موائد الإفطار الجماعية  هل هي تلبية لدعوة دينية أم هي مظهر لممارسة سياسية..؟

ابن الجزيرة(م.قاسم)
كثرت في الآونة الأخيرة موائد الإفطار الجماعية في معظم البلدان الإسلامية وخاصة العربية منها(بل ولعلها هي البادئة وهي المكثرة منها أيضا). ونحن نعلم أن هذه الظاهرة هي إسلامية في أصلها- وإن كانت بطرق مختلفة أو ابسط –
ما المشكلة إذاً..؟
أتذكّر أن بعض الدول العربية اتبعت هذا الأسلوب، وخصت به علماء الدين وحدهم، وكان واضحا الهدف السياسي من هذه الخطوة، في دولة تحكم بالحديد والنار- كما يقال- وفيما بعد توسعت هذه الخطوة في الدولة ذاتها حتى شملت بعض المحتاجين أيضا، وبصيغة أخرى، أحسنت إعلامها توظيفها إعلاميا لاستثمارها سياسيا، وهكذا- وهذا أسلوب معروف ومبالغ فيه عند الأنظمة العربية ..
فالإفطار أصبح مادة سياسية لاستقطاب عواطف أو ضمائر بعض المتنفذين في الشارع الإسلامي لاستثمار الأمر سياسيا.. ومن المؤسف أن هذه هي الطريقة التي يتبعها الحكام في البلاد العربية والإسلامية- عموما – مع شعوبهم(طريقة تضليل شعوبهم في كل قضايا الحياة للحفاظ على كراسي الحكم ..).
فكأن موائد الإفطار التي تجهز من أموال الدولة هي من حر أموالهم- إذا وجد هذا المال الحر فعلا- وكأن على هؤلاء الذين يفطرون على هذه الموائد أن يظلوا موالين لهؤلاء الحكام ثمنا لطعام هو من حقهم أصلا، ومن مسؤولية هؤلاء الحكام في الأساس(سواء من منظور ديني إسلامي أو من منظور الدولة العصرية التي ترى إن الدولة ملتزمة بتوفير احتياجات مواطنيها، فضلا عما يرد في حملاتها الانتخابية كبرامج.. بهدف انتخابي).
كان عمر ابن الخطاب يظهر الإشفاق على نفسه من عذاب الآخرة، وهو الخليفة المعروف بعدالته، وباستماتته في خدمة مواطنيه، وقصصه في هذا الميدان معروفة..فقيل له: لم هذا الإشفاق لخليفة من بين العشرة المبشرين بالجنة..؟! فقال متألما: لو أن راحلة في جبال العراق وقعت فإنني مسؤؤول عنها..قيل وما ذنبك ؟ قال: لأني لم امهد الطريق، وأنا المسؤؤل عن شؤون المسلمين(المواطنين).(1)
المهم.. أن تأمين الطعام للمواطنين ليس منة وتفضلا وإنما هو بعض من حق المواطن بشكل أو بآخر..بل وإن للمواطن حقوقا أكبر لا يمكن لموائد الإفطار أن تمحوها..!
نحن لا نرى باسا من حركة لطيفة يقوم بها المسؤولون في الدولة – أية دولة- للتودد إلى أبناء وطنها..ولكن الذي نراه بأسا أن يحولوا حقوقه المعطاة لهم -لكسب ما- وسيلة فيها بعض ابتذال – لا يمكن التغطية عليها،ضمن ظروف العولمة الإعلامية والثقافية إذا جاز التعبير-
الذي نراه بأسا هو أن يتعامل المسؤولون مع مواطنيهم وكأنهم لا يزالون ينتمون إلى عهد الملوك (والخلفاء الملوك) والسلاطين والامبراطوريات ..والتي لم تعد ثقافتها تناسب ثقافة العصر، ولا أسلوب العلاقة فيها،تناسب العلاقة بين المواطن وبين الحكام في هذا العصر المختلف من كل الوجوه..
فالوعي البشري بلغ مدى لم يعد يسمح فيه بصيغة الحر والعبد في علاقة وطنية، ينبغي أن يكون الناس فيه جميعا أحرارا ومتساوون في الحقوق والواجبات(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..؟!)(2)
..لا يتمايزون.. إلا بما يفضلون بعضهم بعضا في الإتقان في الأداء، وفي الاستعداد للتضحية من اجل المواطنين في الوطن، وفي القدرة العلمية المسخرة للمواطنين ضمن الوطن..وفي التقوى..!
التقوى ..هذه الكلمة التي باتت ضرورية أكثر من أي وقت مضى..فقد كاد غياب القيم الأخلاقية الايجابية أن يصبح عاما ..وهنا مكمن الخطورة.. الخطورة في أن يتحول كل إنسان – خاصة في موقع المسؤولية- إلى تاجر جشع يسعى بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.. لاستثمار موقعه، وملكاته، من أجل جمع المال، ومن اجل قطع الطريق على أصحاب الحقوق، ومن اجل رفاهية من مال حرام، وبأسلوب فيه مغالاة ومباهاة جاهلية، ويتبعون كل الوسائل السلبية حتى – قتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق – وينشرون ثقافة الأنانية، والظلم ..بل وتزييف الثقافة في مختلف أشكالها، وتجلياتها،بحيث يصبح الكذب هو القيمة الأساس فيها، واعتبار حسن ذلك دهاء، وشطارة.. تحت مسميات مختلفة ،لعل أخطرها مسمى السياسة والوطنية وغير ذلك..
موائد الإفطار وكل الحالات المشابهة، ينبغي أن تتحول إلى مؤتمرات على مستويات مختلفة (نخبوية،شعبية..) لتدارس شؤون المجتمع والمواطنين، والوطن الذي يحويهم بخيراته ومشكلاته..وأفضل الأساليب لإدارتها، وخير القادرين على هذه الإدارة..بحسن اختيارهم، وحسن تصرفهم..
بتقديري:
لو لم يضع غاندي اللمسات الحيوية على بنيان الهند السياسي والإداري لما أصبحت الهند تعرف بـ(أكبر ديمقراطية في العالم).(3)
ولو لم يضع جورج واشنطن وأبراهام لنكولن وغيرهما(4)، اللمسات الحيوية على بنيان الولايات المتحدة الأمريكية، السياسي والإداري لما أصبحت أمريكا أكبر قوة في العالم فضلا عن النظام الديمقراطي الذي يستمتع به أبناءها من جميع إثنيات العالم.
ومن المؤسف أن نظل نردد بأسلوب آلي أن الحضارة الإسلامية وإن التراث الإسلامي وإن التعاليم الإسلامية وإن..وإن..الخ ولكننا ابعد الناس عن هذه الحضارة وعن هذا التراث وعن هذه التعاليم…!
وكم كان الشيخ سعيد النورسي مستشرفا للمستقبل عندما قال: جوابا عن سؤال وجهه إليه الشيخ بخيت مفتي الديار المصرية في إحدى زياراته إلى استانبول:
((إن أوروبا اليوم حاملة بالإسلام وستلده يوما ما، والدولة العثمانية حاملة بالنهج الأوروبي وستلده يوما ما))(5)

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *