الحياة في تكامل أجزائها(مكوناتها)

محمد قاسم (ابن الجزيرة)
بتحليل طبيعة الحياة (تحديد عناصر تكوينها) نلاحظ أشياء هامة قد تعين على فهما لها، وبالتالي تعين على عيش متوازن فيها. وتعين على فتح أبواب لتطويرها وتحسين صيغتها …الخ.
أي عمل  يبدأ من خطوة أولى “درب الألف ميل يبدأ بخطوة” كما يقول مثل أوروبي.
ذلك لأن الحياة –بشكل عام- لها وجهان:
* وجه واقعي (موجود بمواصفاتها كما هي)
* وجه متصوَّر(متخيّ).. بحسب المتصوّر و ما يتمتع به من ملكات و قدرات.
كيف نتعامل مع الوجه الواقعي فيها(لها)..؟
كيف نتعامل مع الوجه المتصوَّر لها (المتخيَّل فيها) ..؟
من الطبيعي أن الوجه الأول(الواقعي) هو الذي يجب التعامل معه..كمنطلق.. فنحن موجودون أولا.. ثم نعيش ثانيا.. ونتصور ثالثا.. ونطبق رابعا..وهكذا.  لكن ينبغي أن نلاحظ أن هذا الترتيب ليس متتاليا بشكل منفصل تماما عن بعضها.. بل هناك نوع من علاقة تداخل – أو إذا شئنا – علاقة جدلية(تأثير وتأثر) بينها. وربما تأتي صعوبة التحليل والتشخيص والفهم – بل والعيش أيضا- من هذه الطبيعة المعقدة للحياة. ومن هذه الطبيعة المعقدة للحياة ، تنبثق صعوبة فهم تكوينها، ومن ثم عيشها..!
أين المشكلة ؟!
إنها تكمن في:

أولا –  حالة جهل ، مناخه  الأمية. عدم القدرة على القراءة والكتابة كمرحلة أولى، وعدم الرغبة (أو عدم الصبر عليها) في المتابعة ( القراءة الحرة )بل و عدم التفاعل مع الحياة في واقعها لاكتساب تجربة  تصقل المعرفة وتؤكد مصداقيتها

ثانيا-  عدم حيوية حركة الحياة (العمل،الاحتكاك بالناس و التفاعل معهم في  حركتهم..عملهم..أفكارهم..السلبية منها والايجابية…الخ.لاكتساب  وعي ناضج و خبير لأفكار نظرية قابلة لتحويلها إلى تطبيق مستفاد منه بطريقة عملية ناجحة . باختصار..المشكلة هي في: عدم قابلية اكتساب خبرة و تجربة من الحياة في مختلف جوانب عملية وفكرية واقتصادية واجتماعية. وواقعية … تستجيب لدوافع نفسية كرفاهية مادية… عبّر عن هذا المعنى شاعر بقوله وهو يمدح أحد الخلفاء:     الجِدُّ شيمته وفيه فكاهة …….سُجح ولا جِدَّ لمن لم يلعب
و يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين احد إلا ّغلبه ، يسّروا و لا تعسّرو…
وكان  يحرص على الصدق حتى في المزاح ، وقصته معروفة مع امرأة  سألته عن زوجها. فقال: هل زوجك الذي في عينه بياض ؟. وكذلك مع المرأة العجوز عندما قال لها: لا يدخل الجنة عجوز .!
ليست الحياة فقط صرامة و جهامة وتشدد على النفس وعلى الآخرين. يقول الرسول (ص):
((رحم الله امرأ سمحا إذا باع، وسمحا إذا اشترى ،وسمحا إذا اقتضى)). ويقول : ((هلك المتنطعون)).
ولن نستزيد من هذه الأقوال حتى لا ننصرف إلى بحث مختلف عن الذي وضعناه نصب أعيننا.
البحث الذي نريد أن نجول فيه لكي نقطف ثمرة من نتائجه هو:
الحياة في تكامل أجزائها(مكوناتها).

فالملاحظ أن الناس ينسون – في خضم زحمة الحياة و معطياتها- التباين بين المُعاش والمُتخيّل(كطموح أو تمنٍ أو غير ذلك..). أو أنهم يعرفون ذلك نظريا، ويمارسونه أيضا نظريا بمعنى ما( يبتعدون عن ما يقتضيه الواقع و الواقعية).!
وهذه حال تنتج نوعا من خلط ا؛ تضيع فيه مفاصل محددة ،أو حدود فاصلة ومفصِّلة..!
فإذا علمنا أن نسبة الأمية في المجتمعات المسلمة (والعربية منها) في مختلف أجزاء الدنيا(آسيا،أفريقية، شرق آسيا(الصين،الهند،باكستان..) ، الشرق الأوسط(البلدان العربية ،تركيا،فارس..)، بعض أجزاء من الغرب(أمريكا، أوروبا كندا، أستراليا..) … إذا علمنا أن نسبة الأمية تتراوح بين و 40و 70% فيها، أدركنا عناصر التخلف التي تنتعش في هذه الأجزاء من العالم- ولنسمه الإسلامي بنوع من التجاوز-..!
وإذا كنا نعرف بأن التخلف في هذه الأجزاء ينال غير المسلمين أيضا..أدركنا أهمية (المكان) في هذا التصنيف.
وإذا حللنا الأمور وفق قاعدة (تكامل الحياة) أدركنا الخلل الذي يعيشه أبناء هذه الأجزاء ..!
خلل ينتج عن ظروف المكان(من معطيات الحياة الطبيعية).
وخلل ينتج عن أسلوب اعتناق العقائد(من معطيات الحياة الاجتماعية).
وخلل ينتج عن مستوى وعي ناقص بسبب تفشي الأمية ، وحالة جهل مؤثرة  ناتجة عنها (سوء تقدير الأمور لغياب فعالية العقل التي شلتها الأمية بنقص في ا الفهم والإدراك …).
وخلل ينتج عن تكالب (أو تهافت) العالم الاستعماري على خيراتها ، وما ينتج عن ذلك من خلل مركب ومنتعش ومستمر بشكل ما..
وخلل ينتج عن نظام الوصاية الذي ابتليت بها هذه الشعوب جميعا،فاستجر كل ما في التراث الديني منذ القديم ومرورا بمراحل مختلفة لتغيراته، ومنها الإسلام الذي أصبح عنوانا للتخلف- واقعيا- يدافع مؤيدوه عنه بالصوت العالي، والمقالات المدبجة، أو بعض مظاهر وشكليات..لا يهتم الآخرون بها :

– إما لعدم كفاءتها..
– وإما لعدم وصولها .
– وإما لأن الآخرين – أصلا – لا يريدونها – ومهما كانت الأسباب- **
ولعل الحالة المنطقية في البحث تفرض علينا أن نعترف بقصور شديد في الكفاءة(ومنها عدم الإيصال الجيد للرسالة) وتبدو  حالة مزمنة في جميع قوى الحركة السياسية والدينية والثقافية)..لماذا..؟
إن العودة إلى الأسلوب المتبع في هذه المناطق(الأجزاء) التي أشرنا إليها فيما سبق بقراءة متأنية، تبدأ من الواقع، وتتجه صعدا إلى الماضي(التاريخ) ستكشف لنا بعض معطيات – ما لم نخلط بينها- ربما تلعب دورا مهما في واقع الحال الذي يعيشونه..ومن هذه المعطيات – وربما أهمها-( سيكولوجية تكتلية) لعل التعبير الأفضل عنها سيكولوجية القبيلة(العشيرة) أو سيكولوجية التكتل وفق حالة عاطفية /نفسية …الخ.
فهذه السيكولوجية هي التي تمنع حرية الفرد وتفتح طاقاتها..
وهي التي تمنع فهما صحيحا(موضوعيا) لما يرد من مفاهيم وتعاليم ومبادئ…الخ.
وهي التي تمنع مبادرات فردية ، بدونها لا مجال للتطور والإبداع …
إذا تكمن “عقدة المنشار” في العلاقة بين الفرد والمجموع أساسا، وتصبح العقدة أكثر تأثيرا- سلبيا طبعا – عندما تحدد العلاقة بين الفرد والنظام في هذه الأجزاء(حيث يصبح النظام هو الممثل الأقوى للسيكولوجية التكتلية هذه.. بغطاء قانوني عصري، و قوة سياسية و عسكرية و اقتصادية و دعم مباشر او غير مباشر من قوى عالمية مستفيدة … لاسيما لدى تلك التي اتخذت الاشتراكية شعارا لها، وفقا لها صاغت قوانين تصب في مصلحتها باسم الجماعة والوطن وغير ذلك..).
لذا فإننا إذا تفحصنا قاموس هذا النظام نجد تفسيرا خاصا لكل مفهوم، يعطي هذا التفسير حقوقا لها في عمل ما يريد، وتحت غطاء مصلحة المجموع والتي تعطيها تسميات أيديلوجية – كما تشاء-.
من هنا نجد أن الحياة عرجاء في أنظمة من هذا القبيل ،أو عوراء، أو في اتجاه واحد لا يعطي الفرصة لمشاركة  الآخرين إلا وفق ما تحدده هي لهم من مسالك.(نوع من تزييف الحقائق وتشويهها بدافع مصلحي سلطوي..!).
منذ أكثر من ثلاثة قرون تغلبت المجتمعات الغربية على ظاهرة القبلية لديها(ربما منذ قيام الثورة الفرنسية )
بينما لا تزال مجتمعاتنا الإسلامية(والعربية منها) تحافظ على (التراث الغالي) إرث الفكر القبلي، والذي يكون دوما بالمرصاد لكل محاولة تسعى لابتكار، وتحت أسماء مختلفة..ويعطى لها من الخصال والأوصاف ما يرفعها إلى مستوى القداسة التي يتخذها المتنفذون وسيلة لترهيب الآخرين (ومن ثم تحقيق غايات ليست نبيلة في أي حال) فالحزب- في هذه المجتمعات المتخلفة- ليس سوى قبيلة من نمط آخر(جديد).
وتجديد الأفكار ليس سوى تغيير في الورق المكتوب عليه، أو نوع الخط، أو تبديل ألفاظ بألفاظ دون تبديل المعاني(المقدسة)، والعصية على العقل الإسلامي(والعربي منه) المتعالي على الإصلاح بحكم نظرته لنفسه على انه الكامل أو المتكامل. وخلف ذلك كله سيكولوجية متخلفة تنحصر في كيفية الوصول للحكم أو الإدارة، ودون حساب أيضا لما يمكن أن يخلف ذلك من تأثير سلبي على الخلَف من أبناء الحاكم أو أتباعه، أو أبناء الشعب ككل..وتنحصر في الشعور بأنها الوحيدة التي تملك الحق والحقيقة، ومن ثم فمن واجبها قمع كل من يخالفها. وهذا ما هو حاصل في هذه المجتمعات الإسلامية (والعربية منها ).وهي قضية تاريخية مع اختلاف في النسبة.
فعندما ينفي الخليفة الأموي، أبا ذر الغفاري كان يقصد إبعاد فكر ليس في مصلحته، ويحجب صوتا كان ينادي بما هو مصلحة الأمة- بغض النظر عن مدى توفقه في ذلك أو لا..!
وعندما يتخذ من قميص عثمان حجة فإنه كان يستعيد مجد آبائه (أو أبيه أبا سفيان) قبل الإسلام(نوع من النكوص الذي حرم مسلمون -بدوافع سياسية -تناوله نقديا، ولكنه تحول إلى منع ديني على مر العصور،مما حرم العقل النقدي في الإسلام مذ ذاك، واستعارتها الأنظمة الدنيوية في البلاد الإسلامية (والبلاد العربية منها).
وعندما تسمى عمر بن الخطاب بامير المؤمنين،لم يكن يقصد التقديس،بل يقول بصريح العبارة :
“لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها” جوابا على من عاتب و طالب يالاصلاح.

بل يقول:” أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي وخلفت فيكم بعد صاحبيَّ فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا. ومهما غاب عنا ولينا أهل القوة والأمانة فمن يحسن نزده حسنا، ومن يسئ نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم”
ويقول: ” إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم ولكني أستعملهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم. فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي ليرفعها إلي حتى أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن أدّب أمير رجلا في رعيته أتقصه منه؟ فقال عمر: ومالي لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصّ من نفسه” وبقول في رسالة إلى أمراء عسكره: لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تحرموهم فتكفروهم ولا تجمروهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم”*
وهكذا لا نجد في حياة الإسلام مقدسات سوى ما تأكد في القرآن والسنة، وما سوى ذلك اجتهادات نحترمها ونقدر قيمتها، ولكنها لا تمنع القادر من اجتهاد مثله.
وباستعراض الإسلام وتعاليمه وقيمه ومعتقداته لا نجد فيه سوى حث على الفهم وترقية الوعي والاجتهاد فيما فيه الاجتهاد ممكن عموما.وهو يجمع بين دنيا معاشة وأخرى موعودة بأسلوب فيه تفكير ومنطق يضبطه .
الحياة -إذن- في تكامل مكوناتها، لا في فرض أجزاء من هذه المكونات، وإهمال أخرى بحسب مزاج او مصلحة.
والحياة لا تتطور بمصادرة المبادرات بل بإنعاشها -و إن بدت مخالفة لنا-، ما لم تخالف المسار القانوني والواقعي لمصالح الأمة والتي يحددها أبناء الأمة أنفسهم بحرية كافية للتعبير عن آرائهم ورؤاهم وتصويتاتهم..
حينئذ فقط تتجه مكونات الحياة إلى التآلف وإلى التكامل وإلى الإنتاج والإبداع والتغير نحو الأفضل..ولا بأس إذا وقعت بعض ضحايا ..فالحياة الآن تكاد تكون في جميع مكوناتها ضحية..!

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *