الكرد وشهر الصيام 

ابن الجزيرة
من الفولكلور الكوردي…
ليست مقالة عن واقع الصيام بين الكورد في مختلف المناطق،بل هي عن بعض مناطق الجزيرة في سوريا، وخاصة ريفها..
وليست هي صورة عما يجري اليوم،بل هي صورة عما كان يجري،قبل أكثر من ثلاثة أو أربعة عقود.. ولا تزال موجودة في  مناطق ريفية..(ربما مع بعض اختلاف فرضته ظروف..).
في البدء لا بد من التذكير بأن الكورد شعب مسلم تاريخيا، وقدم في تاريخه خدمات لا يمكن أن تهمل،سواء في الميدان العسكري(صلاح الدين الأيوبي وخلفته..)أو في الميدان العلمي المعرفي عموما(ابن خلكان،أبناء الأثير،،سلم الخاسر، أبو مسلم الخراساني، قديما.. وحديثا: أحمد شوقي،العائلة التيمورية،المقرئ عبد الباسط محمد عبد الصمد، الكاتب عباس محمود العقاد(وبعضهم يعتبر أن أخواله أكراد ..) وغيرهم الكثير الكثير الذين ساهموا في خدمة الإسلام من كل جانب..وبطون الكتب مليئة بهذه الحقائق..ومنها مثلا :الشرفنامه- خلاصة تاريخ الكرد وكردستان- وخاصة الجزء الثاني منه…الخ.
ونذكر –هنا- بان الكورد دخلوا الإسلام منذ العام/ 18 /هجري عندما اسلم الصحابي جاﭙان(ﮔاﭘان)(1). ومنذ ذلك الوقت والكورد مسلمون على الأغلب دونما ممانعة إلا قليلا، ويبدو أن فطرتهم كانت قريبة إلى ما يدعو إليه الإسلام – ربما للتقارب بين تعاليم الإسلام في أساسياته، وبين الديانة الزردشتية التي ينتسب أغلب الكورد إليها قبل الإسلام.(أغلب الظن إنها ديانة سماوية).
على كل حال، هذا الحديث لا أهمية قيَمِية له.. فالبشر جميعا مخلوقون في هذا الكون ليعيشوا، ولهم الحق نفسه في الحياة، و الاختلاف بين فرد وآخر، أو شعب وآخر هو  بسبب تمايز خلقي(كوني،من الكينونة) فالناس جميعا من آدم وآدم من تراب(2)، أو لنقل: الجميع من أصل واحد- بغض النظر عن الاختلاف حول طبيعة الأصل،دينيا أو من يزعمون علما كـ”دارون” مثلا.-
ما الذي حصل..؟
الذي حصل  يبدو أنه، انزلاق إلى ما هو ليس أصلا ، وانشغال بما هو فرع..! (الانزلاق من قيم و تعاليم دينية إسلامية كونية(أممية) إلى قيم قومية(محدودة) وخاصة “القومية العربية”).
يبدو أن النزعة النفسية عند الإنسان غلابة..هكذا تقول الآية القرآنية الكريمة: “النفس أمارة بالسوء”، ولعل هذه الخاصة في الإنسان (ويبدو أنها طبيعية فطرية)هي التي دعت الباحث الأمريكي”دايل كارنيجي” إلى القول:” الإنسان عاطفة أولا ثم عقل ثانيا”. ولذا فهو يدعو في كتبه، وخاصة كتابيه(“دع القلق وابدأ الحياة” و “كيف تكسب الأصدقاء”) إلى التعامل مع الناس على أساس هذه الحقيقة ..
ولعل هذه الفكرة أكثر قابلية للتعامل الواقعي مع الناس من سواها، لكن القضية هي في فكرة: هل نستسلم لهذه الرؤية في القضايا الأساسية ، والتي تتطلب تدقيقا وتحديدا دقيقين..؟ ومن ثم تترتب عليها نتائج هامة في حياة المجتمعات، والأفراد فيها.؟
دعونا نرجع إلى الموضوع الأصلي وهو شهر الصيام لدى الكورد..
فالكورد -كشعب مسلم-  لا يكاد يطل الشهر الفضيل حتى يبادر أبناؤه -كما هي العادة- إلى استعدادات : يتسوقون،يشترون أنواع الأطعمة التي توافق الصيام(للتسحر خاصة) يتهيؤون لقيام الليل وقراءة القرآن،
يرافق ذلك فولكلور جميل في الأرياف(المسحراتي الذي كان يقرع الطبل قديما”في جزيرة بوطان” أو ” جزيرة ابن عمرو”  في اللغة العربية . والتي كانت تمثل عاصمة منطقة معروفة باسم “بوطان” في كوردستان تركيا الآن” ثم تغير ذلك إلى الضرب على الصفيحة(التنكة) غالبا .. وخلال الدوران في شوارع القرية، يرفعون أصواتهم منشدين مدائح نبوية.. وهم يضربون التنكة بعصا وفق نغمة المسحراتي المعروفة على صعيد العالم الإسلامي ..!

غالبا ما يتعاون أكثر من واحد.. خاصة في قرى  يوجد فيها طلبة العلم الشرعي، ويسمى طالب العلوم الشرعية في الكتاتيب باللغة الكردية، “فقه” وأغلب الظن هي من كلمة فقيه العربية).المهم.. كانوا ينشدون:
– طلع البدر علينا من ثنيات الوداع..وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
– صلِّ رب على الأكرم هادي..أحمد المصطفى خير العباد..
– سلام.. سلام.. سلام…على بئر  زمزم نصبنا الخيام..
وبعضا من مدائح باللغة الكوردية أو قصائد من الملا أحمدي  جزري، أو احمدي خاني، أو سيد علي فندكي..فقي تيران..عل  وغيرهم..(3)
فمن ديوان الملا الجزيري مثلا نأخذ الآتي:(علما بأن ترجمة الأبيات من الملا أحمد الزفنكي- مترجم الديوان كله-).
كما نشير إلى أن الكورد في كوردستان تركيا وسوريا وبعض الأجزاء الأخرى اعتمدوا الحروف اللاتينية في الكتابة، وحتى هذه الآثار المكتوبة بالأحرف العربية،أعيدت كتابتها بالأحرف اللاتينية- ربما لسببين أساسيين:
– الأول.. والأهم،القدرة الأفضل للأحرف اللاتينية للوفاء بأصوات اللغة الكو ردية، إضافة إلى أن أحرفا في اللغة الك,ردية لا يوجد ما يقابلها في اللغة العربية(ﮔ -ﮊ -ﭪ -ﭗ – ﭺ..) وأصوات فيها بعض ميل وغير ذلك..
– الثاني:نوع من رد الفعل تجاه السلوك القومي العروبي الذي حاول طمس كل ما يمت إلى الكورد من خصوصية قومية، وتميز لغة ..بل وأسلوبهم في انتحال كل الثقافة الكوردية بحجة أنها كتبت باللغة العربية، ودون الإشارة إلى الدافع الديني الإسلامي في ذلك، بل عزوا ذلك إلى ضعف الأداء في اللغة الكوردية وعجزها عن تكوين ثقافة مميزة ذات مستوى قيِّم..وطبعا ليس ذلك بصحيح وإنما هو نوع من الشوفينية التي تميز بها هؤلاء. والدليل أن القلة الموجودة من الأدب الكوردي وثقافته بسبب حظرها، أو بسبب من بعض اندماج لها مع اتجاه الإسلام الأممي..فإنها تثبت ذاتها بسهولة – ربما– غير متوقعة.. ممن لم يحترموا حقوق الآخرين فيما أوجدهم الله عليه.. ومنه اللغة الخاصة.
– لنقرأ ما صاغه الشاعر المشهور ملا أحمد الجزيري المار ذكره:
من دِبَر قال و بلى باطن ﭭـه ويرا بو أﭭين…………..هيـﮋ لِسرْ عهدا ألََسْتِمْ تا بِروﮋا آخَرين
ويمكن كتابته بالأحرف اللاتينية كما يلي:
Min di ber qal û bela batin vewêra bû evîn……. hêj li ser ehda elestim ta bi roja axerîn
ترجمته:((إنني من قبل اليوم الذي قال الله تعالى فيه للأرواح: ألست بربكم..؟ فقالوا: بلى.. كانت المحبة معي.. والمودة متمركزة في باطني.. كما إنني مذ ذاك إلى الآن ..مقيم على ذلك العهد والميثاق الذي أخذ في الأزل وسأبقى عليه إلى اليوم الآخر، يوم القيامة)).
ﮋِ أزل حق(بِملي) دايه ﮊعشقي قدحكْ………..تا أبد مست و خرابين ﮋِمَيا وي قدحي
Ji ezel heq (bi melê) daye ji işqê qedehek……ta ebed mest û xerabin ji meya wê qedehê
ترجمته:(( إن الحق تعالى قد أعطى الملا وسقاه منذ الأزل البعيد قدحا مترعا من خمرة المحبة الحقيقية.. فهو منذ ذلك اليوم الأزلي وإلى الأبد، مخمور.. سكران.. لا يفيق.. و مهدوم القوى، لا يصحو.. ومسلوب الشعور، لا يعي من خمرة ذلك القدح الأزلي.. وتلك الكأس الباقية إلى الأبد. وقال الحافظ الشيرازي رحمه الله في نظير هذا المعنى:(باللغة الفارسية)
سَر زِمستي بَر نـﮔـيرِد تا بِصبْحِِ روزِِ حشْرْ…………هر ْكِه ﭽونْ مِن دَر أزلْ جُرْعه خورْد أز جامِِ دوست)).
وكان هؤلاء المسحراتيين(الفقه) والمنشدين، يقفون عند الأبواب.. ينادون أصحابها للتأكد من صحوهم. فقد كان الناس مرهقين مستغرقين في نوم عميق وثقيل..إنهم فلاحون يعملون في الزراعة بآلات قديمة (المحراث القديم، أو الحصاد بالمنجل، أو رعي الماشية والأغنام..الخ). ويُخشى أن لا يستيقظوا.. ومن ثم يحرموا التسحر.. وفي ذلك مشقة لهم للصيام في اليوم التالي.. حيث ينتظرهم عمل شاق). ثم يتوضؤون ويقرؤون القرآن إلى مطلع الفجر.. ليصلوا – في الجامع أو في البيت- ثم تأخذهم غفوة قبل أن يقوموا إلى العمل الذي يبدأ باكرا عادة – ربما قبل مطلع الشمس-.
أما الأطفال.. فقد كانوا ينازعون أهلهم في الإصرار على الصيام، وهم لا يزالون صغارا يصعب عليهم ذلك-خاصة في أوقات الصيف الحارة- فمثلا أذكر أنني صمت أول مرة، وكان عمري لم يتجاوز الخامسة- ربما- من العمر.. وكان الوقت حارا.. والصوم صعبا.. فتحاول جدتي أن تحول بيني وبين الصيام.. خوفا علي.. ولكن المرحوم الوالد- وهو إمام جامع، ويسمى ملاّ في اللغة الكوردية- يطلب إليهم أن يتركوني لما أريد.. وقد صمت لأول مرة-كما أذكر- 5 أيام.. ثم 11 يوما في العام التالي.. ثم تدرجت حتى بلغت صوم الشهر كله بعد سنتين على الأكثر.(في السابعة أو الثامنة). وكان هذا حال أغلب أطفال الكورد ..فالمناخ الديني كان غالبا وكان فيه جاذبية وشوق..
وكنا نقرا القرآن حتى يؤذن المؤذن لصلاة الفجر، فنصلي وننام.. كنت قد ختمت القرآن قبل دخول المدرسة.. وكذلك أغلب الذين أتيحت لهم فرصة تعلم القرآن.. كان الكورد صارمين في ما يتعلق بالدين، وكانوا يتقبلون التعب لقاء أن يدرس أطفالهم في الكتاتيب. وكانت أطباق الطعام- وهي أطعمة بسيطة ذات طابع فولكلوري أيضا(4)- تنتقل من جار إلى جار.. أو إلى المحتاجين.. ، أو إلى طلاب العلم في الكتاتيب(الفقه) والذين كانوا يسكنون غرفا ملاصقة للجوامع،بنيت خصيصا لهذا الغرض( لتلقي العلم) وكان هؤلاء يتمتعون بتقدير كبير عند الكورد المسلمين. وقد يقوم بعض الموسرين بالدعوة إلى الفطور لبعض أهله وجيرانه وفقراء.. ودوما الملا، وبعض أو جميع الـ(فقه).
أما الشيخ الصوفي فقد كان له موقعه المتميز- والمبالغ في تقديره- وله خصوصية في التقدير إلى درجة متجاوزة -في الأغلب- لما ينبغي، ربما لجهل الناس، وربما لأن بعض هؤلاء المشايخ كانوا يستثمرون ثقة الناس بهم بشكل أو آخر..ولذا فقد كان مريدوه يزدادون دوما ..إلا أن انتشار التعليم وأدوات الوعي المختلفة وجه نحو نوع من التوازن والاعتدال في فهم الدين، وأحيانا إلى ردود فعل مبالغ فيها تجاه الدين..كنتيجة للشعور بالغبن من الذين تقدموا شؤونه، أو من مبالغة الاتجاه القومي العروبي في تطويع الدين لمقتضيات فلسفتهم القومية..
و كانت صلوات التراويح تتم وفق مراسيم أشبه بفولكلور..عبر ما كان يتبع في أدائها.. تلاوة القرآن بصوت عال..ومقاطع من الصلوات والتسبيح ومنها:خلال النصف الأول من الشهر في الجلسة الأخيرة من التراويح ترحيبا برمضان :
مرحبا.. مرحبا.. مرحبا.. يا شهر رمضان المبارك.. مرحبا
مرحبا.. مرحبا.. مرحبا.. يا شهر التوبة والغفران.. مرحبا
مرحبا.. مرحبا.. مرحبا… يا شهر تلاوة القرآن.. مرحبا
أما في النصف الثاني من الشهر فيصبح الترحيب وداعا بنغمة صوتية مشتركة :
الوداع.. الوداع.. الوداع.. يا شهر رمضان المبارك.. الوداع
الوداع.. الوداع.. الوداع.. يا شهر التوبة والغفران الوداع
الوداع.. الوداع.. الوداع.. يا شهر تلاوة القرآن.. الوداع
ثم تحيى ليلة القدر حتى الصباح،ويأخذ إحياؤها شكلا فولكلوريا أيضا..
يأتي بعض المتبرعين الموسرين بأطعمة وفواكه وحلويات..إلى المسجد ليأكله الذين يحيون الليلة..ويتخلل الليلة، كلمات من خطباء.. أو وعاظ.. في فضل الليلة وآدابها..ولا يخلو الأمر أحيانا من بعض خلل مصدره العدد الكبير من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين السادسة، وعمر المراهقة،غالبا..!
كما يُصلى في الليلة الأخيرة ما يسمى بالصلاة الطويلة Nimêja dirêj…الخ.
وفي صباح العيد تجري الأمور كما في كل بيئة إسلامية.. صلاة.. وخطبة .. وتحيات العيد.. ومعايدة الأهل والأقارب والجيران.. ومعايدة المرضى.. وزيارة القبور ..الخ
وكانت النساء يشاركن في ذلك كله لدى بيت الشيخ أو الإمام(الملا) أو حتى في بيت متعلم قليل العلم إذا لم يتوفر علماء..المهم يصلين التراويح، ومختلف العبادات على قدر الطاقة، ووفق المتاح من الظروف..!
هكذا كان الكورد يعيشون شهر رمضان المبارك.. ولا يزالون.. وهكذا كانوا يودعونه مفعما بالعبادات والخيرات وسماحة النفس.. ولا يزالون.. وعلى الرغم مما قد يكون أثر على نفوس الجيل الحاضر من ظروف مختلفة.. إلا أن الاهتمام برمضان – ومختلف شعائر الإسلام-لا يزال في الأوج. ولكن ..!

هل يقبل العروبيون- الذين صادروا الإسلام في كثير من مفاهيمه- من الكورد إسلامهم، أم يدعون الله يحكم في ذلك؟!

 

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *