كفى ترهيبا وتزييفا.؟!

ابن الجزيرة

كلما اشتاقت نفسي إلى أن أستريح عن الكتابة؛ استحثتني إليها كتابات من بعضهم – سياسيين ومثقفين – وخاصة من حالات حزبية  استباحت حقوق الناس ، ضيقت عليهم ممارسة حريتهم في التعبير والنقد..  وجعلت من ممارسة حق  النقد خرقا للمقدس،  إذ يتناول أشخاص ، حاصروا التفكير الكوردي وحصروه ضمن ما يلائم مصالحهم و توجهاتهه التي لا تخلو من تساؤلات بشأنها  أحيانا .

عندما يعلق البعض  أو يقدمون مداخلة حول مقال أو رأي أو نقد… تهيج نفوسهم المطمئنة وتندفع من داخلهم تراكمات من حالات نفسية انفعالية … ليصوغوها سهاما مسمومة ، يوجهونها إلى المختلفين معهم، أو الذين يكشفون عن النقص في أدائهم ومواقفهم؛ أو على الأقل يرون رأيا يخالف رأيهم في النظر إلى الأمور!.
لاحظت هذا الأمر قديما، ولاحظته حديثا  لكن بوتيرة متصاعدة، و لهجة فيها ترهيب ، واستهتار أيضا في حالات… وذلك كله في إطار شعاراتي مؤسّس على مزايدات في العمل الوطني ، تكاد تلتقي مع مزايدات وشعارات أسس لها مدرسة البعث على حساب المواطنين الذين على عاتقهم؛ يقوم العمل والأداء الأفضل ، مقابل أجور زهيدة لا تسد الرمق باعترافهم هم؛ سواء في الدفاع عن الوطن أو العمل في مؤسساته ومنشآته المختلفة…!
ويبدو أن هذه الوسائل قد استحكمت لدى رموز حزبية خاصة،  و رموز ثقافية أيضا ، لاسيما تلك التي ألفت الارتزاق بمعنى من المعاني .
أقول لهؤلاء الذين باتت أقنعتهم معروفة .ولم يعودوا قادرين على إخفائها؛ أقول لهم :
يا ليتكم راجعتم أنفسكم، ونظرتم إلى سنوات طويلة في “نضالكم” الذي تضربون به وجوهنا دوما؛ واسألوا أنفسكم عن إنجازات  حققتموها لشعبكم – إذا استثنينا بعض مظاهر  أحسنتم في تكريسها؛ كمواكبكم المضخمة في مراسيم العزاء وخاصة لمن يحسن إكرامكم… وإذا استثنينا طلابا شبيبيين– إن لم يكونوا بعثيين أيضا– في بيوت أفراد من قيادييكم من أجل درجات في التسجيل في الجامعة… وإذا استثنينا سرعتكم في التقارب والتحالف حيال كل جديد أو تجديد في أساليب التفكير والعمل…!

تعيشون مختلفين سنوات طويلة لأجل قضايا شخصية تمنعون فيها تقارب القوى وتقارب العمل؛ ولكنكم تتفقون خلال ساعات حيال الجديد من التفكير والعمل، بل وتضعون -عن وعي -الظروف التي تسهل قمع مخالفيكم في التفكير والاستراتيجية؛ خدمة لمصلحة حزبية ضيقة لطالما تنددون بها في أدبياتكم.
تستغلون الأخطاء لدى الآخرين لتركبوا الموج إلى المألوف من حياتكم التي ألفتموها، عبر نضال على الورق وتكريس الأماني في النفوس. كل ذلك لتبقى إدارة دفة السياسة في أيديكم تبررون بها ماضيا خاليا من معنى حقيقي للنضال المعروف في كل الأعراف السياسية . وبدلا من استنهاض الحيوية في نفوس أبناء الشعب واستثمار الظروف لتحقيق مكاسب لشعبكم؛ تستوحون العمل من حركة خصومكم الذين لا يقدرون – كما أنتم – على التغير والتطور..! بل يحاولون إخضاع التغير والتطور لتصوراتهم التي بنيت على تراث متراكم من الخطأ في التفكير والعمل ؛ ما دام مناخ الحرية في التفكير والنقد مخنوقا. وها انتم أولاء تقلدونهم!. فيا للعجب!.
قرأت في خبر أن مشروعا لمنع الإساءة إلى بعض الأديان يطرح في بريطانيا، ولكن احتجاجا يواكبه لأن ذلك سيسهم في نوع من تقليل الحرية في الانتقاد. وإذا كانت المشاريع النبيلة توضع تحت مجهر الاحتجاج فلماذا  نرى بعين التهمة ممارسات نقدية لحزب أو لسكرتيره أو لمثقف أو لظاهرة دينية أو عشائرية…الخ؟!.
هل هذه هي الحرية التي تنادون بها صبح مساء؟!.
هل هذا هو الحلم الذي تجدلونه لأبناء شعبكم ليل نهار ؟!.
هل صدقتم أنفسكم بأن الشعب قد أصبح رهينتكم تفعلون به ما تشاؤون؟!. أو ترهبونه بوسائلكم ذات الطابع النقدي الإرهابي – إذا جاز التعبير – وأقصد الإرهاب المعنوي، لا المادي. فمن الحظ الحسن للكورد أن ظروف معاناتهم والقيم التي تبنوها في تاريخهم لم توجههم نحو أسلوب الإرهاب العملي. (وإنني سأظل أتذكر قول المرحوم  ملا مصطفى بار زاني ؛ لمن أشار إلى إمكانية تفجير دار (ناظم كزار) الذي أرسل علماء مفخخين لاغتياله:
هل تضمنون سلامة أهله والمارين بجانب داره في لحظة الانفجار؟! قالوا: لا! قال: فإذن اصرفوا النظر، فما ذنب أولئك!.
ويقابل هذا الموقف ما يفعله البعض تحت مسميات مختلفة، ويستمدون دعما ممن يفتون أو يدعمون بشكل أو بآخر؛ ويتفننون في التعذيب والقتل والتدمير لمواطنيهم قبل أعدائهم…!).
أظن أن الوهم لديكم بلغ مدى يحسن بكم أن تعيدوا النظر في منشئه وفي حجمه وفي حقيقته..!
فالشعوب في نهاية الأمر مشاريع حرية، ومشاريع نهوض، ومشاريع انطلاقات تحررية وإن طال بها الزمن..!!
ولمن لم يتعظ بعد؛ فليفرك عينيه وينظر جيدا فيما حوله من تغيرات حاصلة هنا وهناك، ومرشحة للجديد من التغيرات والتطورات- انهيار النظام الماركسي وما رافق انهياره من أحداث دراماتيكية في رومانيا (تشاوشيسكو) ويوغسلافيا (ميلوسوفيتش) وعراق (صدام)… وبغض النظر عن مدى توافقنا مع أسلوبها أو عدم توافقنا معها!. وتغيرات متلاحقة في مناطق مختلفة من العالم؛ بل والداخل أيضا، وأقربها إلينا؛ خروج  سوريا الدراماتيكي من لبنان، وأحداث متلاحقة ومأساوية منذ 12 آذار 2004 مرورا بالاغتيالات في لبنان وسورية والتي تتجه أصابع الاتهام فيها إلى الاستخبارات السورية – سواء أكانت صحيحة أو غير صحيحة – مما يجعل البلد تحت أنظار دولية لا ندري نتائجها. وتغييب المرحوم (الشيخ الدكتور محمد معشوق الخز نوي). نقول على الجميع أن يوسعوا أحداق أعينهم؛ ليروا ما حدث، وما هو مرشح للحدوث بحسب أمارات لم تعد العين تخطئها!!!. ونقول كفى تجاهلا للواقع ومجرياته الدراماتيكية فالقارب واحد والغرق سيكون – إذا حدث – للجميع.! كفى مشاطرة!! وكفى ترهيبا !!. ولنعد جميعا إلى قيم المشاركة العامة، والتي تمتلئ بها صفحات الجرائد، ويزعق بها المحاضرون، والمذيعون، والخطباء، والواعظون، ومن مختلف الشرائح والاتجاهات…الخ.
كفى تزييفا للحقائق والوقائع، بل للذات مع نفسها ومع الغير!. كفى عيشا في هامش الحياة، أو الدوران حول النفس… وكما يقول المثل الكردي “الأفعى تظل تلتف وتنحني في مشيتها ولكنها تدخل الجحر باستقامة مضطرة.!”
يمكن فقط أن نتفق على أمر واحد؛ هو الارتقاء بأسلوب النقد – مهما كان ولمن كان- . فالنقد في الحصيلة؛ ينبغي أن يهدف إلى بناء، لا هدم؛ وإذا كان لابد من بعض هدم فليكن محسوبا…!.
ولنكن كبارا في نظرتنا لأنفسنا فنحن بشر (ولقد كرمنا بني آدم). ولنكن كبارا في النظر إلى الآخرين أيضا فهم مثلنا بشر(ولقد كرمنا بني آدم) وبالتالي فللكل حقوق متساوية ومتكافئة بحسب الأديان والشرائع وشرعة الأمم المتحدة التي تزينها تواقيع كل دول العالم، وتصريحات كل الأحزاب في العالم – بما فيها الأحزاب الكردية في سوريا – بل ومناهجهم أيضا

منشور في موقع عامودة موقع عامودة- أرشيف – تاريخ 03.08.2005-21:47 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *