بحث في القيم “1”

 

محمد قاسم “ابن الجزيرة ”

 

البحث في القيم عنوان يراود ذهني منذ زمن بعيد-ربما يمتد إلى عقود- ولا ادري لماذا لم يبصر النور –أو على الأقل- لماذا لم يسطّر على الورق …!

مع ذلك، فإنه يظل يتجدد باستمرار في ذهني، خاصة عندما أشاهد مشاهد ذات صلة بأهمية القيم في التلفزيونات أو المواقع والمطبوعات … ، بل وفي الواقع أيضا.

ليس ذلك لأن “البحث في القيم” موضوع غير مطروق.بل إن الكثيرين من الفلاسفة والمفكرين والمصلحين…فضلا عن الأديان، قد توقفوا عند فكرة  “البحث في القيم” ومحاولة تشخيصها، وتصنيفها، وبيان أهميتها…في حياة الناس.

لكن لأن التطورات المتسارعة في الحياة،والتغيّرات السريعة في التكوينات النفسية بحكم عوامل الزمن والعوامل الثقافية عموما، تفرض –دائما- الحاجة إلى قراءة جديدة ومتجددة لمعطيات الحياة، لاسيما القيم الضابطة والمنظمة للعلاقات على هدى فهم طبيعة الحياة وغاياتها، وبالتالي،المسارات فيها .

لنتذكر-مادمنا نحاول البحث في القيم- بأن التكوين النفسي للإنسان يتضمن فيما يتضمن ، حالتين-أو قوتين أو طاقتين…-بغض النظر عن مدى النسبة لكل منهما – وهما الخير والشر. يمكن الحكم عليهما حكم قيمة…أي يمكن إخضاعهما للقيم –الأخلاقية. ونحن هنا نبحث في قيم تنتمي إلى الحياة الأخلاقية، والتي تعني كل ما يتصل  بالخير والشر في الحياة الإنسانية-أو السلوك البشري- بحسب علم الأخلاق  والذي تؤسس الفلسفة له، أسسا ومسارات وغايات.

وليس هذا التصنيف جديدا فقد سبق إليه القدماء ومنهم “زرادشت”.

كما ورد في القرآن: ” إن النفس لأمارة بالسوء”.

وفي العصور الحديثة ،أكد فرويد على النزوع العدواني الفطري-الأصيل –في بنية النفس الإنسانية..وهناك غيرهم من الفلاسفة رأوا ذلك.

هذا يعني أن المعيار الأساسي لتطور البشر ايجابيا هو التقليل من أثر الشر والنزوع العدواني، والسوء في السلوك…عبر ما يسميه علم النفس بالتسامي أو التصعيد..أي تحويل السلوك البشري من حالته المتدنية والمسيئة إلى مستوى أرقى دائما؛ لما يخدم تحسين الحياة والعلاقات بين البشر؛ وباقي موجودات الكون.

فكلما زادت مساحة الخير في التكوين النفسي للإنسان -فردا وجماعات- على حساب مساحة الشر كان ذلك ترقية وسموا في الحياة عموما، والحياة الاجتماعية خصوصا، حيث أن العلاقات هي المساحة الأساسية لتجلي القيم وجودا وتبلورا وتصقيلا وتثبيتا …

وبتقديري إذا تحرينا الأمر فإننا سنجد  الطبقة السياسية – الحاكمة خاصة- هي الأكثر فاعلية وتأثيرا في تغيير نسب مساحة الخير والشر في حياة الناس، كنتيجة لما يمتلكون من خصائص مادية ونفسية؛ كالقوة والذكاء وغيرهما – ثم الفئة الاجتماعية المتنفذة؛ كالزعماء في القبائل،ومختلف الجماعات الأخرى ومنها الأغنياء والأقوياء عددا أو عضلا…الخ.

لكن الشريحة المثقفة تبقى الأكثر كفاءة في هذا الفعل، ايجابيا أو سلبيا، على الرغم من البطء في التأثير قياسا إلى السابقين..  فالفعل الثقافي – في مختلف تجلياته ومنها الفن- يُبنى في الأحوال الطبيعية المفترضة؛ على التأمل، والملاحظة، والتحليل المنطقي والتجريبي…بحثا عن الصيغة الأكثر نقاء وحقيقة، بعيدا –كما هو مفترض- عن الدوافع المصلحية المباشرة التي تحرك الشرائح السابقة.

لذا فإن هذه الشريحة تبقى الأقدر على حُسن تشخيص الحسن والسيئ، والفصل بينهما، وإيجاد الآليات المؤدية إلى تغليب الحسن على الضد. وتحديد طبيعة ووسائل للمعالجة بتدرج وهدوء، مما يجعل الثبات والتكريس خاصة أساسية فيها. بخلاف التأثيرات الآتية عبر الفرض، والقوة، والسرعة؛ لتلبية رغبات ومصالح المتحكّمين والمتنفذّين- ساسة وحكاما، والطبقات والشرائح المتحالفة معها؛ بناء على قاعدة المنفعة المباشرة والبذخ والنفوذ ..الخ.

كثيرا ما تسمى الشريحة المثقفة التي توالي الحكام عادة، بـ”مثقفي السلطة”. وهي ربما أسوأ أنواع المثقفين، لأنها تكون باعت نفسها، وحريتها، وكرامتها، والشعور بالمسؤولية تجاه شعوبها…الخ.بأثمان بخسة إلى السلطة التي تمارس أدوارا مسيئة إلى الشعوب في مثل هذه الحالات.

بحث في القيم

الحلقة الثانية

في الحياة تنوع يعجز الإدراك عن استيعابها، لذا فمذ وجد الإنسان في الكون يتابع هذا التنوع ليدرك أسرار الحياة فيه.و قد تصدى لهذه الوظيفة منذ القديم بأولئك الذين امتهنوا الاهتمام والتأمل، واكتسبوا خبرة في ذلك. استنادا إلى أدوات البحث المختلفة منها الملاحظة والتجريب، وقبل ذلك كان النمو الفكري النظري هو الهاجس والفاعل فيه. فكان بروز الفلسفة والفلاسفة… في مختلف بقاع الأرض كالهند والصين واليونان …الخ. وتتالت حضارات بشرية كلها أبدعت في جوانب في الحياة ولكن الجميع حينها كان يؤسس لاعتبار العداوة والصراع من اجل الهيمنة …فكانت الحروب المتعدد وتبلورت إلى ثقافة في حياة المجتمعات ولا تزال تأثيراتها تنمو في مساحة كبيرة من الذهن والسيكولوجية البشريتين بعناوين جديدة ولكنها ذاتها من حيث النزوع العدواني والتفاعل مع الطمع والطموح المبالغ فيهما.

مذ ذاك…فإن الصراع بين الثقافة والسياسة في الأوج مع اختلاف بين مرحلة وأخرى وشخصية حاكمة وأخرى ومكان وآخر…الخ. وربما الميزة الملفتة للنظر أن الكثير من الممالك والحاكميات كان فيها العلم والعلماء والفلاسفة زينة الحكم، وأحيانا الحاكم نفسه كان احد هؤلاء –عالما أو فيها أو فيلسوفا أو شاعرا …ولهذه المفاهيم معناها حين1ذاك لأنها كانت حالة إبداعية في ظروف تضرب الأمية أطنابها في حياة الشعوب.بل وفي حالات عديدة كانت مرتبة العلم تعلو معنويا على مرتبة الحكم، ولذا فقد كان للعالم هيبته وحضوره وتأثيره …فإذا اتخذنا من بعض مراحل الحكم الإسلامي –المماليك مثلا- نجد

إن العالم “العز بن عبد السلام” يعلن بيع الحكام، ويفتدي الحكام أنفسهم استجابة لطلبه الضاغط طبعا ولم يمكنهم فعل شيء تجاه الأمر..بغض النظر عن طبيعة المشروعية ومناقشتها من الناحية المنطقية..

فالشريحة المثقفة –إذا –كانت هي التي تترك آثارا، بينها ما يدوّنون عن الحكام أنفسهم في كتابة التاريخ والأدب والروايات المختلفة..

الشريحة المثقفة هي التي خلّدت مجريات الحياة والحكام خاصة في بعض مراحلها قبل أن تنتشر عملية التعليم والتعلم وزوال الأمية في كثير من بلدان العالم المتقدمة

لا أقصد بذلك أن اجعل من هذه الشريحة متقدمة على الشرائح الأخرى السياسية الحاكمة أو العاملة في مختلف الأنشطة البشرية …بل أود الإشارة إلى طبيعة دورها فحسب.-فلكل شريحة وطبقة وفئة..الخ دورها الخاص بها والمتوافقة مع طبيعة مهامها-

ومن الطبيعي أيضا أن أذكر بان الثقافة تعني -فيما تعنيه- تفتح الذهن، وحسن التأمل، وقدرة الفهم والبم…..الخ.ولذا فإن الحاكم يفترض به-أن يكون مثقفا عموما وليس حاصلا على شهادة فحسب..فالشهادة ليست بالضرورة ثقافة خاصة في مجتمعات كثير من التحصيل يعتمد على الحظ أو وسائل غير مشروعة أيا كانت.

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *