رحلة الى حلب لزيارة بيمان ومعاينة طبية

رحلة الى حلب لزيارة بيمان ومعاينة طبية

شدني الشوق الى بيمان الى استغلال الحال للسفر الى حلب وهناك اجري كشفا طبيا لحالة اعاني منها وتقرر السفر بشكل سريع بتشجيع من زوجي (هيفي) فكان الاتصال ب(بيمان) عصر يوم الأحد 12/ 6/ 2011 والحجز في رحلة (جوان) في التاسعة والنصف من يوم الاثنين 13/6/ 2011 وكان رقم المقعد 14 عادي فلا رحلة لرجال الأعمال الى (حلب). في الثانية عشرة انطلقنا من (قامشلي) وفي الواحدة كنا في (تل تمر) في الثالثة انطلقنا من استراحة الباص الوحيدة خلال الرحلة كانت استراحة واسعة مزينة ذات حديقة مطرزة بتماثيل مختلفة ومجهزة بوسائل السياحة الجميلة لكن الغريب ان الطعام لم يكن متناسبا مع حالة الاستراحة الظاهرية فاضطرت لطلب سندويتش (جبنة فرنجية) قطعتا جبن دهن بهما خبزة حلبية لقاء (30) ثلاثين ليرة سورية. مررنا فوق نهر الفرات ومائه المخزون خلف سد الفرات فاتسع امتداده ليشكل بحيرة واسعة اوحت ببعض معاني ومنظر البحر وروعته.

منذ تلك المنطقة بدأت المناظر الخضراء تتوالى دون انقطاع تقريبا على جانبي الطريق أشجار ذات أوراق ابرية صنوبر غالبا تشكل ربما مصدات رياح ومنظرا تحمي مساحات من أشحار مثمرة لفت انتباهي منها شجر الرمان والزيتون وغيرهما كانت بعض الفيلات تظهر وسط هذه الأشجار التي اغلبها لا يزال حديثا في زراعتها ربما لا تزي اعمارها عن أربع او خمس سنوات.

كنت أتساءل طوال لطريق ما بين نهر الفرات وحلب لماذا هذه المساحات المزروعة تبدو جديدة؟ والأشجار لا تزال صغيرة والخدمات تبدو ناقصة؟

أليست هذه حلب سيف الدولة والمدينة العريقة في القدم؟

وزاد التساؤل حزنا والما عندما دخلت ورأيت مدخل المدينة وكأنه مدخل مدينة مهملة او جديدة لم تمتد يد الخدمات اليها؟

حفريات طرق مستهلكة، بقايا مختلفة (احجار –سيارات معطلة او مكسرة او خردة مختلفة…كلها تشكل منظرا يجعل العالم بتاريخ حلب وقدمها يذرف الدموع وتمزق صدره الحسرات والأنات.

ولا يعني هذا انني لم أنتبه للمسات جميلة هنا وهناك.

تساءلت يقوه: لماذا مدن وقرى وبلدات في البلدان المتقدمة تتطور وتزيده تراكمات الزمن خدمات وملامح عريقة فيعانق التاريخ المعاصرة او تعانق المعاصرة التاريخ…فنلاحظ هالة التاريخ في ملامح تمتد الى قرون طويلة وروح المعاصرة في انشاءات متكاثرة. المدينة في الغرب تمثل حضارة مخدومة بروح التاريخ والاستمرارية اما هنا للأسف-الرغبات والشهوات والشعور المنحرف بالقوة لا تعيش الا للحاضر السيكولوجي الرغبى فحسب!

طبعا فهمتها. وجاءني الجواب –او الأجوبة – دون تردد –نحن مجتمع يكثر القول فيه ويقل الفعل –نقول ولا نؤمن بما نقول –مجتمع يغلب اللغو فيه على اللغة بتعبير هادي العلوي الذي جعل هذا القول عنوانا لأحد كتبه (اللغو واللغة). هنا ثقافة يكثر القول فيها ويقل العمل.

مجتمع يميل الى اللغة الانشائية تحت عنوان الابداع بدون ابداع بحسب دلالة مفهوم الابداع الاصطلاحية. مجتمع لا يستدعي العقل إلا قليلا فالتعامل مع العقل (ادبه) يستدعي التأمل والتسلسل في الأفكار والانضباط بالمعايير …وهذا –كما يبدو-لا يناسب ذهنية اعتادت ان تتحدث وتسمي الحديث ابداعا كيفما كان، ابداعا شعريا او نثريا او ادبا…الخ.

كان بيمان في انتظاري ومعه زميل قال ان اسمه إسماعيل من عاموده. وقد سجلنا معا وها نحن نحاول ان نتخرج معا. دعوت لهما بالتوفيق.

ركبنا سيارة اجرة الى منطقة سيف الدولة قريبا من كلية العلوم السابقة والتي أصبحت الان مركز البحوث. وكذلك ثانوية المتنبي. صعدت الدرج وكانت ذات تصميم اجد منه للمرة الاولى. وصلت الطابق الخامس حيث سكنهم. شعرت بتعب في رجلي –لا مفاصلي-وشعرت بلهاث في صدري ربما لول مرة في حياتي بهذا التجلي. عزوت المر الى العمر وقلة الحركة لا المرض.

كان بيمان قد أخذ موعدا من طبيب اسمه (رضوان حوكان) بتوصية من أحد أصدقائه في العمل وعندما ذهبنا الى الموعد فوجئنا بخطأ الاختصاص (العظمية) بدلا من الهضمية) فاتصل مع الصديق واعلمه بالخطأ الحاصل وتم البحث عن طبيب خاص هضمية فكان اختيار (د. محمد فهد طرابيشي) وقد كتب على بطاقته التالي: استشاري بأمراض الكبد والجهاز الهضمي والتنظير D.I.S من جامعة CAIN   فرنسا. وكان رقمي في الكمبيوتر 6833. أجرة المعاينة 1000 ليرة سورية. خلال كشفية لمدة عشر دقائق. بعد الاستشارة والايكو قال:

أعضاء الكلية والزراف والبنكرياس جيدة ويحتمل ان تكون الشكوى لها صلة بالقلب ويفضل استشارة أخصائي بالقلب ورشح أسماء (د. بشر قدري الجزماتي) و(د. ماهر الأيوبي). وقع الاختيار على الأول والذي كان موقع عيادته امام مسرح نقابة الفنانين ونظام دوامه كالتالي:

صباحا في التاسعة ومساء في الخامسة   وأرقام هواتفه :2255461-2257376

متخرج من مشافي جامعة هارفارد-الولايات المتحدة الأمريكية. بورد امريكي في أمراض القلب والأوعية –بورد امريكي في المراض الداخلية-بورد امريكي في الطب النووي.

أخصائي بأمراض القلب والأوعية الدموية والقثطرة القلبية وزرع البطاريات.

أجرة المعاينة 1600لس ألف وخمسمئة ليرة سورية-ثم اختبار الجهد (3000) ثلاثة آلاف ليرة سورية-اقترح قثطرة قلبية للتأكد من حالة الشرايين والأوردة. طلب التحاليل التالية إضافة الى صورة شعاعية.

بولة –كرياتينين-كولسترول-iDi-بوتاسيوم-Btiiwa –pee

وكتب الوصفة التالية:

Covercyl 4 mg                     نصف حبة يوميا قبل الطعام

Norvasc 5 mg                                         حبة صباحا- حبة مساء

Monon mar   20 mg                               حبة صباحا

ولمعالجة الصداع خلال الأسبوع الأول من تناول الدواء يمكن تناول Doprane ثلاث حبات يوميا. وحبة عند اللزوم من: N: koghce

وأما تقرير الصورة الشعاعية فكان كالتالي: من الدكتور (وضاح جبولية) -في الجميلية فوق موالح الطحان هاتف: 2260361-بتاريخ :14/6/2011.

-حجم القلب و… ضمن الطبيعي شعاعيا

– كثيرات احتقانيه شديدة في السرتي الرئوي مع سماكة جدران القصبات المجاورة للحدود القلبية تبدو غالبا عن التهاب قصبات

-تبارز في قوس الأيمن

-لا يشاهد آفة رئوية نشطة في الساحتين الرئوي

– لا يشاهد انصباب جنب في الطرف

……………….

ونتائج التحليل تبدو طبيعية

غدا الأربعاء 15/6/2011 سيتم عرض نتائج التحليل والصورة الشعاعية على الطبيب بشر. وبعدها سيكون التعبير الأخير عن الخلاصة وغالبا اقتراح القثطرة سيظل في مكانه.

  • أحس ببعض تعب عند الجهد لكن حياتي لم تتغير لجهة المعايشة الطبيعية في الحركة والطعام والنوم…الخ.
  • عرض بيمان اليوم-الأربعاء-نتائج التحليل والصورة الشعاعية للصدر على الطبيب بشر جزماتي فاستحسن ما فيها ونصح بتخفيض الكوليسترول كما أضاف دواء جديدا هو:

Atrovan 20mg      حبة مساء يوميا قبل النوم-مع الإبقاء على الدوية السابقة جميعها.

وكتب اسم دواء قال: تأخذه بديلا عن حبوب السكري (غليسيفاج 500) إذا قررت اجراء القثطرة علما باني قطعت حبوب السكري منذ أمس احتياطا.

اتصلت بالدكتور صاروخان فقال: لا أعرف هذا الطبيب ولكني اعرف طبيبا آخر اسمه بسام الحلبي ومدرس في الجامعة وبدا انه يميل الى الطبيب الخير. كما ان السيدة هناء أشارت الى طبيبة اسمها وداد في مشفى ابن رشد قالت إنها اجرت القثطرة لخيها وزوج اختها وهي ذات خصائص أخلاقية عالية. وقد اتصلت ب(كومان) أستشيره او آمل استشارة بعض من يعرفهم عن هذا الشأن. ولا نزال ننتظر.

كنت أخبرت كومان عن وضعي وهل يمكن ان تتوفر فرصة أفضل في دمشق خاصة لما بعد القثطرة من احتمالات –البالون-الشبكة… فجاءني الرد هذا اليوم بان الطبيب الذي يعرفه قال: ينبغي حيازة شهادة “فقر الحال”. تذكرت ما كان قبل عقود من طلبات تقدم من بعضهم الى الجهات الرسمية ويجري فيها تحقيق من الشرطة وربما في الظروف الحالية يتم التحقيق من جهات أخرى أيضا باختصار يمر المواطن بظروف مهينة ويختم على اسمه “فقير الحال” حتى يتاح له الدخول الى مشاف حكومية وربما تحت ايدي كوادر غير مهنية وكافية التأهيل لذا قررت ان اعرض عن ذلك حتى ان اضطرني المر لبيع ممتلكاتي المتواضعة. ارجو الله ان لا يحيجني الى مثل هذه الظروف لكن يجب أن أحسب لذلك حسابه لذا طلبت من محمد امين حسين ان يبيع حصتي من العدس. لعل ثمنه سيساعدني على مواجهة الاحتمالات. من الجدير بالذكر ان السيدة ام محمد عرضت المساعدة بالمطلوب وعبرت عن انزعاجها لأنني رفضت مساعدتها فقلت لها: عندما احتاج فانت اول من أفكر في عونها. كما اتصل ابن عمي محمد شريف قائلا: ان ادريس له معرفة ببعض الأطباء قد يستطيعون المساعدة فقلت ليخبرني ما هي المساعدة الممكنة ولا زلت أنتظر.

الخميس 16/6/20011

يميل بيمان الى الاستعجال في القثطرة كأني به يشعر بالثقة بالدكتور بشر. هذا الصباح فقدت بعض ترددي أصبحت اشعر بشيء من القبول بفكرة اجراء القثطرة وترك ما بعدها إذا لزم الأمر الى وقت آخر. ويبدو اننا سنبلغ الدكتور بالأمر واجراء القثطرة يوم السبت 18/6/2011 لأنه انسب لظروف دراسة بيمان كما ان الطبيب سيسافر في يوم 20 من الشهر الجاري. وقد يغيب شهرا كما أخبر. وعلى الله الاعتماد. اتصل بيمان بـ (محمود) فتغيرت المعادلة اذ ارتأى محمود اجراءها وما قد يستلزم بعدها أيضا في جلسة واحدة في دمشق باعتبار ان الخبرة فيها أفضل.

وافق هذا الرأي هواي وقررت الخروج في اليوم نفسه الى البيت بحسب الرحلة المتوفرة للوصول صباحا بإذن الله. ولتتاح لي فرصة اللقاء برامان والتجول في المدينة فقد شغلتني الأيام السابقة عن مثل ذلك. ولا حول ولا قوة الا بالله.

امام البريد في الجميلية انتظرت رامان قليلا قبل ان تصل لنذهب معا الى الحديقة العامة القريبة وقبل وصولها جلس أحدهم بجانبي وبدا عليه انه دهان من خلال ملاحظة البقع التي تتزاحم على ملابسه وكان أمس أحدهم في هذا المكان قد قال انه دهان وان الذين يجلسون على هذه المقاعد اغلبهم دهانون ينتظرون من يحتاج عملهم كان شابا ذا لحية سوداء متوسطة الطول تحدث بما لم افهمه من ادعاء الذكاء والقدرات الخارقة في الاختراعات وعندما سألته لماذا لا يفتح مكتبا يمارس فيه ملكاته وكنت مستهزئا في ملامح جادة أجاب بان والده (الحاج) لم يسمح له بذلك فالبيت صغير  وجرت دردشة من هذا النوع لفترة الى ان جاء موعد مع احدهم فتركت المكان لنقضي معا بعض وقت ونتغدى في ( سلاف) الشقف كباب-حمص متبل-كولا تفاح عدد2 سلطة عدد2 لقاء مبلغ 580 خمسمئة وثمانون ليرة سورية (وجبات صغيرة طبعا) نسينا (خاصة اللحم )لكنها مشبعة عموما.

تذكرت ذلك الشخص وتذكرت حالة الحذر التي تغلب في المدينة فكل شخص يبدو مريبا ويحتمل ان يكون ذا خلفية خاصة. هكذا كان الانطباع العام. لم استرسل معه كثيرا في الحديث وقد ٍال كلاهما (رجل أمس واليوم) ماذا تعمل؟ وعندما أخبر باني مدرس متقاعد يأتيني السؤال في أي اختصاص؟ وعندما أخبر بانه الفلسفة أربكني الرجل بأسئلة غير منضبطة فيما أبدى رجل اليوم اعجابه وأثنى على عملي لأنني بذلت جهدا في التعليم لكن بعض كلمات في سياق مدح بخلفية سياسية –او امنية-جعلني احذر من لاسترسال معه ومن حسن حظي ان مجيء رامان هيأ لي الفرصة لمغادرة المكان والذهاب الى الحديقة العامة.

كانت الحديقة واسعة شاسعة، يبدو انها تأسست وفق ترتيب يخدم الزوار لجهة مماشيها وتشكيلات الأشجار المزروعة فيها منذ القديم فطول الأشجار وملامحها تدل على عمرها الطويل. ونسقت المقاعد الخشبية على حوامل حديدية مطرزة على أطراف الممرات بحيث يكون الاتجاه نحو  وهذا ما لم يعجبني ففي رأيي كان المفترض أن تدخل المقاعد الى الحديقة بعيدا عن الممرات بعمق مترين او ثلاثة ليكون الجلوس  ضزن الحديقة والمسافات …بين الجالسين بحرية الحديث والدردشة وعدم القرب  المحرج للمحافظين والمحافظات وعدم اتاحة الفرصة لتطاول الاشقياء (المتحرشين) المحتمل من المراهقين او المنفلتين…

من حسن الحظ انني التقيت بعض المقاعد في اتجاه الحديقة لكنها كانت على الممرات أيضا. التقيت ما أشعرني بان أساس بناء الحديقة كان تخطيطا سليما لجهة تنظيم الممرات وزراعة الأشجار والعناية بها ووجود مناطق خاصة بالمشاتل وأخرى بطيور الحمام والدجاج والإوز والبط …الخ. ووجود النوافير والبرك المائية…الخ.

لكن ما يؤسف له ضعف أداء الخدمات فالمياه تبدو ذات لون راكد أخضر فيها اوساخ والممرات كانت القمامة ظاهرة ويبدو انها ناتج تراكم قديم. وما زاد من شعوري بنوع من التقزز والاستياء شعارات هنا وهناك على لوحات مثل “النظافة عنوان الحضارة”.

ولم تكن اللوحات ذاتها نظيفة –وهي مسؤولية المسؤولين عن الحديقة خدمة واشرافا … سواء لكونها قديمة باهتة او تراكم الأوساخ عليها. شعرت بان ثقافة الشعارات أصيلة في بنية ثقافية ذات طبيعة أيديولوجية وعروبية. وعندما سألتني ابنتي: لماذا هذا الإهمال؟ أجبتها: بنيتي لأن الكوادر إما غير كفوئين واختيارهم على أسس لا صلة لها  بالعمل في الحدائق  فضلا عن احتمال كونهم من ذوي المسنودين سلطويا –أيا كان الاعتبار – هذا هو الفرق بين الثقافة الغربية (القانونية) والثقافة العربية المزاجية والمتخلفة …!

…………………………..

رحلة الى حلب

حرك الشوق إلى بيمان الرغبة في نفسي ،للذهاب إلى حلب.

ولمراجعة بعض الأطباء بشأن عارض صحي بدات أشعر به منذ حوالي نصف الشهر او اكثر.فالشعور بنوع من التعب  يراقفني عندما امشي بوتيرة سريعة نوعا ما …وقد شعرت بذروزته في احد اسفاري من البيت الى الكاراج بقصد زيارة ابن عمتي “عيسى” القادم من ألمانيا بعد سنوات عجاف من محاولة التوطين هناك.

عند دار ابي دارا شعرت بتعب كاد يدفعني نحو التقيؤ. فتوقفت ريثما هدا التعب قبل ان أستكمل مشواري.

في الطريق حدثت إبراهيم عن حالتي فاوحى لي بانها ربما “الفؤاد” في لغة الطب او بوابة المعدة..وهذه تحتاج إما لمعالجة دوائية وربما تحتاج إجراء عملية جراحية في حال معينة..مع ذكر العملية المقلقة فقد شعرت بالراحة أكثر لأن الاحتمال لم يشر الى القلب.

يوم الأحد 11/9/2011

في رحلة بدأت الساعة الثامنة صباحا

بدأت  السفر نحو دمشق لمراجعة مشفى الباسل، الجراحي للقلب.

كنت قد خضعت لعملية  جراحية،”مجازات” تم فيها تبديل ثلاثة شرايين على يد الطبيب الجراح نجدت ناصف، بإيحاء من الطبيب ياسر بني مرجه” الذي أجرى استقصاء عن طريق القثطرة وكانت النتيجة : الحاجة الى مداخلة جراحية.

في ال”قامشلي” لاحظت ما جعلني أستاء من أسلوب عمل موظفي شركة النقل جوان. فقد التقيت ابن عمي محمد شريف مع ابنته ينتظر البولمان “هفال” في الحادية عشرة، وعندما علم أنني متوجه الى دمشق في بولمان جوان قال:  كنت قد قطعت في بولمان جوان لكن خطا الموظفين في القطع اضطرني الى إلغاء السفر في جوان والانتقال الى هفال وقد لاحظت أن الخطأ نفسه تكرر مع مسافرين آخرين مما اضطر احد الركاب على الجلوس بجانب المرافق طيلة الرحلة.

اتصلت مع سليمان وأخبرته بما حصل متمنيا عليهم أن لا يكرروا هذا السلوك المؤذي للمسافرين خاصة أولئك الذين يتجهون نحو أماكن بعيدة كدمشق وحلب…

محمود مرافق الباص تقدم إلي قائلا انه في الخدمة متى شئت،وعلمت أن بعضهم-خمنته سليمان- قد أوصاه فقد قال أوصاني أكثر من واحد دون أن يذكر أحدا. وفعلا كان الرجل يمر علي بين الفترة والأخرى مستفسرا إذا كنت احتاج شيئا.

في الحسكة ركبت الدكتورة ملك آله رشي..وابنها تبادلنا التحية والسؤال عن الأحوال….علمت أنها تملك دارا في قدسيا  يسكن فيها أولادها.

وقفنا في استراحتين”دير الزور” واستراحة قريبة من تدمر…لم أتناول شيئا –كما هي عادتي في السفر- فقط اشتريت علكة جكلس، ذي العلبة الصفراء من صنع لبنان،وجدته ذا مرونة وملاسة مقبولة وكان هذا اللون من العلكة مشهورا في أيام دراستي في الإعدادية في القامشلي،ولكن أنواعا كثيرة أخرى أصبحت تنافسها نكهة ومرونة وملاسة وربما تغلبها…ومنها المطعم بالنعناع أو غيره.

في دير الزور أثناء الاستراحة التقيت عبد الغني بن ملا احمد أميني رحمه الله. قال إنه وزوجته  في الطريق الى دمشق لمعالجة قدم ابنيهما المعوج.

وفي مدخل دير الزور لاحظت دبابة الى جانب حاجز الجيش وواحدة أخرى قبل الدخول الى المدينة، والحواجز كثيرة إجمالا، خاصة كلما اقتربنا من دمشق مع ملاحظة تبديل الباص لطريقه في دروب ملتوية قبل الوصول الى الكاراج النهائي.

كان بيمان وبدر بانتظاري وركبنا الميكرو الى موقف الكيكية ثم جودي بالهونداي .

في الواقع لم أشعر بالتعب..كانت الرحلة مريحة لي في العموم ..انطباع خلصت إليه “إن السفر في الصيف نهارا ام ليلا يحرم المسافر من متعة السفر ومشاهدة الطريق” ومن الخير ربما السفر في أوقات تكون النوافذ فيها بلا ستائر مسدولة.

في التاسعة صباحا من يوم الاثنين 12 -9- 2011خرجنا من دار الأخت نعيمة وهي تلوح لنا وتدعو لنا ونزلنا مشيا الى الشارع الرئيسي كان الانتظار مزعجا فلا سيارات تاكسي مما اضطرنا الى ركوب ميكرو الى مسافة معينة ثم تاكسي الى مشفى القلب.

الضغط 13/9 كنت قد تناولت نصف حبة كوفرسيل صباحا، واجري تخطيط للقلب، ثم كشف طبي مباشر، وإحالة الى التصوير بالإيكودوبلر الملون، وعودة الى تحقق الطبيب بالكشف “د.أيمن حموي” من نتائج الإيكو وقد نطق بما يلي:

” وضعك جيد، العملية ناجحة جدا، تناول أنواع الحبوب التي كنت تأخذها سابقا ولا تغيّر منها شيئا، والمشي من ساعة الى ساعتين في اليوم في مشوار واحد  أو أكثر لا يهم،يمكنك زيارتنا بعد ثلاثة أشهر…”.

وعندما سألته عن ورم القدم قال: طبيعي خلال ستة أشهر وشرح السب، ثم أردف لا تهتم لذلك.

عدنا الى دار الأخت لا زلت مقيما فيها حتى اللحظة وقد بلغت الساعة نحو  الثانية عشرة وأربعين دقيقة. من يوم الثلاثاء الموافق ل 13-9-2011.

ذهب بيمان لاستكمال تقديم أوراق للتقدم لمسابقة الماجستير  في الدراسات العليا.تحممت وحلقت ذقني استعدادا للخروج الى التفرج على معالم المدينة واستعادة ملامحها في ذاكرتي والشعور بالدخول الى الحياة من جديد بعد إجراء العملية التي كانت مبعث قلق في شكل ما.

السبت 17-9-2011

قضيت يوم  الثلاثاء كله في المنزل، وفي يوم الأربعاء خرجت قبيل الظهر وتبعني احمد فنزلنا بالقرب من دوار عرنوس- ومنها مشينا الى الحميدية وصلينا الظهر في الجامع الأموي ثم انتقلنا الى شارع الثورة حيث ركبنا الميكرو الى الشيخ خالد مشينا بعض الطريق  والتقينا الحاج رمضان عند بسطته فترة قبل الذهاب الى دار عدنان شيخو..حيث تناولنا الغداء…ثم مرنا في طريق العودة بالحاج رمضان مرة أخرى ..لكن شكوى احمد من وجع فير رأسه اضطرنا للاستعجال لعيادة الطبيب الذي أخطانا عنوانه  وقد اضطرني ألم الظهر –العصعص- الى ركوب الفوكس وتوقفنا في محطة الكيكية فالتقينا بنور الدين وزوجه وابنته روان..فركبنا الهونداي وبقي احمد حيث راجع الطبيب..

في يوم الخميس قبيل الظهر، ذهبت ومعي عائشة لزيارة جيان وقد نقدتها ثلاثة آلاف ليرة لم يكن معي لأعطيها أكثر وهي في موقع الحاجة بسبب اعتقال زوجها منذ شهور دون معرفة الأسباب ولا المكان ولا الظروف التي يعيشها…

وتناولنا الغداء في بيت نزار،  وفي طريق العودة مررنا بدار محي الدين لزيارة روشن…وعدنا أخيرا الى الدار.

لم أغادر طيلة يوم الجمعة وفي السبت كنت على وشك الخروج لكن مجيء حسن خوارزي اضطرني للتأجيل. وعندما غادر هتف لي رسول حسين بأنه في الطريق إلي برفقة ابن أخيه إبراهيم الحاج رمضان.

الأحد 18-9-2011

قررت الخروج وحيدا لزيارة بعض المناطق التي لم أزرها منذ زمن، فكانت المحطة الأولى جسر الرئيس،حاولت التعرف فيه على المواقع التي تتجه إليها الفوكسات ووقفت عند كتب معروضة-كما كنت أفعل دائما في المراحل السابقة في حياتي خاصة مرحلة الدراسة الثلاثة الإعدادية والثانوية والجامعية…وقسم من كتب مكتبتي هو من مشتريات هذه الأماكن ..ز فقد كانت أرخص وأحيانا أندر…

ثم توجهت الى المتحف الوطني الذي لم ازره منذ كنت طالبا في الجامعة في السبعينات،قطعت تذكرة ب 15 خمسة عشرة ليرة، تجولت في باحته وبعض قاعاته، دردشت مع البعض قليلا حول ما استجد من المتحف وعلمت ان تجديدا ينتظره.

كانت سمة الزمن على معروضاته تشعرني باتصال الحاضر مع الماضي السحيق، وقد نشط الخيال –والتخيل-  لدي هذا الإنسان –ومختلف الكائنات- سكن الأرض منذ عصور قديمة جدا وسحيقة  وحاول أن يعيش فيها نضالا تحرريا من عوائق الطبيعة ومخاطرها التي تجعل حياته في حيوية ونضال دؤوب ويدخل صراعا مع كل شيء، حيوانات مفترسة، تضاريس تعيق حركته، ظواهر جوية كالبرد شتاء والحر صيفا….للبحث عن تكيف يسهل حياته تضطره ليعيش صراعا دائما وقلقا باستمرار، وجهودا مضنية لا تنقضي..لكن الصراع الأكثر ضراوة ومرارة تل والذي بذل أكثر جهده فيه هو ربما الصراع مع أقرانه،فللقد تفجرت لديه الرغبة في مغريات الحياة في نفسه  منذ حب الرئاسة والقيادة والاستئثار بالأكثر من المشتهيات الدنيوية، وحتى الأنانية التي سكنت كل كيانه،فكان أغلب جهده ونشاطه وذكائه منصبا على الغلبة على أقرانه…وتحدد اتجاهه في الغالب ابتكار مختلف الوسائل والأساليب التي تضمن له ا لغلبة والهيمنة ..فكانت الحروب ومتطلباتها محور صراعاته الأهم،وكانت أدوات القتال المختلفة من أهم أولوياته…لتضمن له الأولوية الأهم وهي الترف والبذخ ومختلف تجليات ذلك.

لاحظت تمثالا الأسد في الساحة وكنت قد تصورت الى جانبه مطلع السبعينات في إحدى زياراتي مع صديق اسمه محمد سعيد حامد.شاهد\ت أن الطابع العام لا يزال كما هو لم يتغير فيه ما يجعله أكثر حداثة إلا قليلا جدا.شاركني احد الزوار من دمشق التقيته هناك هذا الانطباع.ط

حدثني احد العمال قائلا:

بأن الاهتمام بالمتحف ضعيف فالتعامل مع العمال والموظفين ليس عادلا ولا منصفا، وهذا بعض أسباب عدم تطويره، أو العناية به كما يجب، لكن مساع محتملة لإعادة ترتيب وتصنيف المعروضات فيه وأضاف: البناء أصبح قديما يحتاج الى ترميم.

قلت له:

عندما يشعر المرء بكرامته وقيمته ومنها حريته فإن أداءه حتما سيختلف لكن هذا أمل ليس قريبا في ظل ثقافة ركيزتها غلبة الهوى على العقل ،

في كافيتيريا المتحف شعرت براحة ومتعة فقد كانت مغطاة بالخضرة وكراسيها من خيزران إضافة الى كراسي مصنوعة من قطع جذوع الأشجار وكذلك الطاولة في شكل فولكلوري  وهذا ذكرني بما شاهدته في سوق الغرب في لبنان في فندق حجار  وكان أول مرة أرى فيها هذا النموذج.

فنجان القهوة الذي ارتشفته أمتعني دفعت خمسين ليرة –هي ثمنه-

ثم توجهت الى مطعم المصري الذي لاحظته قد تغير في تقديم خدماته التي كانت تقتصر على الفول والحمص فيما مضى…

تناولت شيش طاووق مشوي، صحن حمص- كأس لبن- إضافة الى السير فيس (مخللات)علبة كلينكس صغيرة-قنينة ماء ريم صغيرة- فكان المبلغ مائتان وتسعون ليرة..

مشيت الى الحميدية

تناولت بوظة مع الفواكه في بكداش، فالجامع الأموي حيث صليت الظهر والعصر وقضيت فترة استراحة اتامل ما فيه زوارا ومكانا…ثم خرجت واستقليت تاكسي الى البيت.

الثلاثاء 20-9-2011

في التاسعة والنصف انطلق البولمان”هفال”< رجال أعمال من الكاراج،قيل أن جوان يتأخر الى ما بعد الظهر..وهذا لا يناسبني..لذا ركبت هفال.

لوحت لبيمان وبدر كان مقعدي رقم 6 ورقم تذكرتي 147341

خاطبني المرافق بالعربية ظنته لا يعرف أنني كردي فقلت له: عادة معظم الركاب من الكورد فلتكن المخاطبة بالغة الكوردية إذا، واكتشفت فيما بعد أنه عربي…في محاذاتي احدهم –بجانبه امرأته- في المقعدين 4و5 قال إنه يحمل أدوية (ابر) ثمن الواحدة ستون ألف ليرة، ولم أفهم نوع المرض الذي من اجله يستخدم هذه الإبر.

في القامشلي أبدل الباص بباص عادي..ولا أعلم السر في هذا التبديل المزعج فعلا، وفوق ذلك، فقد مر الباص بمرآب الصيانة  قرب الحدود التركية السورية،(مدخل بوابة نصيبين) ويبدو لملء المازوت وبعض صيانة.

هذه خطوة تثقل كاهل الركاب حقا،فضلا عن التوقف المستمر في كل مكان من اجل تنزيل الركاب الفرادى…لا ادري ما معنى مراعاة بعض الركاب على حساب البعض الآخر الأبعد طريقا ومعاناة تعب..!

عندما و صلت كان ريفان وريزان وزانيار ينتظرونني كانت الساعة حوالي التاسعة –اثنتا عشرة ساعة تقريبا زمن المشوار..وفي البيت كان الجميع بانتظاري- شعور بهيج أن تجد من يهتم بك..

صحيح دمشق عاصمة ومدينة تاريخية ومخدومة لكنها مجموعة كتل إسمنتية وممرات مهما كانت جميلة…فهي مقطوعة عن سياق الحياة الطبيعية من سماء وأرض وهواء وفضاء…

ديرك هذه المدينة 0القرية) المتواضعة تشعرك بأنها في عمق الحياة بكل أبعادها الطبيعية سماء ارض هواء فضاء شعب بسيط وحياة أقرب الى الطبيعة لولا الإعاقات التي ينبتها رموز سلطوية بسلوكيات حاجزة للحرية والأمان النقي والشعور العفوي…

 

 

 

 

 

 

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *