سيكولوجيا و دلالات

1- في اغلب المسلسلات العربية  يلاحظ المرء روحا خاصة تسري في أوصالها هو تأثير سياسي رسمي –غالبا-في تجريتها، وأهداف  تسوق لها مسلسلات وأفلام و… الى الجماهير..وقد أصبحت مبتذلة في بعضها..لاسيما في ظل انتشار الوعي والتكنولوجيا..!
مسلسلات تؤسس –أساسا- لخدمة هذا الهدف الرسمي، بعض المخرجين( وربما بوحي من منتجين أيضا) يحاولون ان يستثمروا أحداثا ليسربوا عبرها أفكارا خاصة، قد لا تناسب الرسميين بأي شكل..لكنها تظل دون جدوى..لأن التوليفة التي يقدم المسلسل وفقها،تغطي على هذه التسريبات..وتتركها أشبه بأصداء لها صوت وليس لها تأثير فاعل.
فالشائع عن الواقع الفني و الثقافي.. وقبله الواقع التعليمي والتربوي..ومجمل سياسات عامة وإعلام..الخ،أنها موظفة منهجيا لخدمة قوى مهيمنة -بدون شرعية دستورية وشعبية -،لأنها في مجملها أنظمة حكم مفروضة بالقوة العسكرية – حتى ان بدا أنها تمارس مظاهر انتخابية .
السيكولوجية التي تسري في أعماق شعوب من هذه النوع..هي سيكولوجية استلاب الشخصية ..وان بدا أنها سيكولوجية تتبدى في مظاهر معاكسة..او مخالفة..كالتظاهر بالقوة والشجاعة والرجولة ..كما في أدبيات  تملأ كل مكان –صحف ومجلات وأحاديث الإعلام بمنافذه المختلفة ..فضلا عما يرد على ألسنة الناس في مناسبات مختلفة وأفراح وأحزان…الخ.
لكان السيكولوجية هذه تعوض عن الشعور بالحالة المتردية التي هي فيها عن طريق ما يتضاد معها من أوصاف..!
يسمي فرويد- مؤسس مدرسة التحليل النفسي-  هذه الحالة بـ “التعويض عن الشعور بالنقص “ويعتبر ذلك واحدة من آليات دفاعية لاشعورية لتحقيق التوازن النفسي-طبيعيا-.
لم أجد الحاجة –كما تجري العادة- الى درج أمثلة حول الفكرة. فكل –أو لنقل فأغلب المسلسلات في البلدان العربية، وخاصة بلدان ذات أنظمة شمولية و تحتكر كل شيء بأسماء شتى، تختزل حق الوطنية..لتستبعد –بذلك- كل المواطنين الذين لا يتوافقون معها حول مفهوم الوطنية المعاشة واقعا-تتهمها باللاوطنية – فهي محتكرة كل شيء حتى المفاهيم المعنوية ..ولذا لا أجد –أبدا –غرابة في ما يحصل في هذه البلدان، مادام البعض منهم يقدم على كونهم من المقدسين بانتماءات حزبية..وبعضهم مقدسين بانتماءات عائلية وبعضهم مقدسين بامتلاك المال،وبعضهم مقدسين عبر الموقع الوظيفي….وفي النهاية يلتقي الجميع عند المصلحة المشتركة في السيطرة على السلطة، واستثمار خيرات البلد لفئة قليلة تضيق العيش والحركة والحرية على الآخرين..
لماذا سوريا مثلا لم تستطع ان تكون كاليابان وكلاهما حصلا على استقلالهما في نفس الفترة حوالي ( 1946). ولماذا لم يتطور العراق –رغم كل الإمكانيات المالية خلال خمسة وثلاثين من الحكم –كما تطور الهند والصين..وغيرها

دلالات
2- كان الرئيس الأميركي جورج بوش ينزل من طائرته وهو يحمل مظلته في يده..ولكن أمير الكويت الذي كان في استقباله قد سخر احد الناس ليحمل مظلة على رأسه، وهما يمشيان جنبا الى جنب.
وعندما التقيا ظل الرئيس الأمريكي حاملا مظلته وهو يمشي الى جانب الأمير المذكور والأمير يمسك بطرف بعباءته فيما احد مواطنيه يحمل مظلة فوق رأسه.
كانت المفارقة غريبة..
رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم – في هذه المرحلة على الأقل – يحمل مظلته بيده وهو نازل من المدرج..ويحمل مظلته وهو يمشي الى جانب الأمير..!
وأمير دولة  صغيرة (ميكروسكوبية ) يسخّر احد مواطنيه ليحمل المظلة فوق رأسه وهو يمشي الى جانب رئيس أكبر وأقوى دولة. فضلا عن كونه ضيف البلاد..والضيف أولى بان يكرم بالخدمة –إذا جاز التعبير-..!
ماهي الدلالات..؟
ان التربية الديمقراطية التي أخذت موقعها في ذهنية وحياة المجتمع الغربي –ومنه الأمريكي- قد أذاب الشعور بالتعالي على الآخرين من موقع الغنى،او موقع المسؤولية..فالمسؤولية صلاحيات وليس امتيازات… وربما وجد من يحاول ان يستثمر هذه الصلاحيات ويضعها في خدمة بعض أطماعه..ولكنه سيدفع الضريبة في يوم ما سواء أكان في السلطة او خارجها..
– لقد دفع هيلموت كول-المستشار الألماني- الذي وحد بين الألمانيتين في أعظم خطوة بالنسبة للألمان..و قاد ألمانيا حوالي عقد ونصف بأسلوب –يعترف الجميع بما فيهم الألمان- أنه كان ناجحا بمقاييس القيادة في كل الجوانب. لكن ذلك لم يشفع له لغض النظر عن اختلاس بسيط جدا –ويقوم بها اصغر مسؤول في بلادنا بكل سهولة- فسحب منه شهادة دكتوراه فخرية كان مزمع ان يتقلدها،كما حوسب على اختلاسه. وليس اختلاسا مما يفعله مسؤولونا من أموال الدولة مباشرة .بل هو أموال قليلة منحتها شركة ما لتغطية جزء من حملة انتخاب-مع انه يستحق النجاح فيه بجدارة-ولكنها اللوائح القانونية في البلدان الديمقراطية-لا تحكم العواطف والمشاعر في قضايا الوطن والشعب-
– والرئيس الفرنسي شيراك الذي استلم ساركوزي منه موقع الرئاسة عبر مراسم ديمقراطية رائعة عرضت على شاشات التلفاز  جر –هو الآخر- الى المحاكم مثله مثل رئيس وزرائه دوفيلبان..
– بل إن شارون الذي هو –بمقاييس شعبه الصهيوني- قدم الكثير الى شعبه..وقتل ودمر اعداءهم-العرب-.. وسود وجهه –بالمقاييس الأخلاقية تجاه العالم من اجل شعبه. كان قد طلب الى الحساب أكثر من مرة قبل سباته الأخير الذي امتد الى عامين حتى الآن.
– واو لمرت الحالي ، دوما يتحدث الإعلام العربي عن اتهام البوليس له في قضية كذا او كذا ،وبدون أدنى شعور بالحياء والخجل..ممن هم غارقون من قمة رؤوسهم الى أخمص أقدامهم في الاختراقات القانونية والاختلاسات المالية واستثمار الصلاحيات لخدمات خاصة –عائلية او قبلية او حزبية او طائفية ..الخ.
ترى ما هي الدلالات التي يمكن ان نأخذها من هذه السلوكيات..؟!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *