التفكير والعمل (النظري والتطبيقي)

التفكير والعمل

(النظري والتطبيقي)

ابن الجزيرة

لا يمكن للمرء أن يفعل كما تفعل النعامة، فتطمر رأسها في الرمل لكي لا ترى الصياد ..ظنا منها بان الصياد أيضا لا يراها.

هكذا تقول الحكاية..(ولسنا مهتمون بصحتها، أو عدم صحتها) .. ولكننا مهتمون بالمغزى الذي ترمي إليه الحكاية..!

فكما هو معلوم، قيمة كل عمل يقوم به المرء تتجلى في النتائج التي يحققها في الواقع-سلبا أو إيجابا-ولئن حاول صاحب العمل-أي عمل-التغطية عليه(كتمانه) لأمد ما-في الحال السلبية-فإن النتيجة لا بد أن تظهر يوما ما بشكل ما(يظهر السر..!).

المراهنة على أن الفعل الخاطئ سيبقى سرا لا يطلع عليه الناس-وهذه واحدة من مراهنات بعضهم -هي مراهنة خاطئة، خاصة إن جماهير اليوم ليست جماهير الأمس من حيث الوعي والنباهة، وأدوات اليوم ليست أدوات الأمس من حيث معرفة الأسرار ونقلها.

فإذا قاربنا بين هذه الفكرة النظرية وبين حال عملية في ميدان ما وليكن العمل السياسي – باعتباره الأخطر أثرا ومباشرة في حياة المجتمعات-تنفرد أمامنا صفحات لم تعد غامضة المضمون، فيصعب على الجماهير قراءته، ولا ممكنة الإخفاء لئلا يطلع الشعب عليها. ونعني بالسياسة في مستوى الوطن أو في مستوى الحالة الكردية أو في مستويات أخرى تعلو أو تنحدر…!!

بمعنى إن الحياة السياسية(العمل الحزبي خاصة) لم تعد تخفى على الناس بفضل الإعلام المتنوع والغزير – خارجيا على الأقل- بل وداخليا أيضا بفضل الانترنيت والفضائيات والهواتف النقالة(الموبايل) ، وبفضل روح التنافس بين الأطراف الحزبية(السياسية) ذاتها، فإنها  تنشر كل ما تعرفه عن الآخرين إيجابا أو سلبا، وبفضل السيكولوجية التي تربى عليها المتعاملون بالسياسة ..فهم إما ينشرون المعلومات للتشهير بأصحابها، أو كـ (بالون اختبار) كما يسمونه في عالم الصحافة، أو لعمل دعائي – في الاتجاه السلبي أو الاتجاه الإيجابي- أو حتى للتخفيف عن ضغط الأخبار والمعلومات على النفس لدى البعض. إضافة إلى عمليات بيع وشراء المعلومات!

يعني هذا القول أن لا شيء يبقى سرا لمدة طويلة، وإذا حصل أن حافظت الجهة صاحبة السر عليه فلن تعدم أفرادا يبيعونها لقاء مصلحة، مادية. أو طمعا في مركز. أو غير ذلك. وبأسلوب لا تستطيع الجهات الأمنية أن تكشفها، كما حصل لذلك الوزير اليوغوسلافي في عهد المارشال جوزف بروز تيتو الشيوعي (الماركسي) والذي ورث الملك عنه (الرئيس الصربي المنتحر في سجن المحكمة الدولية في لاهاي سلوبودان ميلوزوفيتش) فكان وبالا عليه وعلى شعبه، بل وعلى بعض شعوب المنطقة أيضا.

فقد لفت الروس (الاتحاد السوفييتي سابقا) انتباه المارشال تيتو إلى أن وزير الصناعة والتجارة الخارجية لديه؛ عميل أمريكي، فوضعه تحت مراقبة شديدة ولكنه لم يضبطه في أي موقف ملتبس، وعندما ألح الروس عليه، لم يجد سوى استدعاء وزيره قائلا له-وكان من رفاقه في النضال-:

أنا أعلم أنك عميل لأمريكا فصدقني الخبر ولك الأمان. فقال: انا لست من يبيع نفسه رخيصا فيبيع المعلومات، وقد يكتشف ويتعرض لمواقف محرجة. لكني فقط موكل بـ:

(وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب.).

فسأله تيتو، وما هو المقابل…؟ فقال الوزير: راتب محترم يودع في بنك معروف، وبناية فخمة في مدينة لوس أنجلوس…!

فقال له تيتو: فاذهب إلى قصرك الفخم ورواتبك المحترمة…!

الأجهزة الأمنية-على الرغم من قسوة سلوكها تجاه المواطنين- منشغلة بظروف فقرها وصعوبة معيشتها وتسعى لما يحسن الأحوال أكثر من انشغالها بعمل امني  – غالبا ما- لا يبنى على مصلحة الوطن والمواطنين ، ورجل الأمن في النهاية مواطن، اللهم سوى حفنة من المنتفعين أو من الذين فقدوا قدرتهم على التفكير المتزن لسبب ما.

هذه حال السياسة في المجتمعات المتخلفة. إذ لا تزال تبنى على فكرة أن السياسيين متميزون عن الغير ويجب على الجماهير أن تتذلل لها، وتحكم بتميزها القيادي كما كانت الملوك في الزمان الغابرة تفعل، وقد غير الأوربيون هذه الفكرة عن أسلوب إدارة الحكم منذ الثورة الفرنسية. (يقول مؤلف كتاب عباقرة خالدون بان الثورة الأمريكية سبقت الفرنسية في ذلك) فاعتبروا الشعب مصدر السلطات عبر انتخابات أوجدوا لها آليات تقترب من الحيادية فسادت في حياة سياسية؛ الأسلوب الديمقراطي في العمل – على ما للديمقراطية من عيوب ينبغي البحث عن مخارج لها-مما حفز هؤلاء السياسيين إلى أداء متميز يكتسبون عبره ثقة الناخبين.

أما الأسلوب السياسي في المجتمعات الشرقية فهو الانقلاب والثورة والوراثة والتمسك بالكرسي ومهما كانت النتائج وبالا على الشعب ومستقبل أجياله…!

أي استعمال العنف – وتحت أي مسمى كان-للحفاظ على السلطة.

أما فيما يتعلق بتغيير أسلوب الحكم فحالهم أشبه بما في النكتة التالية من مغزى:

ذهب أحدهم إلى حديقة الحيوانات فوجد الحيوانات جميعا تضحك إلا الحمار، وعندما ذهب في اليوم الثاني إذ بالحمار وحده يضحك والحيوانات جميعا سكوت…! فسأل عن السر؟ فقيل له:

بالأمس أطلقت نكتة فهمتها الحيوانات جميعا فضحكت إلا الحمار. واليوم فهم الحمار النكتة فهو يضحك من حيث انتهت الحيوانات من الضحك منها…!

سياسيوا المجتمعات الشرقية والمتخلفة عموما(ومنها العربية ومنها الكردية) لم يفهموا – بعد- معنى مفاهيم الثورة الفرنسية على الرغم من مرور ثلاثة قرون عليها وربما لن يفهموه بعد ثلاثة قرون أخرى- وليس فقط قرنا واحدا كما ينسب إلى هتلر انه حدده- ومن جهة أخرى أضاعوا معاني مفاهيم الإسلام  في الحكم (باعتباره يمثل دين الدنيا والآخرة) والصالح لكل زمان ومكان فلا صلُح – على يد هؤلاء السياسيين – للدنيا، ولا تركوا وسيلة لصلاحيته للآخرة بتدخلهم الفظ في توجيه وتفسير العلماء وقتلهم لكل من خالفهم منهم- وفي أحسن الأحوال تهميشهم والتضييق عليهم حتى في الرزق.!

فأين موقع هذا النمط من السياسيين في خارطة الحياة السياسية العالمية…؟

لست أدري…! ولا أظن أنني سأدري في التاريخ المنظور…!

ولكن يبقى النداء للجماهير الواعية:

أيتها الجماهير أين انت من هذا الواقع السياسي (الحزبي) وخاصة الجماهير الكردية بالنسبة إلى ممارسات لم تعد تحترم عقلها  ولا إرادتها ..

ولا يبدو أنها ستنفع في صياغة مستقبلكها ومصيرها.!

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *