محاولة تحديد مفاهيم، ذات طبيعة إشكالية أحيانا(عندما تختلط المعاني)

محاولة تحديد مفاهيم، ذات طبيعة إشكالية أحيانا

يبدو أن القوى النفسية عموما -ومنها القوى الفاعلة فيها، العقل خاصة-قد صيغت من قِبل خالقها بطريقة فيها تعقيد، ويتطلب التعامل معها بقوة في الفهم –في إطار هذا التعقيد-، متكئة على الإدراك عبر التحليل والتشخيص …

وهذا يتطلب أيضا، بذل جهود مستمرة في البحث، والمتابعة؛ بتوفر معطيات مختلفة، واستعدادات، وإمكانات، وخصائص… تؤهل لهذا الاستكشاف والضبط معا.

ومن الضبط، تحديدات تتعلق باستخدام الكلمات ودلالاتها، ونحت المصطلحات التي تختصر الكثير من المعاني في اطر واضحة ومحددة، تسهل الفهم والتعامل؛ ليغدو الحوار وسيلة فهم مشترك، وعدم الانزلاق نحو الغموض والإشكالية، وكذلك العمل على إعداد القواميس والمعاجم اللازمة… الخ.

إن الغموض الذي يكتنف المعاني والتعبيرات؛ يؤدي إلى الاختلافات، والتي قد تتصاعد إلى صراعات ذات طبيعة معنوية وربما مادية أيضا، أسوأ تجلياتها؛ الحروب المدمرة للبيئة، والحياة المادية-الفيزيولوجية للكائنات الحية، وتهديم قيم الحياة البشرية العاقلة، والكائنات الأخرى الضرورية لتوازن حيوي في الكون.

من المؤسف أن تاريخ البشرية مليء بهذه الصراعات والحروب التي يُفترض أن تكون مرصوداتها المالية والبشرية؛ موظّفة في خدمة الكون عموما، والقوى البشرية العاقلة الوحيدة خصوصا.

كما تظهر المعطيات المتوفرة منذ وعي الحياة على وجه البسيطة-وان كانت هناك نظريات تحاول افتراض وجود قوى أخرى– غير الملائكة والجان-المُقر بوجودهم في المعتقد الديني عموما. وربما بوضوح أكثر في الإسلام.

ومنذ بدء الخليقة هناك تفاعل بين الإنسان وفقا لمستوى وعيه، وبين الطبيعة وفقا لمعطياتها المتغيرة، في سياق علاقة جدلية بين العقل البشري وجهوده المادية، وبين ما يتوفر، ويُستكشف، ويستجيب للإدراك والتأثير؛ تغييرا نحو التطوير الذي أفاد – ويفيد-البشرية.

وفي استقراء مسار هذه الجهود من: تعلم، وبحث، وبناء… نجد التعاون من السمات الرئيسة في الحياة الاجتماعية. لكن الجانب الإشكالي دوما هو المنتجات التي تتركها أنظمة الإدارة السياسية عموما، وفي المجتمعات المتراوحة مكانها –أو المتخلفة -أو غيرها من تسميات تؤكد تخلفها-عن ركب الحضارة المعاصرة.

لقد بذل البشر الجهود في مستويات متعددة من القوة والغزارة؛ لتجاوز المشكلات التي تواجههم دوما، لأسباب طبيعية، وأسباب وُضعت في تركيبة الحياة من خالقها، لإعطاء الحركة والحيوية البشرية معنى؛ عبر تفاعل بانٍ، وعامر للحياة.  وسلوك مهذِّب لمسار الكون عبر قيادة بشرية عاقلة لها.

والعقل –كما هو واضح -هو المميِّز الوحيد للإنسان -في سياق الكون المليء كائنات مختلفة حية، عاقلة وغير عاقلة، وجامدة… هي جميعا: عناصر متكاملة لإعطاء الحياة في الكون؛ معنى عمليا يوافق الحاجات، ويدفع نحو التطور المستمر لمصلحة البشر، ومنها مصلحة البيئة عموما. والجميع بدا يدرك هذا فتقوم الدول بعقد اجتماعات دورية لمعالجة ما نالها من خلل خطير ينذر بما هو هالك للحياة.

هذه المقدمة قد تكون ضرورية وقد لا تكون –بحسب الذي يقرأ-لكنها بالنسبة إلى ضرورية.

لاحظت أن كثيرا من المعاني تضيع في خضم الجزئيات التي تتناثر منفردة عن بعضها البعض، خاصة في أثناء الممارسة اليومية الضاغطة بشكل أو بآخر-. فيؤدي هذا الضياع –أو الغموض-إلى تمزق السياق المتكامل – أو الموحد – لها.

لذا فإني أعاني ما يشبه الوسواس حول ضرورة المقدمة –التمهيد-لكل موضوع يتناول أية قضية، لاسيما تلك التي تحتاج تفكيرا بعمق، بسبب ما فيها من تعقيدات نتيجة تركيبها وتأليفها من عدد من العناصر –العوامل-قلّت أم كثرت.

المطلعون –الخبراء-يعرفون المناخ الذي يفترض للحوارات أن تمارس فيه. ومنه الاطلاع على كل ما يتعلق بالموضوع الذي يجري الحوار بشأنه، واللغة التي تمكّن من التعبير بكفاية؛ سواء لجهة الكلمة المناسبة أو السياق الذي تكون الكلمة فيه. فدوما هناك سياق يُعين على وضوح التّبلور للمعنى ومن ثم الفهم المتبادل.

…………………………………………………………………………..

عندما تختلط المعاني

تغمض في الأذهان

وتنتج رؤى ومواقف مختلفة

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”

m.qibnjezire@hotmail.com

مذ وجد الإنسان نفسه في الأرض فإنه وجدها تختلف عن الكائنات الحية الأخرى؛ بتميزه بعقل يفكر.  إضافة الى القوى النفسية المختلفة.

ودون الدخول في البعد الفلسفي لوجود العقل، هل هو خلق أصيل؟ أم هو ناتج تطور في النمّو…؟

فإن الجميع يقر بأنه – العقل -موجود، وبأنه أهم مميز للبشر في مقابل الكائنات الحية الأخرى-أو الكائنات الحيوانية الأخرى-فالإنسان مكون من ثنائي: الجسد والروح –الحيوانيين-والعقل الذي ينفرد به عنها. وهذا ما حدا بالفيلسوف اليوناني الأشهر “أرسطو” لكي يعرف الإنسان بأنه:

“حيوان عاقل” أو “حيوان اجتماعي” وتتالى التعريفات التي تختلف لفظا ولكنها تتفق مضمونا كالقول: “الإنسان حيوان طاه” من الطهي. أو “حيوان مدني” أو ” سياسي” ..الخ.

ولم ينس الفلاسفة أن ينبهوا إلى الجانب المسمى الانفعال. تحت أسماء مختلفة كالعاطفة والغضب والحزن ..الخ. وهو ما فصّل فيه علم النفس الحديث.

ويمكن إحصاء أهم ثلاثة قوى معنوية في الإنسان-خلا الجسد المادي-في ثلاثة:

العقل-النفس – الروح -. متجسدة معا في البدن، أو الجسد المادي.

وهنا تبرز مشكلة طبيعة العلاقة بين المعنوي والمادي في تكوين الإنسان-شخصيته -. هل العقل مثلا هو الدماغ نفسه؟!

أم أن العقل قوة معنوية تختلف عن الدماغ المادي؟

وفي هذه الحالة –وفي حال كونهما واحدا أيضا – كيف يكون عمل الفاعلية الفكرية عند الإنسان. ؟!

وإذا تعمقنا أكثر؛ سيبرز بعض عوامل جديدة تدخل في التكوين الإنساني…!

مؤثرات البيئة مثلا، المؤثرات الاجتماعية العفوية-وهي بيئة اجتماعية تختلف عن البيئة الطبيعية من مناخ – تضاريس-ومياه…الخ. وتسمى مؤثراتها على الإنسان بـ “التربية غير القاصدة” – أي مختلفة عن دور التربية كمؤثر ذي طبيعة اجتماعية واعية، ومنظمة، وتسمى “التربية القاصدة”.

ويمكن إضافة الحركة –او ا لنشاط-الإنسانية في تجليات مختلفة منها، الحروب وما ينتج عنها من تبدلات في الجغرافية والديمغرافيا وأنماط المعيشة…الخ. والتجارة وآثارها في حياة المجتمعات والصناعة …وغيرها.

القضية معقدة أكثر مما نظن.

فالفرد في المجتمع يشكل نواة اختلفت الفلسفات على دورها، وطبيعتها… بالنسبة إلى المجتمع…وهنا نفرق بين الفلسفة بمعنى البحث الفكري التأملي الحيادي، وبين فلسفة –إذا صحت التسمية-ذات طبيعة سياسية؛ أو سياسة ذات طبيعة فلسفية…!

إن مفهوم “السياسة” لا ينفصل عن مفهوم “المجتمع” بكل دلالاته. فالسياسة تمارس كوظيفة ضمن المجتمع. ولكن ما هو إطار عملها؟

هذا ما جهد علماء السياسة –أو علماء الفلسفة السياسية – إذا صح التعبير-على محاولة تحديدها بوضوح كاف، يمنع اختلاط المفاهيم. وربما كان أفلاطون الذي بدأ المحاولة في كتابه الموسوم بـ “جمهورية أفلاطون” والذي لا يزال مرجعا يعود أليه علماء التاريخ السياسي والفلسفي… وربما علماء فلسفة السياسة وعلماء الاجتماع أيضا. في الشقين السياسي والاقتصادي. على الأقل.

مهما كانت قيمة الكتاب تاريخيا وفلسفيا وكمرجع. فإن الحياة السياسية –والاجتماعية والاقتصادية…الخ. في الوقت الراهن؛ تختلف عن تلك التي كانت في زمانهم. وبالتالي فإن نظريات، وأيديولوجيات، وأفكارا جديدة لا بد منها؛ لتبحث في الحياة البشرية بجوانبها الفردية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية والفنية…الخ. ودعونا نقول: “الحياة الحضارية للإنسان”.

على اعتبار أن مفهوم الحضارة تشمل كل ما يتعلق بالمجتمع في حياته ونموها التطوري-أو لنقل عبارة أكثر تعبيرا عن الواقع بنوع من الوضوح، فنقول: “النمو المتغير للإنسان في مختلف جوانب حياته…”.

وطبعا هنا ينبغي أن ننتبه أننا نستخدم عبارة “الإنسان” –” الإنسانية ” – “البشرية”

وكأنما المفاهيم هذه تمثل كل البشر على وجه الأرض قديما وحديثا. بسوية واحدة من التفكير والسلوك …!

هذا خطأ في الفهم – إذا كنا فعلا نرى ذلك-لا يراعي النسبية.

فالخصوصيات دائما حاضرة –سواء في حياة “الإنسان الفرد” أم في حياة “الإنسان المجتمع” بل كذلك عن هذه الخصوصيات التي تختلف من فرد لآخر، ومن جماعة ضمن المجتمع الواحد؛ لجماعة أخرى ضمن المجتمع نفسه. بتأثير عوامل مختلفة. منها: البيئة –كما ذكرنا –ومنها: مستوى التطور، ومنها: نوع العمل والمعيشة التي يمارسونها…الخ.

كل هذ، ا يمكن تسميته بالمؤثرات الخارجية بمعنى ما. او الموضوعية. إذ لا إرادة للمرء فيها.

لكن هناك أمر داخلي يتعلق بطبيعة تكوين الشخصية الإنسانية الفردية. وخاصة التجربة التي حازها، والعلم الذي حصّله، والقدرة على التوافق بين كليهما؛ في تعبير نظري أو عملي.

وهذا ما نلاحظه في الاختلاف بين أداء شخص لعمل ما –معنويا كالشعر مثلا. وماديا كالضرب على الآلة الكاتبة مثلا، أو سوق سيارة، أو ما شابه.

فالمطلوب إذا –وبعجالة – أن نسعى جميعا –كل من موقعه-لفهم المفاهيم بحدودها ودلالاتها. وكيفية التعامل معها واستخدامها. لئلا تختلط المعاني في أذهاننا، وتصبح غامضة، ويسوء استخدامها “سوء فهم”. وبالتالي تسوء الرؤى والمواقف.

ومعلوم ماذا ستكون النتائج حينها. ونحن ندفع اليوم كمجتمع شرقي خاصة، والعربي على الأخص فيه-ضريبة هذه الحال التي نعيشها. خاصة أن طغيان الروح الأدبية على استخدامات اللغة العربية يجعل الذهنية والسيكولوجية “الثقافة” متأثرة بها في هذا المنحى.

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *