الثقافة السياسة”1″

الثقافة السياسية “1”
محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
لا يقول عاقل بالاستغناء عن السياسة ، أوان ذلك ممكن حتى…!

فالسياسة هي الجانب الإداري للمجتمع والذي لا بد منه –مهما كان السبب وكيف كان الحال…ماذا نريد إذا؟
ببساطة ،نريد ثقافة تحدد طبيعة ومساحة وتوجه ونهج …الممارسة السياسية ،
نريد قوننة العلاقة بين الحكام والمحكومين، وإيجاد آلية تنفيذية لهذه القوننة…
نريد نهجا تربويا متفقا عليه ، لضمان تنفيذ مضمون هذه التربية واقعيا في ممارسة كل ما يتعلق بنشاط وفعالية السياسة … فكرا وسلوكا .!
باختصار :نريد أن تكون الممارسة السياسية في مختلف مراحلها، وتجلياتها، ونتائجها ، و إفرازاتها….  واضحة الملامح مسارا اجتماعيا، وقبل ذلك فلسفة،  وفِقْها…!
ولعل هذا يقتضي توضيحا ؛ قبل السير قُدُما في  الحديث عن هذا الموضوع. هو التنبه إلى أن مفهوم الثقاقة، شامل لكل أنشطة مجتمع ما، في مرحلة ما.  فهي توافق مفهوم الحضارة  مع فارق أن الحضارة تؤشر  للجانب المادي  أكثر. في حين الثقافة يغلب فيها الجانب النظري – ويتشارك مفهوم التراث مع مفهومي الثقافة والحضارة مع فارق هو أنه يخص مراحل تاريخية فحسب.
هكذا اصطلح الباحثون حول مفاهيم الثقافة والحضارة والتراث…بشكل عام، مع الحاجة الى تفصيلات أكثر عند البحث التخصصي فيها-.
لماذا الاهتمام بموضوع الثقافة السياسية؟
الأصل – ربما في كل بحث- هو البحث في المفاهيم الأعم، ومن ثم المفاهيم التي تندرج فيها –أو تحتها- لكن عدة عوامل تفرض تجاوز هذا النهج –أحيانا – منها مثلا: انتشار الثقافة –والوعي- مما يجعل التفصيلات ليست ضرورية إلا في أحوال محددة، أكثرها لغايات تربوية ، وسعة مساحة الثقافة وتعدد مناحيها ، وقلة مساحة المقال لاستيعاب مثل هذا النوع من الأبحاث… وعدم تخصص أو كفاءة أيضا أحيانا…و…غير ذلك كما أن الهدف هنا هو تسليط الضوء على مفهوم معيّن قد تكون الحاجة الى قراءته تحت الضوء مفيدة .وأنا أراها مهمة أيضا.
الثقافة السياسية تعملقت –إذا جاز التعبير- وأصبحت كالغول تبتلع كل فروع الثقافة الأخرى ،وهذه ظاهرة غير طبيعية في مسار الثقافة عموما ، وما يفترض من علاقة بين ثقافة عامة وفروعها –وثقافة السياسية فرع منها في الأصل-.
هناك –إذن- تضخم في الثقافة السياسية على حساب الثقافة العامة . وبالتالي ، فإن القوة السلطوية المرافقة لها تجعلها خطرا على ما يفترض من بيئة ثقافية اجتماعية ، تضمن اتناغما وانسجاما ، وتوزّع قوى مادية ومعنوية وفقا لتسلسل –أو قانون- طبيعي.
بالعودة الى تحليل نشوء الحكم – الممارسة السياسية- يتجه الجميع نحو فكرة أن الأصل هو “تعاقد بين الحكام والمحكومين” في صيغته الأكثر معقولية،   بممارسة كل طرف عمله الذي يخدم المجتمع في أنشطته وفعالياته المختلفة. ومن ثم بذل الجهد في اتجاه تطويرها ، وانعكاسها ايجابيا على تحسين الحياة .
ا فالسياسة –الحكم- تستمد حضورها وممارستها لأنشطتها الإدارية من عقد مصدره الأساسي هو الشعب. وهذا هو معنى العبارة التي تتكرر دائما على أفواه المحللين والباحثين في شان السياسة” الشعب مصدر السلطات”.
لكن تطور المسار في اتجاه غلبة الحاكم عبر الملكية والوراثة، والتفرد بالخبرة الإدارية، و هيمنة على الجيش –المدافع عن الشعب في الأصل- وامتلاك الثروة –مهما كانت الطريقة- …الخ ، جعل الكفة ترجح للقوة الحاكمة على حسب مصالح المحكومين في مراحل تاريخية.  ثم استمر كمعيار لا يزال حتى اليوم من الناحية الميدانية، بل والثقافية أيضا، لأن المصلحة المشتركة بين الحكام تجعلهم جميعا يتبنون هذه الثقافة .. أو على الأقل يتفاعلون معها وفقا لاتجاهها المغالط، بل والمنحرف.
ولم يساعد تطور الثقافة السياسية في الكثير من البلدان التي تسمى متقدمة، وبخصائصها الديمقراطية، على تغيير هذا المعيار المغالط الذي فرضته ظروف القوة والتحكم في غياب إمكانية شعبية التغيير، بل وعندما تحاول التغيير فإنها تدفع ضريبة كبيرة جدا، ومبالغ فيها، بسبب تمسك الحكام بالمراكز، ومراوغة الدول المتقدمة في التعامل مع الظروف الجماهيرية.. لسبب بسيط وواضح هو: إن المعيار الاقتصادي الغالب –المصالح- في هذه الديمقراطيات المتقدمة انعكس سلبا –للأسف- على الثقافة السياسية ، فغلبت القيم النظرية أو الدبلوماسية-إذا جاز التعبير –فيها وأهملت القيم التي تفرض التزاما ميدانيا تعين على التغيير لصالح المحكومين.

هناك- إذا- خلل في بنية العلاقة بين الحكام والمحكومين- أي في الممارسة السياسية – إدارة المجتمعات والشعوب…- نتج هذا الخلل من تمادي حكام في استثمار مواقعهم ،والتجاوز على مشروعية وجودهم في رأس الحكم، بالانتقال من مهمة رعاية مصالح المحكومين، وفق أساس تعاقدي مفترض بين الحكام وبين المحكومين-الشعوب- إلى تضخيم نفوذهم، وصلاحياتهم لتطال حقوق المحكومين في مختلف الجوانب،وفي بعض حالاتها الى درجة استعباد المحكومين-الشعوب-..ولا يخفى على احد ماذا وكيف يكون الحكم عندئذ …وتجاوزاته المشينة.
لم يستسلم للشعوب لهذا الواقع فكانت الثورات التي أدت الى تغيير في نظم سياسية حاكمة أحيانا ، والفشل أحيانا أخرى مما أعطى فرصة –أو حرك نوازع غير إنسانية –عدوانية- في الحكام ؛فاستبدوا ،وظلموا،وقتلوا،ونهبوا ، وفعلوا كل قبيح… للتحكم بحياة الشعوب، ومحاولة تأمين فرص الحكم الآمن لورثتهم، ومما يؤسف له أن الخليفة معاوية كان أول من ارتكب هذا الخطأ في النظام الإسلامي الذي تجاوز الظاهرة بسلاسة نظرية مشهود لها، بعدم التوريث لا من الرسول ولا من الخلفاء الراشدين الأربعة ،على الرغم من المرارة في الواقع الميداني حيث قتل كل من الخلفاء الثلاثة “عمر وعثمان وعلي…” رضوان الله عليهم، ولكن الجانب التوريثي لم يُعتمد إلا على يد الخليفة معاوية بن أبي سفيان-سليل زعيم قريش الذي لم تفارقه فكرة الزعامة فقاتل عليا وغالطه في بعض المعارك برفع القران على أسنة الرماح لعلمه بطبيعة علي الدينية وإيمانه القوي وكانت لعبة منه ومن عمرو بن العاص انتهت الى انتزاع الخلافة من علي…بعد قتله من الخوارج-وهذه ملاحظة جديرة بالتوقف عندها. و سنفعل إن ساء الله.
وكانت الثورة الفرنسية الكبرى ملهم الحرية والديمقراطية ومفرزة مفاهيم اليسار واليمين في الثقافة السياسية والأهم ملهم مفاهيم العدالة والمساواة …!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *