أدب الربيع العربي

أدب الربيع العربي
“الأدب مرآة تعكس الواقع” عبارة قديمة جديدة ومعبرة…
فالأدب في كل مجتمع هو ما تنتجه الأقلام المختلفة- والأدب الشفاهي- لتجليات مختلفة من أنشطة الناس في زمان ومكان محددين.. و أن طبيعة النتاج ومستواه يتراوح:
بين أنشطة واعية خطط لها لغايات محددة …
وبين أنشطة عفوية في سياق حياة يومية  تنوعاتها…
في الربيع العربي انفجرت الطاقات المكبوتة على مدى عقود على يد شباب لم تستعبده الإجراءات القامعة من هذه الأنظمة بعد إذ أشعل “البوعزيزي” عود ثقاب شعلة الثورة فسرت كالنار في الهشيم…وانتقلت بسرعة قياسية من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن ومن ثم استقرت في سوريا تغالب استعدادات دولية لوأد هذا الربيع المزدهر. وفي لحظة تحركت فيها قوى ليس من مصلحتها ازدهار الربيع لكي تطفئ وهج الربيع بعناوين شعاراتية لا تخالفه كثيرا…كالإصلاح والديمقراطية وقرار الشعب و…وهي كلها ليست سوى أغطية مهترئة لسلوك مختلف تماما هدفه واد الربيع.
وفي أنظمة مستبدة في بنيتها السياسية الأساسية – إضافة إلى عناصر مغذية لهذا الاستبداد من بينها اجتماعية مختلفة … هناك دوما آليات معدة منذ البدايات،توفر تسلطها على الشعوب قوامها “قوى استخباراتية محلية همها حماية النظام وقمع الشعب وإيجاد كوادر آلية منعدمة الإحساس،أو مغسولة الدماغ.. يذكرنا هذا ب”الجيش الانكشاري” التركي…وحالات شبيهة.
هنا يصبح الحكم غاية ما بعده غاية ويصبح كل شيء وسيلة وأداة : الشعب بكل فعالياته وتجليات أنشطته…الأرض واستثماراتها…الاقتصاد عموما… التعليم وكل ما يتعلق به…التربية…الخ.ويصبح شعار إلى الأبد وتمجيد الشخصية الحاكمة هو ثقافة مخيمة في كل أنحاء وظروف وفعاليات المجتمع jعزز مجموعة إجراءات على الأرض ذلك مثل :تضخيم أجهزة الحكومة ،- وتنمية- ثقافة الولاء –طمعا وخوفا وتدريبا… واحتكار  الفعاليات الاقتصادية الإنتاجية تحت مسميات مختلفة ظاهرها خدمة الشعب وحقيقتها رهن الشعب لإجراءات النظام..
وعندما بدا الربيع كان لا بد من مواجهة بين قوى تماهت مع الحكم …وبين قوى جديدة لم تتقبل ما اضطر إليه آباؤهم وأجدادهم… بإشعال “البوعزيزي”  مشعل ثورة الجياع ، واستعداد نفسيكان ينتظر لحظة الشروق…فانفجرت التراكمات دفعة واحدة دافقة.. وزادتها الدماء وهجا بخلاف ما ظنته النظم في أنها ستخمد الوهج. وبدلا من وعي النظم ومحاولة تدارك السيل العارم لجأت إلى وسيلة قمع مبالغ فيه فأنتجت عكس ما كنت تظن من ردود أفعال أكثر غضبا وحنقا بل وحقدا يوهج الرغبة في التخلص من هذه النظم مهما كانت التكاليف. فالمرء قد يخشى من الدخول في المعمة ولكنه إذ يدخلها لا يعود يبالي بما يكون فيها .
ونشأ واقع بدأ ينعكس على كل تعبير شفهي أو كتابي أو تصويري أو غير ذلك.. يهمنا هنا أن اتجاهين تبلورا في أدب الربيع العربي  واحتضن  الإعلام المرئي خاصة..وكذلك الإلكتروني… نبضا يتنامى.
من المؤسف أنها وسيلة -في الحالتين- لم تواكب الربيع العربي في مضمونه وأهدافه.  فالربيع ثورة شعبية عارمة لتغيير واقع غلبه الفساد بكل معانيه، وتعمق حتى الجذور، أو –حتى النخاع-كما يقال. ولم تعد وظيفة الحكم إدارة الشعوب نحو واقع أفضل، بل تبنّي نهج إداري يعطلها عن فعاليتها بخبث، بحيث تبقى مظاهر مشيرة إلى التقدم قائمة، ولكنها هشة ومنخورة من الداخل
فالمدارس-مثلا- تكثر، لكن العلم يتراجع، لأن نظام إدارة العملية التربية ليست من جنس التربية ،وإنما تنتمي إلى الرغبة في الحكم فحسب.
.والأبنية العامة- مثلا- تكثر لكنها غير قابلة لعمر طويل، و معظم من فيها فاسدون، همهم تعطيل احتياجات المواطنين وابتزازهم ماليا، وكسر كبريائهم وتحويلهم إلى إمعات أو خائفين ومترددين ويتبعون –معظمهم- أسلوب الرشوة والتملق وما يتعلق بهما في التعامل مع الدوائر والمؤسسات وكل ما يتعلق بالحكومة-النظام- لأن الحكومات هنا غير موجودة فعليا، فهي ليست سوى وسيلة لتنفيذ ما يرغب النظام فيه . والأكثر استعداد لذلك هو الذي يتبوأ مكانة في الحكومات. وما يتفرع عنها من دوائر. فالنظام الإداري ليس سوى وسيلة جردت من ثقافة تنفيذ القوانين، وحولت إلى أدوات تنفذ ما يردها من أوامر  من أجهزة خاصة-أمنية غالبا- او ملحقة بها …لا صلة لها بعملها إطلاقا سوى الحرص على تنفيذ ما يريده النظام .
أما وسائل التعبير فقد أصبحت في حرب بين اتجاه النظم،واتجاه الثورات..
و المؤسف أنها-في حالة النظام- مدرسة لها جذورها. وحاولت أن تواكب الربيع بوأده، وبكل الوسائل المتاحة، فاعتادت الكذب والتزوير واللعب بالحقائق إلى جانب الرشوة والتخويف-اغراء وارهاب…- وإيجاد تأثير مربك في الذهنية ضمن منظومة تشرف عليها قوى استخباراتية محلية بعيدا عن القوانين والدستور والقيم المفترضة أخلاقيا واجتماعيا…!
وما يؤسف ان الاتجاه الذي يحاول أن يكون مؤيدا للثورات لم يكن منسجما تماما مع الثورة في معناها وغايتها وقيمها…فهي غالبا إعلام خاص، أو رسمي يتبع حكومات مختلفة مع النظم…فهي تنفذ العون مع الثورات بأجندات خاصة بها والتي أهم أولياتها أن لا تدع للثورات في بلدانها أن تندلع-أو يمتد الربيع العربي إليها…!

 

المزيد من المقالات