ريبة ……

31/1/ 2016
في علوم الصوفية(التصوف) ما يسمى مقام (الحيرة). وللمتصوفة تفسيرات، فيها ما يشد الانتباه والعجب، وفيها ما يربك الفهم والشعور…
في لحظات يشعر المرء بحالة حيرة تجعله يدور حول نفسه ولا يدرك المخرج الذي بمكنه ان ينفذ منه الى شعور بالراحة وطمأنينة  لكنه عندما يستريح هنيهات يشعر –ويحس-بشيء اشبه بـ”نور الهي من سراج الغيب” كما يقول الغزالي عن الالهام؛ يطوف في باطنه فيشرق فيه بهجة…
أحيانا تنتابني الحالة -ليس ضمن مسير التصوف الذي أعجب بكثير من معانيه بقدر ما انفر من كثير من تطبيقات يبدو انها اكتسبت أثرا ذاتيا أنانيا، قاصدا أو غير قاصد-فالنتيجة واحدة.
انبثق نور في حياتي، فأشرق أدبها فيها وحولهاـ وأصبحت أشعر بان للحياة والنبض الإنساني معنى جديدا…
هنا أدب في كلماته نفحات عذبة تختلف، لما فيها من روح أيضا مختلفة، روح مغزولة بنبض أنوثة نسيج ذاتها، تتجلى في تجربة قد تكون لا تزال تعاني حرجا من التعبير عن ذاتها في كثير منها، لكنها مكتنزة بما فيها، وتتسلل من حذرها بإشراقة رائعة وان بدت خافتة –على الرغم من ذلك-فالمشاعر تتدفق جميلة في تعبير ذي كفاءة لا تخفى…
اشعر بحال هي فيها واكاد أتذوق ما يتسرب من حواشي كتمانها، افاضات تجمّل الكلمات والروح المبثوثة فيها … انها تشبه حالة وصفها أرسطو عن العقل، إذ افترضه ك(جسم شفيف مماثل للجسد مبثوث فيه). ولا إخال أن الصورة تغيب عن قدرة مخيلة النبيه. فالأدب خيال وصورة وتخيل يأخذ من عناصر حياة حسية ما يحتاج ليعيد تشكيلها بتخيل ينتج الصورة كما يشاء. وهنا معنى الإبداع.
لعمري لا يتحقق هذا ما لم تكن خبرة مختزنة ضاغطة متوترة تدفع اليه. لذا فقد اختار ابن الأثير، عطلة في جسد ه على الصحة والعافية، ليتفرغ للكتابة بحسب رواية مؤلف “الكشكول” وهو كتاب معروف في تراث المتدينين. إن تفاعلا حيويا بين طرفين أو أطراف، يجدد حيوية الذاكرة، ويستعيد كثيرا مما كاد أن يُنسى!
من هنا كانت حيرتي ونشوتي…فما عهدت من بيئة غمرها نوع من كبح قوى الشعور والمشاعر وانسام حياة في جنبات الطبيعة تتفجر في لحظات، أدبا يمطر جمالا ومتعة، ينبض الصدق فيه. وتجربة مهذبة…
هنا نحن في عالم أدب محلق ومرتق فوق الواقع… أجنحة تخفق، واتجاهات بلا مدى. وان الفصل بين التعبير وبين الذات وما فيها من انفعالات وتوترات يفترضها الأدب يجعله ممارسة منطقية جافة ليس فيها حضور سوى حضور عقل  تجرد من قوى النفس الجميلة الأخرى -كالمشاعر خاصة. فأين هو الأدب إذا غابت المشاعر روحا في كلماتها…؟!
في مطلع شبابي –وهذه خصوصية كانت انثى تحاول التودد الي وانا أتعامل بجدية لا تسمح لي حتى الشعور بما هي فيه… فكتبت رسالة منها العبارة التالية:
((…يا إلهي…! كيف السبيل إلى لحظات أفضي فيها بتلك الشحنات العاصفة من أمواج حبي. والتي ترتعش لها أوصالي… وترتعد تحت وطأتها فرائصي…!!
يا إلهي… ما أصعب ما أكابد وأقاسي…! وما أكبر ما احمله في قلبي له من حب…! وما أكنه له من مشاعر صادقة نبيلة…! ولكنه لا يستطيع أن يكون الطبيب المداوي لقلبي…! إنه لا يملك قلبا يخفق بين ضلوعه بومضات الحب. إنه متحجر القلب… حياته صرامة وعقل يتحكمان في نمط تفكيره… وفي سير مشاعره…!! أي قدر هذا الذي ألقى بك في طريقي…؟ أي قدر جعلني أتعلق بسراب …؟! ففي حين يرتعش قلبي ويرتجف شوقا ..إذا هو يطرق مليا ويقول: يجب ان تصعدي الأمور..! وأي تصعيد أكثر من هذا أيها القاسي القلب…؟! )).
انه جزء من رسالة كتبتها بصيغة الحديث عن غائب في معظمها لغاية في نفسها.
وفي لحظة علمت بحقيقة حالها، وكانت الظروف لا تلائم التواصل لكنني تألمت لها
فكتبت لها كلمات تغذي بعض ظمئها، وتبقيها كمن يعيش الوهم أملا فيه انتشاء. هذه جزء منها:
((… أيتها النسمة الندية
اغفري لي غفوتي
عن هبوبك المتدرج في خفر
اغفري لي هفوتي
في رسم جدار سميك حول شعوري المرتبك…)).
وانتهت الحكاية. وبقيت الذكرى.
فلا تموت الذكريات في حياة الانسان وانما تذبل ليستطيع ان يتعايش معها…
القريحة عندما تتوهج لا تعود تعرف ان تخبو بسهولة.
وكلماتك من روح حية وحيوية ولطيفة… تثير الشعور بالحياة وهجا وهذا ما يمتع فأسترسل.

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *