الدين -السياسة- العنف…

الدين-السياسة –العنف
ما يميز البشر عن الكائنات الأخرى في هذا الكوكب هو أنهم يتمتعون بعقل يفكر ويتدبر ويستوعب المبادئ والغايات التي يرتبون حياتهم وفقا لها.. ولكن هذا التميّز –العقلي- يستحيل نقمة عليهم –أحيانا- عندما يصبح واحدا من أسباب التباري على مطامع خارج المبادئ العامة –المشتركة،بناء على العقل المشترك فيما بينهم..!


هذا القول يحيلنا إلى التوقف لحظات على معرفة تكوين البنية النفسية للإنسان..
بعبارة أخرى، معرفة تكوين الشخصية الإنسانية..والتي مظهرها الجسم،وجوهرها النفس..فهي-أي الشخصية- تكامل بين الجسم والنفس..لذا وصفه البعض ب”مركب اثنيني” لأن هناك من حاول أن يعيد الشخصية إلى المادة وحدها متجلية في الجسم.. وما الأحوال النفسية سوى نتائج ممارسة الجسم المادي لوظائفه..كما حاول البعض إعادة الشخصية إلى النفس –فحسب..- والجسم ليس سوى تكثيف للقوى النفسية-او الروحية…
(ومنعا للالتباس،دعونا ندرج مقولة: إن النفس والروح والعقل شيء واحد،تسمى عقلا لأنها مدركة،وتسمى روحا لأنها تمد الجسم بالحياة والحيوية،وتسمى نفسا لأنها متصرفة..)
ولنتوقف قليلا على نظرة منهجية ..قبل الاسترسال ..
الكلمة شكل مكون من عدد من الحروف التي لا معنى لها في ذاتها : ،ب،ف،ر،ة،ز..الخ. ولكن ترتيبها في كلمة يعطيها معنى ..فالمعنى إذا فكرة نعبر عنها بالكلمات..:
روح،نفس،عقل،عاطفة،حب،كره،….هذه كلمات تدل على معنى. فإن ترتبت الكلمات في جملة، يعطى معنى حيويا –حركيا…كأن نقول:
الإنسان كائن عاقل،
الحب حالة عاطفية انفعالية..وهكذا..
هذا في سياق اللغة.
أما المنطق فله أسلوبه الذي يتلاقى –أحيانا- مع اللغة كدلالة، وأحيانا يستقل بخصوصيته..
فمثلا “روح” ..”إنسان”..”طفولة”..”الربيع”..هي في اللغة كلمات..وتنطوي على معنى محدد: إنسانية بخصائصها المميزة لها- الطفولة وتميزها كمرحلة بخصائص معينة مختلفة عن الشباب والكهولة والشيخوخة..- فصل الربيع المختلف عن الشتاء أو الخريف مثلا..بخصائص الخضرة وتفتح البراعم واعتدال المناخ..الخ.
لكن المنطق يسمي كل واحدة من هذه الكلمات “مفهوم” .
وفي هذه الحالة فإن “المفهوم” يعني “المعنى”…سواء أكان في كلمة واحدة”عقل” مثلا،أو كان في أكثر من كلمة، “العقل النبيه في الإنسان” مثلا..
العقل مفهوم في كلمة واحدة
العقل النبيه في الإنسان أيضا مفهوم بالرغم من تعدد الكلمات هنا..لماذا؟
لأن الحالتين تعبران عن معنى واحد..فالمفهوم ينصب على المعنى لا على عدد الكلمات.. فقد يكون المفهوم كلمة واحدة أو كلمتين أو ثلاث كلمات أو أكثر..
فإذا كان هذا التفصيل واضحا ،ننتقل إلى المرحلة اللاحقة وهي ما يسمى “الحكم” أو “القضية” فهو الربط بين معنيين-أو مفهومين- كأن نقول في صيغة الجملة الاسمية –لأنها الأوضح..
• الكتاب مفتوح.. هنا المفهوم والكلمة متطابقان (تطابق بين اللغة والمنطق)
• رائحة الورد طيبة هنا ليسا متطابقين..ف”رائحة الورد” كلمتان ولكنه مفهوم واحد،لأنه يدل على معنى واحد هو “الرائحة”والورد مجرد صفة ملحقة للتوضيح لا فاعلية لها ..لكن “طيبة” كلمة ومفهوم بآن واحد-أي متطابقان أيضا..المنطق واللغة فيها. وهكذا..
ولكن الذي يميّز الحكم”القضية” هو أننا نحكم على الكتاب بأنه مفتوح، أو نخبر عنه بذلك. ونحكم على الرائحة بأنها طيبة أو نخبر عنها..
وتأتي المرحلة الثالثة وهي الربط بين الأحكام-القضايا- ويفضل استعمال كلمة القضايا لأنها أدق دلالة..ولا داعي للشرح هنا .. ولكن ما يجب التنبيه إليه هو أن “القضية” تحتمل الصواب والخطأ..أو في تعبير المنطق:الصدق والكذب..
ولذا كان يتطلب وجود معايير تحسم ذلك..فاختلافنا حول كمية الأرز مثلا هل هو كيلو غرام أو أكثر أو اقل..يحسمه الميزان ببساطة..لذا ألغز البعض الميزان في شعره:
وقاض قد قضى في الأرض عدلا= له كف وليس له بنان
ترى الناس قد قبلوا قضاه= وليس لديه نطق ولا بيان
ولكن إذا حاولنا فهم الحقيقة فإن الميزان قد ثبت تجريبيا بأنه صحيح.. فهو معيار متفق على صحته وصلاحيته للحكم على مقدار المادة وكميته كالرز أو السكر أو غير ذلك والأمر نفسه في المكاييل والقياس..عموما..
ونعود إلى المرحلة الثالثة من المنطق وهو الربط بين القضايا كما قلنا في نسق يسمى في المنطق الأرسطي بالمحاكمة –القياس- كان نقول:
كل حكيم عادل
سقراط حكيم
سقراط عادل
أو:
كل المعادن تتمدد بالحرارة
الحديد معدن
الحديد يتمدد بالحرارة
نلاحظ هنا أن القياس مؤلف من ثلاث قضايا تشتمل ستة مفاهيم تختزل في ثلاثة مفاهيم..لأن كل مفهوم مكرر مرتين..
وبذلك نوجد طريقة تعتمد الاستنتاج-أو الاستنباط..للتأكد من صحة ما نحكم به ..
فليست الغاية من هذا العرض كله هو أن نبحث في المنطق..بل الغاية هي أن نفهم أن لكل ما نقوله معايير ترجح صحته أو خطأه “صدقه أو كذبه” ومعرفة هذه المعايير نظريا ضرورة، والأكثر ضرورة هو حسن تطبيق المعايير..
ولو لم يكن ذلك فيصبح كل كلام مطروح يعتبر صحيحا –وهذا ما يعتقده الكثيرون ممن يكتبون دون مراعاة لقواعد المنطق.. يقول المثل الكردي: “اللسان طوع صاحبه” وفي مثل آخر :”لا توجد تضاريس-أو معيقات- أمام اللسان ليتحدث بما يشاء.فكان المقصود هنا هو ضرورة إيجاد ما يميز بين الصحيح والخطأ –الصدق والكذب- فيما يصدر عن اللسان-وعن القلم وما شابه من أشكال أو أدوات التعبير المختلفة…
نخلص من هذا كله الى أن الكلام قد يكون صحيحا وقد يكوم خاطئا وهذا يستدعي معرفة معايير تفرق الصحيح من الباطل –الخاطئ-..وعندما يتحدث الإنسان-أو يكتب- عليه أن يراعي هذا الأمر..حتى يكون لما يتحدث به-أو يكتب عنه- قيمة مقبولة من العقول.

…………………………ز

ملاحظة:

هذه المادة وغيرها ، المنقولة الى الموقع تحتاج اعادة نظر -للعلم.

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *