شان داخلي

محمد قاسم
في شريط إخباري على إحدى الفضائيات لاحظت عبارة تقول: الروس يقولون ” المحادثات بين التيبت والصينيين شأن داخلي. “..!
هذه العبارة المضللة والخالية من مضمون فعلي. ليست سوى أسلوب فظ وفج في توصيف حالة يميل القائل بها، إليها.
كلما أراد بعض السياسيين في الموقع المسؤول المتنفذ في شأن بلد ما يكرر هذه العبارة وكأنه يستغبي البشر جميعا.
فكل الناس أصبح يعلم أغلب كواليس السياسة العالمية، فما بالك بالسياسات الداخلية للبلدان التي يعيشون فيها أو المجاورة وذات علاقة ببلدانها. (إيران-العراق-سوريا-السعودية-دول الخليج إجمالا. والشيء نفسه في علاقة الأمريكيين بإسرائيل والروس بالتيبت…وبصربيا، وسوريا بلبنان، وإيران بحزب الله ومن خلاله بلبنان… وهكذا.
القضايا لم تعد خافية على الناس بحكم وسائل الإعلام الكثيرة والمتاحة لغالبية الناس. عبر التلفزيون والانترنت والهواتف النقالة …: و… و…الخ. فضلا عن انتشار التعلم بين الناس بشكل أفقي وعمودي –رغم أن سوية التحصيل المعرفي –العلمي –لا يوازي –واقعيا –الامتدادات الأفقية لها. بسب عوامل عديدة، منها أن الرفاهية المتاحة-دواعي الكسل، المسليات، الألعاب المختلفة … الخ، فضلا عن التسطح النفسي –كنتيجة –لدى الإنسان عموما، ولدى المسؤولين -خاصة في المجتمعات الشرقية –والعربية منها –مما يحول اهتمامهم الى تثبيت سلطاتهم بأي ظرف كان، وعلى حساب أية حاجة وطنية وشعبية، بل وإنسانية.
كل ذلك اقتطع جزءا من الاهتمام بالعلم لدى الطالب، وغلب الطابع الشكلي على العمق التحصيلي –إذا جاز التعبير -!!
نعم ان التطور الهائل للتكنولوجيا –الرقمية خاصة-قد سهل العمل التجريبي في البلدان المتقدمة، واوجد –دائما – شريحة من المتابعين والباحثين والمبتكرين…–مهما كانت الدوافع-
المهم أن القول “شان داخلي” لم يعد يعني لدى المستمعين والمشاهدين شيئا سوى دلالة واحدة هي ان القائل يعني انه لا يرغب لأي طرف التدخل (والروس بهذا لا يريدون تدخل الأمريكيين التدخل في الشأن الصيني والتيبتي باعتبارها قضية داخلية).
تحت هذا البند سارت السياسة منذ القديم، وفي فترة الحرب الباردة بشكل خاص. ولا تزال كذلك. والفرق ان وسائل الإعلام لم تكن منتشرة بين الناس كما هي الآن فكانت هذه العبارة وغيرها من العبارات المضللة تبقى في حيز محدود. من السياسيين ومحيطهم. !
“شأن داخلي” عبارة مضللة ورهيبة مورس تحت أجنحتها أفظع الأعمال وأهولها.
حلبجة مثلا …تلك المدينة التي قصفت بالكيمياء من اعتي عتاة العصر. لا ينبس أي من حاملي القوة العظمى –واللتان تتشدقان دوما بالحرية والسلام العالمي وحفظ توازن الحياة والكون. وكل القيم الجميلة التي تزوقها وهي تنطق بها..- لا ينبس ببنت شفة استنكارا لهذا السلوك الذي يخالف القيم البشرية في أبسط أشكالها أو تجلياتها..!
يذكرنا هذا دوما بالخواء السياسي من القيم الإنسانية التي تخدم تطور البشر.
يذكرنا بالنفاق الذي أصبح منظومة قيمية سياسية يكاد الناس ان يعتادوها –وكأنها جزء طبيعي في حياة البشر نتيجة ممارستها المستمرة. –
لقد كتبت ذات يوم مقالا بعنوان – الازدواجية في السياسة أو نفاق السياسة-عبرت فيه عن وجهة نظري هذه، أو لنقل عن شعوري المعلن –اذا جاز التعبير –فالشعور في بعض معناه هو وعي عندما نستخدمه –كمفهوم-تجاه اللاشعور. كحالة نفسية طائشة أو عمياء…!
هل نحن نحتاج على توعية بالمفاهيم والمعرفة. أم نحتاج الى أن نطعم المعرفة بالتربية. والتربية هي الإطار والضابط للمعطيات المعرفية.
هكذا يخيل إلي.
المعرفة ينبغي ان تضبط بالضوابط والإطار الذي يجعل مسار المعرفة أو استثمار عناصرها في اتجاه يخدم البشرية بدلا من ان تصبح مادة يتلاعب بها الناس الذين جعلت الفكرة المصلحية
(الأنانية)-هذه الغريزة التي تغلب في حياة الناس كثيرا، وتصبح نمطا تربويا أصيلا في مفاهيم السياسية الممارسة. خاصة –السياسة الغربية-التي اعتمدت الواقعية فكرة أساسية –بل وحيدة ربما – ومنها نبعت كثير من القيم والسلوكيات التي تملأ العالم حركات استعمارية واحتلالية واستغلالية…الخ. بل لقد سخرت مفاهيم الإنسانية (وثيقة حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة) من اجل تلك الممارسات التي تتجه سلبا في حياة الناس.
باختصار سادت المفاهيم التي تستبعد الأخلاق في السياسة الدولية.
وتكرست كمفاهيم طبيعية في صلب الذهنية والسيكولوجية الغربية، وتحولت الى الذهنية والسيكولوجية الشرقية بصيغة أكثر تشويها…!
صيغة حفظ الغرب فيها على احترام القوانين أو الاضطرار –بحكم التربية السياسية-الى احترامها، ولكن الصيغة الشرقية –والعربية – مشوهة لجهة عدم احترام القانون بل استثمار القانون سياسيا لمصلحتها عبر انتخابات مشوهة وغير نزيهة، والتحكم في مجريات السلوك السياسي بأدوات قمعية (أمنية لا تفكير في سلوكها سوى اعتياد القمع والتعذيب واتخاذ مختلف الوسائل للسيطرة…! أي تحولت من كائنات إنسانية يفترض أنها تساهم في التفكير والإبداع في حياة مجتمعاتها، الى كائنات لا تعرف سوى التعذيب وتنفيذ البرامج التي تلقنته من قوى أعلى منها..!!
مرة أخرى نتساءل :هل يجدي المعرفة بدون ضوابط واطر تمارس ضمنها معطيات المعرفة “الوعي المفترض”..؟!!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *