المركز والشخصية

ابن الجزيرة/م.قاسم
Thursday 16-11 -2006

يحتاج كل عمل يريد الإنسان أن يقوم به ، إلى مخطط نظري –في خياله على الأقل – إذا لم ينقله إلى الورق أو (الواقع).

وبقدر ما يكون هذا الخيال قوياً ، مبدعاً بمعطياته الذاتية (خصائص نفسية تتصل بذكاء صاحب الخيال) أو معطياته الواقعية ( عناصر  يحتاجها لتحقيق العمل ، سواء أكانت أدوات أو مادة عمل ).
و بقدر ما يكون هذا الخيال قوياً ومبدعاً، يمكن له أن يتوصل إلى أفضل صِيَغ (مستويات)  لأداء العمل .
بعبارة أخرى : البيئة التي يتربى فيها الإنسان.إن كانت توفر ظروب تحريك طاقة فكرية عند أفرادها ، وتتوفر فيها أساليب حياتية مرتكزها: صيغة منطقية، و موضوعية متناغمة مع القوى النفسية الأخرى  في الإنسان، و التي لا مجال لعزل الإنسان عنها مثل العواطف-المعتقدات- الميول…الخ.
عندما تتوفر هذه البيئة ، فإن الممارسة الحياتية ، بوسائل مقبولة و منتجة ، تصبح في متناول اليد ، وعلى أي صعيد كان . ذلك لأن الانخراط في معمعة الحياة بسلاح قوي هو (الوعي) يسهل على المرء حسن الدخول ،وحسن الإنجاز أيضاً.
أما مدخل سيئ إلى معالجات – أياً كان المشكلة – فإنه قد يُعقّد المشكلة أكثر.
ولكل مدخل،  أدواته (وسائله ) التي تتناسب معه.
والمدخل إلى العمل… والمدخل إلى ممارسة فعالية اجتماعية (سياسية خاصة ) يحتاج إلى أدوات ربما أهمها:
فهم الواقع ، و كيفية التعامل معه ، مع توفر خيال قوي مبدع في رسم الطريق للبداية، ولما ستكون عليه النتائج (بتصور صحيح لها بناء على نجربة و قوة ذكاء).
من هذه الحقيقة انطلق فلاسفة وعلماء نفس وعلماء اجتماع …الخ في تصنيف السياسيين الناجحين(القادة خاصة ) باعتبارهم في :الدرجة الأعلى من الذكاء. من هؤلاء، فيلسوف ألماني “إيمانويل كانط” المشهور إذ يقول:

“إن أشق المهن على الإطلاق هي السياسة والتربية”.
فالسياسيون والمربون يتعاملون مع بشر عقلاء وأحرار أو واقع حي متغير – الحياة الاجتماعية- إضافة إلى تعقيداته .
وفي حالات كثيرة -خاصة عندما تكون التعقيدات شديدة، – يتهرب أذكياء ، فتتاح الفرصة لذوي إمكانيات متواضعة من الذكاء والخبرة، ليتبوؤا وظائف قيادية  في الحياة الاجتماعية ( والسياسية). أو وظائف إدارية ،

فكيف تقود هذه الفئة؟ ما هي المنعكسات ؟!

إأن ارتباك القيادة في هذه الأحوال ، ينعكس في حياة المقودين بشكل متزايد يوماً بعد يوم ، هذا إذا أحسنا الظن بها…؟
أما إذا أسيئ الظن بها – وهذا ممكن – فماذا يكون ؟
تكون كوارث… لكننا سنظل نفترض حسن الظن.
القائد لأية عملية ، ما لم يشعر بأنه أعلى مكانة (قيمة)من موقع يشغله . فسيسعى دوماً للاحتفاظ بموقعه ، لأنه يستمد قيمته الشخصية منها ، بخلاف الذي يرى نفسه أكبر من الموقع. يحضرني هنا قصة الوالي العباسي الذي سئل عن السبب في تغير الإنسان عندما يشغل مركزاً ما .فأجاب قائلاً الرجال نوعان:
الأول : رجل يرى نفسه أكبر من المركز.. فلا يغيره المركز في شيء ..
والثاني: يرى نفسه أصغر من المركز. فهو لا يشعر بشخصيته إلا من خلال هذا المركز. فيتصرف بأسلوب فيه تشويه لقيمته كإنسان .
ولعله يصلح معيارا جيدا لكثير من مسؤولي هذه الأيام، والذين – على ما يبدو- جلهم أصغر من المركز الذي يشغله…لذا لا يألو جهدا في استثمار سيئ لمركزه، ويحرص عليه بقوة. وقد يدفعه حرصه هذا إلى كوارث في حياة المجتمع الذي يقوده.
نقارن هذا بما مر به الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، حينما عرض عليه تولية ابنه عبد الله- وهو أعلم بني قريش- فقال : يكفي أن يحمل وزر هذه الأمة من آل الخطاب رجل واحد)) أو كما قال.
ترى ..ما معنى أن يتولى امرؤ ما ولاية أمر الأمة-أية أمة-..؟!

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *