كرد و عرب اسم لمقهى في أربيل(كردستان العراق)

ابن الجزيرة
كنت أتابع إحدى الفضائيات.. وإذ بريبورتاج عن مقهى في (أربيل) يحمل هذا الاسم الملفت للنظر، وعلى الرغم من انه طبيعي أن يكون هناك اسم كهذا، ليس فقط في أربيل، بل في كل المدن العربية والكردية. إلا أن سماعي للاسم كان مفاجئا لي، وذكرني ذلك بأغنية في السبعينات كنا نسمعها أحيانا من إذاعة العراق، وأحيانا من إذاعة صوت كردستان العراق، ومما أتذكره منها لازمة كانت تتكرر وهي تقول:
“هربـﮊي..هر بـﮊي..هر بـﮊي كرد و عرب رمز النضال”. أي يعيش الكرد والعرب رمزاً النضال.
وكانت الأغنية باللغة العربية في الغالب. ولكن تضمينها هذه اللازمة كان يبعث في نفسي شعورا غامرا بالفرح..! كنت أشعر- حينها- بشيء من تحقيق الشراكة بين الكرد والعرب، وكان هذا الشعور – حينها –جامحا، فقد كنت أحب العرب في سياق كوني مسلما، وكنت أشعر بأن العرب شعب متميز، حمل رسالة الإسلام، وأن الرسول عربي. وهذا يفرض علي حبا للعرب بسببه. وأن لغة القرآن عربية، مما يعطي سببا إضافيا لحب العرب..!! بل وكان علماء منطقتي(الكرد) والمتدينون عموما، يذكون في النفوس شيئا من هذا الشعور..! ولم أكن انتبه – حينها- إلى أن “الإسلام دين كوني” وان “الرسول مبعوث للعالمين” وأن لغة القرآن العربية خُدمت من أناس غير عرب(كرد وفرس وربما روم وترك وغيرهم) لأنهم يرون في هذه اللغة ما يحفظ صحة قراءة وفهم القرآن، ومن ثم صحة فهم تعاليم الإسلام،يتقربون بذلك إلى الله عز وجل. ولم أكن – حينها- أميز بين كونية الإسلام، ودور العرب في خدمته، كنت أمزج بين الاثنين معا، وعندما كبرت بدأت أميز بين الأمور قليلا، ولكني كنت أجد عنتا – أحيانا- مع من يحيطون بي عندما أحاول تمييزا…!
كم سمعت البعض يتمنون أن لو كانوا عربا،ما دام الرسول عربي، ومادام القرآن بلغة عربية، بل ومادام العرب هم الذين كانوا أول الداخلين إلى الإسلام بحكم هذا الواقع…!
فما الذي حدث؟ ما الذي تغير؟
ببساطة..
حاول تيار يمكن تسميته بـ(التيار العروبي) ضمن العرب، أن يوجدوا معادلة جديدة، بدوافع نفسية ترتد إلى بقايا مؤثرات القبلية في التكوين الذهني والنفسي فيهم. وبدعم من قوى لا تحب الإسلام، من بينهم أو من خارجهم- هذه المعادلة هي أن العرب كانوا خير امة، وان الإسلام هو مكافأة لهم من الله(امتياز لهم) فلغتهم متميزة نزل بها القرآن، وأرضهم طيبة اختارها الله من بين الأراضي، وشعبهم متميز اختارهم الله للرسالة الإسلامية..باختصار-بحسب أطروحتهم في هذا الشأن-: (أعز الله الإسلام بالعرب)..! ولعل المتبنين الأشهر لهذه الأطروحة هم الأبعد-واقعيا –عن الإسلام القوميون المتبنون للنظرية الماركسية كالبعث وأستاذهم ميشيل عفلق..!
شعار مختلف ومخالف تماما لقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب:((أعز الله العرب بالإسلام)).
وكنتيجة طبيعية لهذه المقدمات فكل آية تمجد الإسلام، هي في الواقع تمجد العرب((كنتم خير امة أخرجت للناس)). ومن ثم فهم شعب لا يتساوى مع باقي الشعوب(عرب وموالي) ويفتخرون بان الناس من غير العرب هم من موالي العرب(والموالي هم ذو درجة أدنى في سلم تقييم القيمة البشرية..) فلا يجوز التزاوج بين العرب وبين الموالي،ولا يجوز التطلع إلى التكافؤ مع العرب،وكان ابتكار مفهوم الشعوبية الذي استو لد منها مفهوم جديد هو:كل من لم يرضخ لما يقرره العرب فهو إما خائن أو متمرد أو..الخ.
فكان مصير غريب لكل من لم يقبل الذوبان في العروبة، تهمة مزدوجة هي عدم الإيمان(الفرس مجوس حتى هذا اليوم، والكرد كفار..الترك مستعمرون..) وهي عداوة العروبة(حسدا وحنينا إلى الماضي ،فترة ما قبل الإسلام…)
وظهرت مفاهيم غريبة وعجيبة..كلها تصب في اتجاه كهذا..
المشكلة أن هذه الأفكار التي لا سند لها في الإسلام، ولا في المنطق، ولا في الواقع قد أنتج تشويها في هذه الذهنية العروبية، وفي سيكولوجيتها..انعكست ارتباكا في فهم الواقع.. و ما هو طبيعي في كينونة الإنسان وصيرورته أيضا. فكان نوع من سوء التكيف مع الواقع، خاصة مع الأقليات التي تعيش معهم بتأثيرات استعمارية،اتفاقية (سايكس بيكو) مثلا، وعدم استيعاب لما حصل من تطورات في الفهم والتصور..!
إنهم يستعينون بصور من الماضي أنتجتها تمنياتهم، وتخيلاتهم، فيصوغون الأفلام والمسلسلات يبثونها هذه التمنيات أو التخيلات كنوع من إعادة صياغة الماضي، وما يشعرون من أمجادها، وإسقاطها على الحاضر، بظن أن ذلك سيعيد إليهم روحا ناهضة – كما كان في صدر الإسلام- متجاهلين حقيقة أن صدر الإسلام بدأ بهم ولكنه انتشر، واستمر، وتطور بفضل الشعوب الداخلة في الإسلام –إضافة إليهم،عندما كانوا يعملون بروح إسلامية، لا روح قومية-. وما أن دخلوا لعبة القومية، بهذا الأسلوب المخالف لمقتضى طبيعة تكوين ومكانة القومية في دين كوني، كالإسلام، حتى بدأ نفوذهم ينحسر شيئا فشيئا(حتى الآن يمجد القوميون مرحلة الأمويين، مع أن مرحلة الحكم العباسي كان أكثر شهرة وتطورا واستقامة إدارية بمعنى ما). لذا فإن مقهى “كرد وعرب” في هذه المرحلة قد يكون منتدى يعالج فيه كثيرا من هذه القضايا، وربما تصحيحا لكثير من المفاهيم المعششة في الذهنية العروبية وسيكولوجيتها، ويستفيد الكرد أيضا من هذا الاحتكاك ما ينفعهم وينفع الجميع(باب لمسير ديمقراطي لعله سينتج روحا ديمقراطية،الجميع بحاجة إليها)
وكم كنت أشتهي أن أجد مثل هذا الاتجاه في كل موقع في البلاد العربية وغير العربية (من بلاد المسلمين) ليتعايش الجميع بروح عصرية (يتساوى ويتكافأ الإنسان فيه) وليس هذا غريبا عن الإسلام الذي يقول :في الحديث الشريف: “الناس سواسية كأسنان المشط” وفي القرآن الكريم:” إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا،إن أكرمكم عند الله أتقاكم”
فمعيار المفاضلة هو التقى، لا الانتماء القومي، أو الانتماء المذهبي، أو أي انتماء آخر” كلكم لآدم وآدم من تراب” حديث شريف.
ونحن نحاور، ولا نقصد الإساءة، بل نحاول تحليلا للعوامل التي أنتجت انحرافا في مسيرة الإسلام وكان للتيار العروبي دوره السلبي فيه. وهذا لا يعني أن الخطأ ملتصق بهم رغم طول المدة به، فلا يوجد خطأ لا يمكن إصلاحه، الرجوع عن الخطأ هو إصلاح له- كما يقول المهاتما غاندي-.
الإنسان مخلوق مكرم، والخطأ ينال سلوكه عبر الحياة التي يعيشها، فمتى صحح سلوكه فقد اغتسل من آثار الخطأ والخطيئات أيضا..!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *