انتماء طبيعي، وصناعي

منذ فتحت عيني على الحياة،ووعيت مكوناتها المادية والمعنوية في الحدود التي يتيحها لي مستوى وعيي, وفهمي في كل مرحلة من نموّي. والآن أنا في العقد السادس من عمري ..وأحمل شهادة جامعية ،كما مارست عملية التعليم-أو الأصح عملية التربية- أكثر من ثلاثة عقود..وأزعم أنني اكتسبت خبرة خلال عمري،وممارسة وظيفتي،و معطيات مُضافة نتيجة احتكاكي مع الناس  في مستوياتهم ، وطبائعهم المختلفة،إضافة الى مئات الكتب التي قرأتها، وبرامج ثقافية مختلفة.
مع ذلك لم استطع أن أستوعب  أفكارا وأيديولوجيات سوّدت مئات ، بل آلاف وملايين الصفحات.أو أرشيفات الكمبيوترات وغيرها… لم أستطع أن أستوعب طبيعة العلاقة بين انتماءات مختلفة للإنسان..-كما تطرح من أصحاب أيديولوجيات ، خاصة تلك التي يمكن وصفها بالقوموية .!
ما أعرفه –ببساطة-خُلق الناس جميعا من أصل واحد –سواء أكان هذا الأصل آدم،أو من نتاج لحظة صدفة أنتجت خلية حية تطورت مع الأيام والسنين الى الكائن البشري بحسب نظرية داروين في الخلق…!
المهم إن الأصل -بهذا المعنى- هو واحد بين البشر، وبالتالي لا مبرر لمحاولة البعض أن يعتزوا بخصوصيتهم القومية –العرقية- على حساب قوميات أخرى-أيا كانت-.!
ومن الطبيعي أن التطور في أي جانب من الحياة يكون له آثاره التي تسبب تغيرا يتماشى مع هذا التطور..
ومن الطبيعي -أيضا- أن هذه الآثار تختلف بحسب الظروف الطبيعية –البيئية- والظروف البشرية/ الاجتماعية المتفاعلة مع هذه الظروف البيئية. ومن هنا يظهر تفاوت في أداء البشر في مكان عنه في مكان آخر. ومن هنا يظهر التنوع في أٍساليب التفاعل مع المحيط البشري والبيئي ..وتبدأ الفروقات الفردية بين فرد وآخر من جهة،وبين جماعة وأخرى من جهة ثانية.
ربما هذه الخاصة –ظهور الفروقات الفردية- أصبحت –مع مرور الزمان- تحدد الإطار الذي يمكننا أن نرى فيه الناس –أفرادا وجماعات…-ومن ثم توصيف كل إطار اجتماعي نسبة الى إطار آخر. ونطلق تسميات -تكونت عبر الزمان-  على هذه الجماعة أو تلك ،تسمية ربما تعود الى الأرض التي تعيش عليها،أو الى الجد الأول للجماعة،أو الى اختيارات لهذه التسميات استنادا الى خاصة مميزة ،بطولة..كرم..وعي مميز..أو أساطير..أو غير ذلك.
الخلاصة –هنا –هو أن البشر يعودون الى أصل واحد –مهما كانت النظرية في الخلق-دينية أو طبيعية .
هذا أولا..
وثانيا :فإن الانتماء الطبيعي للإنسان هو حق له وواجب عليه في الوقت نفسه.ومن ثم لا يملك احد أن يرى ذاته متعاليا على الآخرين على أساس هذا الانتماء الطبيعي الذي يشترك الجميع فيه كأمر خارج عن إرادته ولا خيار له فيها. فمثلا، القصير لا يعاب بقصره والطويل لا يعطى أفضلية في الخلق على غيره لطوله،والذي ينقصه الجمال لا ذنب له فيه،ولا يفترض أن يعيّر به،كما أن الجميل لا قيمة تعطى له طبيعيا، مادام لم يخلق هو ذاته، و لا يد له في جمال خُلق عليه.

إنها انتماءات طبيعية يتساوى فيها الجميع -كقيمة طبيعية – في الحياة. وقل الأمر نفسه بالنسبة لكل المعطيات الطبيعية في حياة البشر..!
أما الانتماء الصناعي –إذا جاز التعبير –فهو انتماء يقرره الإنسان لنفسه. كالانتماء الى أرض(وطن) طوعا-باختياره- أو كرها –تهجير أو هجرة اختيارية. أو ظروف العمل..الخ.أو انتماء الى حزب سياسي،جمعية، خيرية أو ثقافية …الخ،أو اختيار عقيدة دينية، والتي لها خصوصية -واقعيا-
يقول الرسول ما معناه: يولد الإنسان على الفطرة، فأبواه يهوّدانه ،او ينصرانه، أو يمجّسانه-من المجوسية-
وفي البيئات التي تكون الحرية الفردية متاحة –كما في الغرب-فإن المرء يمكنه أن يختار اعتقاده بحرية( و يييفترض ذلك في أي مكان -ما لم يتداخل الأمر مع جوانب سياسية تهدد المجتمع-.
في حالة الانتماء الصناعي هذا –وهو حق على كل حال للفرد- يمكن ان تجري مناقشات حول مداها القانوني والأخلاقي،وتفاعل ذلك مع المعطيات الاجتماعية واقعيا،ومراعاة المناخ الفكري –بأوسع معانيه- ويكون ميدانا خصبا لتباري النظريات المختلفة ومنها الأيديولوجيات.!
أما الانتماء الطبيعي فكيف يمكن النظر إليه..؟
ما نشاهده ونسمعه،ونقرأ عنه…الخ.
إن أصحاب الأيديولوجيات القومية خاصة –والدينية والماركسية …-جميعا يحاولون تطويع هذه الانتماءات لنظرياتهم وإيديولوجياتهم بقوة سياسية. ووفقا للفئة-الطبقة-الحاكمة والتي تعيث فسادا في المفاهيم –برؤى تخصها- وتخدم موقعهم السلطوي..ومدة بقائهم في السلطة.. فيفلسفون الحالة وفقا لأمزجتهم السياسة،وخلافا للمجرى الطبيعي لعملية الانتماء هذه..فكم نقرا في المطبوعات،ونسمع -مع المشاهدة- تصريحات تتناول هذه القضية من منظور ذاتي أيديولوجي خدمة لما يريدونه من واقع؛ وان اضطرهم ذلك الى التعسف في شطب هذه الانتماءات الطبيعية –العرقية خاصة-.
فلا نستغرب من هؤلاء –مثلا- أن يقولوا(الأكراد العرب مثلا)..!*
ولا ادري كيف تجاوز علمه ومعرفته باختلاف الأعراق في خصائص عديدة بعد مضي القرون الطوال على تمايز التكوينات القومية –العرقية- ويريد أن يفرض عليهم سياسيا مفاهيمه العرجاء..وفعل الأمر نفسه أتاتورك-هذا الرجل المأفون –برأيي-فالذي يتجاوز الحقائق –وهو عالم بها –يكون مأفونا، أو جبارا لا تتمثل في ذهنيته وسيكولوجيته أية قيم بشرية طبيعية،وإنما –ربما – تكوينات فكرية ونفسية مشوهة –إعاقة فكرية/ أخلاقية بمعنى ما ..!
أن تجاوز الحقائق بهذه الطرق  ؛ من مشكلات  ابتلي بها بنوا البشر على أيدي هؤلاء،ولا يزال العالم يعاني من آثار نظرياتهم الخاطئة والخطرة أيضا..!
من حسن الحظ أن الغرب –رغم مساوئه على صعيد الاستعمار والاستغلال الاقتصادي الفج والمؤلم- فإنه –بتبنيه نظرية الفرد كتكوين للمجتمع-قد استطاع أن يكرس جملة  من القيم التي تميز هذه الأفكار عن بعضها على أساس فردية الإنسان والتي تتجه باستمرار نحو حالة اجتماعية –وطنية- بطريقة تراكمية متدرجة تجعل التفاعل الفردي والاجتماعي يكون تجانسا بدل التعسف الذي يتبناه الشرقيون عموما والعروبيون خاصة .

………………………………………………………………………

* احد أهم المنظرين لحزب البعث ويشغل موقعا مهما في التكلم بلسانهم ولسان نظامهم -فيجمع بين النقيضين على أساس أيديولوجي –ودون خجل من هذا التهافت المخجل علميا-معاون وزير الثقافة وعضو  لجنة تطوير البعث د. احمد حاج علي.

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *