بعض موضوعية وبعض مصداقية.. أيها السادة ..!فالحياة وجدت ليعيشها الجميع..!

ابن الجزيرة
لا أدري كيف أصف وقع الخبر على نفسي عندما قرأته على شاشة التلفزيون(( أنباء عن اعتقال الرئيس المخلوع صدام حسين)) أو (( أنباء عن اعتقال رئيس النظام العراقي البائد صدام حسين)) أو صيغ أخرى بحسب القناة التلفزيونية التي أذاعت الخبر!.
دغدغ الخبر مشاعري، لم أعرف طبيعة رد الفعل لدي تماما، ولا كيف أصفها تماما، لا سيما أن الخبر طازج لم يتأكد بعد..! كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف تقريبا من ظهر هذا اليوم. وعندما انتقلت بين القنوات المختلفة : الجزيرة..العربية..أبوظبي.. الكويت..سورية.. الجديدة new.tv ..l.b.c …الخ كانت جميعا تتحدث حول هذا النبأ الذي لم يتأكد بعد. ولكن إحدى المذيعات سألت محللا سياسيا- ربما كان المذيع إبراهيم قاسم من قناة العربية- (( بما أن الإعلان عن اعتقال الرموز السابقة غالبا ما تم عن طريق مصادر كوردية، وكان صحيحا، فلم لا يكون هذا الخبر أيضا صحيحا. وقد أعلن عنه السيد جلال طالباني ، عضو مجلس الحكم وأمين عام حزب الإتحاد الوطني الكردستاني؟))
كان هذا التساؤل بمثابة تأكيد على صحة الخبر بالنسبة إلي، إذ بدا مقنعا.!
بعدئذ شعرت بما يمكنني وصفه بفرح ممزوج بمشاعر غامضة وضاغطة أيضا على نفسي. فلم أتمالكها حتى بادرت إلى نقل ما سمعته إلى أسماع بعض معارفي كنوع من التخفف من عبء الخبر عليها.  وبقيت متابعا فضائيات حتى تأكد الخبر عبر اتصال مع السيد نصير الجادرجي واحمد جلبي وهوشيار زيباري، والذين تبادلوا التهنئة عبر( قناة العربية ). وعلق السيد هوشيار زيباري بالقول: “هذا اسعد خبر سمعته في حياتي”، لكنها ظهرت على شاشة العربية ((هذا أسعد خبر انتظرناه طويلا)).
وبعد تأكيد النبأ، شغلت القنوات التلفزيونية بتحليلات، واتصالات ، وعرض صور، وسجالات…الخ.

كنت أتابع ما تعرضه شاشات مختلفة، باختلافات في التفسير، واختلافات في الاستنتاج، وفي التعبير عن المواقف… لكن الذي لفت انتباهي في ذلك كله هو: أسلوب (أو ذهنية) التعبير عن القناعات، و الآراء، و وجهات النظر  للبعض . يمثلون  ظاهرة في أسلوب تناولهم للأحدث ، وهذا الحدث أحدها. فأوحت  بهذه الكتابة. وهي : أسلوب  عبر عنه متابع بقوله:(( مدرسة غير متزنة)) .يعني بها ، شخصيات معينة ومعروفة من مثقفي ((العروبة)). ربما كان من أهمهم مثالا السادة: عبد الله السناوي، مصطفى بكري، عبد الباري عطوان… وغيرهم، وهم صحفيون يبدو أنهم كانوا على صلة بنظام الرئيس المخلوع صدام حسين . ولهذا فقد أسمى الدكتور محمد الرميحي هذه التشكيلة من مثقفين عروبيين:بـ ((أيتام صدام)) ، أو أيتام نظام صدام، في إحدى مداخلاته التلفزيونية. ومنهم أيضا محللون سياسيون، يحملون شهادات عليا – إضافة إلى هؤلاء- لكنهم يفكرون بطريقة لا ترتقي إلى مضامينها المفترضة كمستوى –للأسف-.  فهم يغلِّبون اعتبارات خاصة. وأسلوبا لا يخلو من سذاجة، أو استخفاف بذكاء الآخرين؛ كالسادة: د.عماد فوزي شعيبي، الذي علق على إحدى مداخلاته الكاتب والصحفي اللبناني سمير قصير، بالقول :  ((يبدو إن البعض يريد دفع السياسة السورية نحو اتجاهات تخالف طبيعتها البراجماتية لدى النظام)).
وهناك العديد من الذين نسوا سويتهم الثقافية – أو ربما باعوها- أو أجّروها إلى ذوي البسطة والمال…!
فلعبوا دورا سيئا في تكوين ، أو صياغة ثقافة عربية وفقا لعناصر صحيحة تتسم بالواقعيةـ والصلاحية لتطوير مجتمعاتهم نحو ما هو ممكن، ومطلوب …!
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: هل ظهور هؤلاء وأمثالهم بكثرة، في هذه المرحلة أمر مقصود- وهو الأرجح- أم عفوي؟!.  لاسيماأولىك الذين يحملون بصمات ثقافة قوموية (بعثية أو ناصرية أو غيرهما..)
فقد لاحظت في أسلوب هذا النموذج أنه أقرب إلى صياغات لفظية خطابية تتسم بجزالة ألفاظ، وتلون نبرات، وتفنن في إخراج الحروف من مخارجها_نحويا_ مع صوت عالي النبرات. وذي إيقاع سريع.إضافة إلى استخدام كلمات وعبارات تقترب من الشتيمة، بل هي شتائم فعلا في بعض الحالات . كما فعل رضا الركابي عندما وصف مُحاورا له بأنه((حشرة)) مع أن هذا المُحاور – بحسب متابعتي له- ممن يحرصون على احترام آراء وقناعات الآخرين، ويتأدب في الحوار معهم. لكن ذهنية التعالي والتخوين واستصغار الآخرين-وهي تربية  أيديولوجية عروبية –  تحكُم لدى هذا النموذج. لاحظت وجودها- كذهنية وسيكولوجية ” ثقافة”- لدى منتمين إلى هذه المدرسة (أو التيار) من المثقفين .فكانت النتيجة  نزوع قوموي  اعتنقوه: قناعة، أو مصلحة شخصية سياسية،وهو الغالب.  فجعل ذلك يصنفون أنفسهم –كحالة أعلى- في الترتيب؛ في سلم الوجود البشري قيمة، لمجرد انتماء إلى فكرة العروبة (ولا أقول العربية) و قد سبقهم إلى هذه النظرة العرقية المذمومة ، هتلر و فلاسفة النازية، ويمكن تلخيصها –بحسب فهمنا لها-:

نظرة عرقية تنتحل مكتسبات تاريخ شعوب المنطقة ، ومنها مكتسبات الإسلام وتراثه- كدين أممي كوني -. وربما تعاني من نوع من شعور بالنقص تجاه شعوب مجاورة لها، تميزت بحضارة أعرق – وبغض النظر عن أخطائها- كالرومان و الفرس وغيرهم.. مما يدفعهم إلى انتحال وتزييف في الفهم والتعبير عن ذواتهم، مستغلين معاناة العرب التاريخية،  لاسيما في القرون الأخيرة،  وبشكل اخص، القرن التاسع عشر و العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين- وإن كانت هذه المعاناة في الغالب نتائج لأخطاء في سلوكهم وأمثالهممن  السياسيين بالدرجة الأولى-.

ومن مظاهر هذه المعاناة، عدم القدرة على مجاراة تطورات حاصلة في الحياة، بسبب هذه الذهنية التي ترتد في جذورها إلى قبلية سائدة في حياتهم السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. مما يجعلهم فريسة سهلة لما يوحى إليهم من قيم، وأفكار، وعناصر الثقافة، لاسيما، ما لها صلة  بالعرب -حقيقة  ام زيفا ام انتحالا…- فهم يزغردون عندما يوصف الإرث الإسلامي بأنه عربي، ويطربون لكلمة (عربي) عندما تحل محل كلمة(إسلامي) ثم يعيدون صياغته بفهم خاص مرتكز على مصلحة متوهمة، وجذور نفسية قبلية تاريخيا،  وكانت الذروة في المعاناة هي هيمنة الاستعمار الغربي على المنطقة. ولهم في ذلك دور لا ينبغي إغفاله. تيار قومي ضد الدولة العثمانية”الخلافة الإسلامية”. لنأخذ أمثلة عن عناصر هذه الذهنية المنتحلة:
أبو خليل الفراهيدي وسيبويه عربيان، لأنهما اهتما بلغة القرآن..وبشار بن برد وابن الرومي عربيان، لأنهما قالا شعرا باللغة العربية، وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي(يوسف بن أسد الدين شركوه) بطلان عربيان، لأنهما خدما الإسلام.. الفارابي وابن سينا فيلسوفان عربيان، لأنهما كتبا فلسفتهما باللغة العربية، ومسلم وبخاري  عربيان ، وغيرهم. “كل من تكلم العربية فهو عربي”، وكل من عاش في أرض اعتبروها عربية فهو عربي، وكل أرض مر بها عربي فهي عربية، ولغة أهل الجنة عربية..وفي المقابل: أينما ذهب العربي فيجب أن يبقى ولاؤه للعروبة- كارلوس منعم عربي وإن كان أرجنتينيا منذ أجيال، وأصبح رئيسا لها، (وفيليب) أحد قياصرة الروم عربي، ولا ادري لم لا يقال بأن الروم عرب بما أن عربيا قد حكمهم..!
من عاش بين العروبيين يجب أن يبقى عربيا وإن لم يكن عربيا في أصله، ومن عاش من العرب بين الغير وإن مضى عليه زمن طويل، فيجب أن يظل عربيا، ويجب أن يتسمى باسم عربي، ويتكلم بلغة العرب.. ويجب أن تغير ديموغرافية أية منطقة لصالح العروبية، ويصبح التذويب والصهر عملية مشروعة إذا كانت في خدمة الأيدولوجيا العروبية(سلوك صدام في منطقة كوردستان وتأييد العروبيون له حتى هذه اللحظة، وسلوك نظام البعث في تطبيق توجيهات الملازم الأول محمد طلب هلال بسحب الجنسية من الكورد في سوريا، وتطبيق الحزام العربي لتغيير ديموغرافية المنطقة التي يسكنها الكورد، حتى يقال عنها عربية،وتوطين عرب الرقة وحلب في أراضي الكورد في الجزيرة، والاستيلاء على أراضي الكورد تحت مسميات مختلفة….!
وهكذا فالمعايير تفقد موضوعيتها لتصبح مجرد أداة ذاتية مزاجية تحددها أهواء بعض المتنفذين في الأنظمة والدوائر..! ولا يعيبهم الاستخدام السيئ للعمل الاستخباراتي، بتوجيهه نحو من يخالفهم من مواطني بلدانهم، بدلا من توجيهه إلى أعداء الوطن والشعب. وبفضل النظم التربوية المعتمدة لديهم، فكل فرد يصبح حالة استخباراتية ضد الآخرين.. الطالب ضد زميله. وكلاهما ضد مدرسيهما، وهؤلاء ضد بعضهم. والمدير يصبح منظما لمجموعة هذه الإخباريات والتقارير والتي تعتمد في المحاسبة والتقييم، ولا بد من نسخ على جهات مختلفة لا صلة لها بهذا العمل شيئا سوى تحقيق هيمنة غير مشروعة أخلاقيا ولا قانونيا …وهكذا في كل مواطن العمل ومهما كانت، وتصبح العملية برمتها مصدرا للابتزاز ..!

 

 

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *