لماذا يستسهل البعض اتهام الآخرين..؟!

ابن الجزيرة(م.قاسم)

ظاهرة استسهال اتهام الآخرين بصفات مشينة كالخيانة أو العمالة، أو الكذب، أو غير ذلك..
ظاهرة متفشية في المجتمعات المتخلفة، ذات الثقافة القبلية (البدائية) وخاصة لدى الأنظمة الشمولية(المستبدة) والتي تحتكر هذه المعاني بحسب رؤيتها الأيديولوجية، و لا تعترف بحق الآخرين في الاختلاف…! وتستغل ذلك لضرب المخالفين له والتنكيل بهم تحت غطاء قانوني يجنبها ملامة الآخرين-بحسب تصورها على الأقل-.
وقد يحصل-في شعوب الغرب -اتهام في المستوى السياسي بمناسبة الانتخابات مثلا. ولكنه سرعان ما ينحسر بانتهائها. وفي حال تجاوزها لمعايير القانون فإنه يحاسب عليها.
وربما يكمن سبب هذه الظاهرة في حالة نفسية يعيشها أبناء هذه المجتمعات، كنتيجة لنمط التربية التي تلقاها، وهو-على الغالب-نمط قبلي الطابع (ثقافة ترتد في جذورها إلى تكوين نفسي قبلي) على الرغم من القالب العصري الذي يتبدى فيه، وذلك يشابه حالة أمي جاهل يلبس جبة عالم…!.
وهل لبس الجبة يغير من التكوين النفسي لهذا الأمي الجاهل. ؟!.
وبنوع من التحليل يمكن ترشيح الاحتمالات التالية لوجود هذه الظاهرة.
–  هذه الظاهرة تبرز أكثر لدى أولئك الذين تقل ثقتهم بأنفسهم .
– أو لعل السبب في عقيدة لديهم، تبنى على أن اتجاه الحقيقة واحد (أو للحقيقة وجه واحد)(1) وأنهم فقط الذين يمتلكون هذه الحقيقة. وقد يكون هذا مقبولا فيما يخص قناعاتهم .فكل امرئ له ما يعتقده. لكن اعتقاده لا يخوّله الغاء حق الآخرين في الاختلاف معه مادام منضبطا بحياة مسالمة.
يظهر هذا لدى كثيرين من الذين يرون في أنفسهم متدينين، أومن أصحاب الأيديولوجيات  بشكل خاص، وهؤلاء يشكلون مشكلة حقيقية لها تأثير في عمق الذهنية والنفسية التي تحرك أصحابها، وتأتي الإجراءات العملية في السياسة الواقعية-كما تسمى-لتزيد من حرارة هذا السلوك الذي يسمى عمليا أيضا…!

أو لعلهم ممن لا يتمتعون بقيم ومعايير منطقية، وأخلاقية،  تمنعهم من اتهام  المختلف من غرباء أو بني القوم والوطن ،بلا دليل، لغرض مصلحي (وهذه تظهر لدى السياسيين أكثر من غيرهم).
– أو ربما هم ممن تنطبق عليهم بذه الخصائص (الخيانة، العمالة، الكذب، العلاقات المشوهة …الخ) فيعكسونها – سيكولوجيا، وتسمى الحالة بالـ (إسقاط)-على الآخرين. – أو لعلهم يفعلون ذلك تحت ضغط ضاغطين عليهم، وهم لا يفهمون احترام حقوق الآخرين الأخلاقية، والقانونية، والطبيعية…! (أو لا يعطونها اعتبارا).
– أو غير ذلك من احتمالات ممكنة. وعلى رأسها الأسلوب الشمولي في إدارة البلاد ، والذي يستند إلى رؤية أيديولوجية فيعتبر القائمون عليه بأن كل من يخالفهم (خونة أو عملاء او غير ذلك. لنلاحظ السجون لدى هذه الأنظمة مثلا إنها مليئة بالناس وخاصة أصحاب الرؤى المخالفة لها(سجناء الرأي، والسجناء السياسيون..). ولعلي أقصد هؤلاء أكثر من غيرهم.
في حصيلة الأمر، هؤلاء المستسهلين لتوجيه الاتهامات إلى الآخر، هم أناس لا يتمتعون بمصداقية الاتهامات هذه-على الأغلب-وربما هم ممن يعانون من حالة نفسية مرتبكة، لسبب ما.، أو يخافون على مراكزهم ومواقعهم ومناصبهم..
ولعل السبب الـ” تربوي “-هو الغالب-في بروز هذه الحالة. لأن صيغة التربية غير المسؤولة، تؤثر سلبا على تكوين النفوس لدى هؤلاء. فهم” يقولون” دون شعور بالمسؤولية عن “القول”. وهم “يفعلون” دون شعور بالمسؤولية عن “الفعل”… الخ. ببساطة، لأنهم لم يُربَّوا على الشعور بالمسؤولية بشكل عام-والشعور بالمسؤولية تجاه حقوق الآخرين بشكل خاص-أو الشعور بالمسؤولية الأخلاقية. إنهم لم يربوا على فكرة أن الحياة حق للجميع، باعتبار الخَلْق هو فعل إلهي. وليس فعلا بشريا يغيِّر فيه متى شاء، أو يعدله وفق مزاجه، أو وفق مصلحته، أو غير ذلك..
(ولعل الحكاية التالية ذات مغزى:
كانت “أربعة ” جثث -على الأقل-ممددة في المستشفى، وهم أبناء قرية واحدة، وكان السبب-ظاهرا-خلاف على موقع بناء دار ..! . والسؤال:
لماذا استسهال القتل…؟ ولماذا استسهال الاتهام…؟ ولماذا استسهال التخوين…؟.الخ
هل تساوي الدنيا كلها روحا زهقت بغير حق.؟
وهل يبرر قتل الروح البريئة، حالة نفسية (مزاجية انفعالية مستسهلة…؟).
مع ذلك ، فليس هنا مغزى الحكاية.. بل المغزى هو في ما يلي: شخص يتهم في سويته الفكرية بدرجة ما، وقف عندي، وقال:
أستاذ، ما القصة؟
قلت أربعة جثث ممدودة (مقتولة).
-: لماذا؟.
-: يقال خلاف على قطعة أرض للبناء.!
-: وهل يحق للإنسان أن يزهق روح إنسان خلقه الله.؟!
هنا في هذا السؤال مغزى الحكاية…!
هل يحق لإنسان (مخلوق) أن يقتل إنسانا “خلقه الله”.؟!
هل يملك الإنسان حق اتخاذ قرار بقتل روح بشرية خلقها الله…؟
ومن أين يستمد القاتل شرعية عمله…؟
الأمر نفسه ينسحب على اتهام الآخرين بدون أدلة ثابتة…!
التهمة السيئة، تشبه القتل في بعض وجوهها – وربما في الوجه الأهم منها-وهو: هل يحق للمرء أن يستسهل اتهام الآخرين.؟!
ولماذا يفعل ذلك…؟
لا نتحدث هنا، عن الذين تلاشت في ذهنيتهم القيم. لأسباب خاصة (الجريمة وما شابه) أو من مات لديهم الضمير( مستوى انعدام الضمير)-كما يصنفهم علماء الأخلاق-…!
نتحدث عن  الذين تبدو عليهم حياة طبيعية يعيشونها، ومنهم من يحمل ألقابا اجتماعية، أو علمية، أو دينية، أو سياسية، أو إدارية، أو هم في موقع الحكم… الخ.
هؤلاء الذين يستسهلون الأحكام القاطعة –قتلا أو تجريما أو تشخيصا أو اتهاما…الخ.
وعندما يصدرون أحكامهم لا يدركون (أو يدركون ولكن لا يشعرون) بسبب نمط التربية التي عاشوها ويعيشونها، أن كل حكم هو:  صادر عن قيم يؤمن بها..
– أو سيتحول إلى قيمة توضع في ساحة تداول الآخرين. وسيتحول إلى تراث مستقبلي- إذا جاز التعبير- ومنهم من لا يقدّر عواقب فعله.
إذا..ليست المسألة بتلك السهولة التي يقوم البعض فيها بكيل اتهامات قياما وقعودا، وكأنهم وحدهم الذين يملكون هذا الحق..! ربما لخطأ في تربيتهم، أو  لغباء فيهم…فلا ينتبهون إلى أن الذين يشتمونهم، يملكون ألسنة يشتمون ، ويردون عليهم به..! وما أعظم مغزى الحديث الشريف القائل ما معناه:  من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه.قيل وكيف يا رسول الله ..قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أم الرجل فيسب أمه.!
لم إذاً أبواق مفتوحة ليلا ونهارا وعلى مختلف وسائل الإعلام يتفوهون بعبارات يخجل منها كل من يدرك مسؤولية الكلمة-شفاها ام كتابة أم ترجمة سلوكية…!
إن تغليب أسلوب سياسي(أيديولوجي) في التفكير، هو المسؤول الأكثر تأثيرا في هذا الميدان. فالمعلوم أن السياسة – بطبيعتها-ذات خصوصية ينبغي على من يتصدى لها أن يستوعبها، و أن يكون في مستوى يؤهله لذلك، وأيضا لاتخاذ القرارات وتنفيذها(للتصرف) وعليه قبل هذا وبعده، أن يكون من الذين يتمتعون بسعة أفق ملائمة لمستوى وجوده في(موقعه) ولمستوى طموحه(أهدافه) ولمستوى(مسؤوليته) الاجتماعية والسياسية …الخ(المصداقية).
وبخلاف ذلك يكون القول رأيا، أو انطباعا يحدد أسلوب الطرح ومضمونه. قيمته الفعلية، ولا يدخل بحال من الأحوال في خانة مستوى  تفكير متوازن. ولا يرتب حقا لأحد في اتهام مبتذل لا سند واقعي له – قانونا وشرعا…الخ.
لا نريد أن نزج بأسماء للتدليل على أننا اعتمدنا الواقع، ولسنا فقط متخيلين للأفكار-والوسائل أصبحت في متناول الأيدي بسهولة (الصحافة بأنواعها، الإذاعة المرئية والمسموعة، الهاتف الجوال بميزاته الهائلة، الكمبيوتر وقدراته المتجاوزة للتصورات أحيانا ..وغير ذلك، وهي جميعا أصبحت في متناول الأيدي بدرجة أو أخرى، وأصبح المرء قادرا على المقابلة بين المختلفات، واستنتاج الصواب ، وأصبح ممكنا، الكشف عن المغالطات ، ونوع الحديث الذي يغلب في حياة المجتمعات المتخلفة- ومنها العربية- وخاصة لدى ممتهني اللغط والمغالطة من حكام أوجدوا مدارس –إن لم نقل حوّلوا كل المدارس القائمة- مهمتها إنتاج المغالطات، وتصديرها لشعوبهم، عبر السيطرة على وسائل الإعلام، بحجج واهية لا تصمد أمام حقائق الواقع…!
ومن ثم يوزعون الاتهامات يمينا وشمالا، مبتذلا ورصينا، لكي يبرروا  سلوكا لا يتوافق مع الصيغة المنطقية للحياة…!
كل ذلك لتحقيق ما يتصورونه مكاسب في حياتهم ومستقبل أيامهم دون حساب للفترة المحدودة التي سيعيشونها، ودون حساب للآثار السيئة التي يخلفونها على حياة الأوطان والعباد فيها بوجودهم او  بعدهم، ودون حساب للأذى الذي يتسببون به لخلفتهم من بعدهم…الخ.
ألم يكن صدام سببا فيما وقع لأبنائه، وأحفاده، وزوجه وبناته…؟!
ومثله مثايل –كما يقال باللغة الشعبية-. ؟!
…………………………………………………………………………….

(1) وهو قول قد يكون صحيحا في إطار هذه الصيغة، ولكنه يصبح خاطئا عندما يتصور قائله انه وحده يمتلك الحقيقة، ففهم طبيعة الحقيقة، وأسلوب التعبير عنها قد لا يكون في نفس النموذج لدى الناس المختلفين في مستوى فهمهم، ومديات الخبرة لديهم، وظروف التربية التي عاشوها..الخ مما يفترض سوية عالية من قدرة استخدام العقل للحكم وفق مبادئ متفق عليها بحكم وحدة العقل عند البشر- وإن كان هذا فيه اختلاف أيضا-

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *