بشرا وطبيعة..
وطبعا إن تبنى المناهج التربوية اجتماعيا على أساس هذه الحقيقة حيوية النمو.!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *