الإدراك

متزوج، خطب ثانية. كانت زوجه تعلم بذلك فقد أخبرها. وتمت مراسيم التحضير ليوم الزفاف – والزوجة تعلم، ومشاركة. وجاء يوم الزفاف.
وكعادة الناس في المنطقة، ذهب موكب من السيارات محملة بأقرباء وأصدقاء نساء ورجالا. واحضروا العروس -وهي في ثوب الزفاف الأبيض-.
وصل موكب السيارات، وهي تزمر –كالعادة-. هرعت الزوجة الأولى تحمل رغيف خبز بيد وفي اليد الأخرى ما يعرف لدى الكورد بـ (Hesk)، وهي ترقص أمام رتل السيارات المزمّرة والمنبئة بوصول العروس.
نظر أحد السائقين إلى زميل بجانبه. وقال:
هل تدري أن هذه المرأة لم تدرك بعد أن هذه العروس هي ضرتها…؟!
فقال زميله مستغربا: كيف لا تدري، وهي تعرف مجريات الخطوبة والتجهيز، ونقلها إلى دار العريس-زوجها-…؟!

قال: إنها تظن إنها عروس فحسب. وهي تنساق مع جو الحفلة، فتفعل ما تفعل. لكنها لم تدرك بعد أنه حفل عرس ضرتها.
وفيما كانا يتبادلان الحديث لمحا المرأة تهرب فجأة، فارغة اليدين، مما كان بها. وتختفي في داخل البيت. نظرا فاذا العريس قد ذهب لاستقبال العروس. وعندما لاحظت الزوج الأولى ذلك أدركت أنها ضرتها
فصرخت..ورمت الخبز والهسك على الأرض وهي تتجه نحو البيت تختفي وتخبئ شعورها عن الآخرين.
هكذا هم بعض الناس عموما وبعض قوميين –او قومويين-هموما
ولنأخذ مثالا من العراق
عندما يطالب الكورد بتحديد الحدود الإدارية للمنطقة الكوردية-إقليم كوردستان-يستنكرون قائلين:
نحن ضمن دولة واحدة فلم تحديد الحدود بينها وبي الأقاليم…؟
ينسون أو يتناسون ان الملكيات ينبغي ان تكون واضحة بين الناس ضمن الدار الواحدة،والأسرة الواحدة،  فما بالك بين قوميتين مختلفتين وألحقت أراضي أحداها بالأخرى نتيجة اتفاقيات دولية لا يد لهم فيها ولا رضي.
وناسين أو متناسين ان هذه القومية عانت على يد القومية الثانية –وبغض النظر عن التفصيلات-أقسى ما يمكن تصوّره من قتل وتشريد وتهجير وتعذيب وإبادة… الخ.
وحتى لو لم يكن هذا موجودا فإنها تطالب بحق لها .
وظاهرة تحديد الحدود بين الأقاليم مألوفة جدا ، لاسيما في الدول ذات السلوك الديمقراطي الذي يعتمد على إرادات الشعوب والتجمعات…
مقاطعة (كيبك) الكندية أجرت أكثر من انتخاب رسمي لتقرير مصيرها إلى الاستقلال أم البقاء ضمن الأراضي الكيبيكية فكان القرار البقاء.
جرى ذلك دون تخوين احد، ولا قتل احد ، ولا تفذلك احد بسبب التعبير عن رغبتهم او مطلبهم
وحتى الحدود بين محافظات الدولة الواحدة ومناطقها و…. محددة. فالمشكلة ليست في تحديد الحدود، وانما في منهج حكم يجعل هذه الحدود، حدودا دولية أو يجعلها حدودا رمزية.

الحدود الدولية بين الدول الأوربية ليست –واقعيا-سوى حدود رمزية.
قصة الذهنية العروبية أشبه بقصة هذه المرأة التي لم تدرك الواقع حتى اصطدمت به. وحتى أن الاصطدام –احيانا –لا يوفر ادراكا عميقا .!َ

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *