تجربة …2

الحلقة الثانية من :  تجربة

محمد قاسم…

مقدمة صغيرة

توقفت في الحلقة الأولى عند توصيف حالة بعض الجنود الذي غلبهم الخوف فتخلفوا عن زملائهم ،وقد استطعت أن أسيطر عليهم ووضعهم في رتل بتصرف احد زملائهم الذي توسمت فيه قدرة على إدارتهم . للالتحاق بزملائهم ..

وفي هذه الحلقة نبدأ بالحديث عن وضع الفدائيين وما يعانونه مما يقلل من فاعليتهم القتالية بالرغم من استعداداتهم القوية.

الحلقة الثانية:

……… وكان ثمة عناصر فدائية ..كانت مشدودة إلى الهجوم،ولكنها افتقدت من يقودها ..حاولت أن اجمع بين حماسهم وعدد عناصرنا لأوجههم..مشيت قليلا معهم ولكن قذيفة ر.ب .ج سقطت قريبا فارتددنا جميعا نحو الخلف..ثم عدت مرة أخرى إلى جمع شملهم لإرسالهم..إلا أن دبابة متراجعة بثت الرعب في نفوسنا جميعا..فاختبأنا خلف أغصان الأشجار. وفي هذه اللحظة كانت القوات معظمها تتراجع للخلف.

ولي عند هذا التراجع وقفة..

لم يكن الجبن والخوف هما سبب التراجع-وإن وجد بين العناصر من حاز على هذه الصفات- ولكن العوامل الحاسمة التي كانت السبب بدت لي في التالي:

1-عدم وضوح المهمة القتالية في البدء، من حيث تحديد الهدف وتحديد القوات الصديقة.

2- الجهل بالمنطقة وطبيعة الأرض فيها.

3- وجود قوات مختلفة مسلحة -ومعظمها فلسطينية- تتلقى كل جماعة أوامرها من قياداتها الخاصة،لقد كان التنسيق ضعيفا جدا بين تحركات هذه الجماعات بعضها بعضا،وبينها وبين قواتنا من جهة أخرى..وذلك ما يؤسف له في موقف كالذي كنا فيه.

ومع غياب الشمس كان تمركز سريتنا قد تحدد في نقطة التقاء قريتي (قبر شمون) و (شملان) ،حيث كان الطريق المار وسط (سوق الغرب) و(عيتات) و(قبر شمون) و(شملان) ينعطف نحو الغرب باتجاه بيروت الغربية..وعلى الجانب الشمالي من الطريق  كان ثمة مبنى عمّر حديثا،ولا يزال على العظم –كما يقال بالعامية- كان البناء مؤلفا من طابقين وقبو، ولا تزال مواد البناء موضبة فيه، وجاهزة للعمل، كالأخشاب والألمنيوم والزجاج..الخ. ويبدو أن الحرب قد أوقف العمل فيه.

وما يجدر الإشارة إليه، ذلك التراجع المزعج الذي قام به كل من م. حسين وم.جاسم مع بعض العناصر،تاركين زملاءهم، بل وقائدهم م1 محمد- م1صايل، وقواد الجماعات: إسماعيل-جون-عبد السلام-جمال-أديب-محمد-صبحي..وباقي العناصر.

ولقد بذلت جهدا حسنا لاستنفار هممهم للعودة إلى رفاقهم لعلهم يعرفون عنهم أمرا، أو لعلهم يكونون في حاجة إليهم..ولقد وفقني الله إلى إقناع الضباط وتسيير الجنود معهم.كان ذلك عصر يوم الهجوم،وكان التمركز في المساء بعيد مغيب الشمس.

كانت السيارات الخمسة المحملة بالذخيرة والعتاد والتموين قد صفت تحت أفرع الأشجار لتمنع عنها الرؤية من عل حتى لا تقصف من الجو، ولا سيما أن القنابل المضيئة كانت تغطي سماء البلدة فلا تترك زاوية دون أن تضيئها، وكان مصدر الإضاءة هو العدو الإسرائيلي طبعا..لقد كانت القنبلة المضيئة  تبقى في الجو حوالي خمس دقائق.. وقبل أن يخبو ضوءها، كانت القنبلة  الثانية تنطلق لتبقى الإضاءة متصلة، فلا تتاح فرصة للتسلل، أو تحرك يساعد على توزيع القوات، وبما يتناسب مع مهماتها.وقد حال ذلك بيني وبين الاتصال بالسرية.

ومما زاد في صعوبة عملي؛ القلق والخوف اللذان سيطرا على السائقين :بكور-شباط-عبد الجبار-بسام-جهاد.ولكني لن أنسى أن أشير إلى أن الأخير أظهر فيما بعد مواقف تنم عن الشجاعة وقوة القلب ..!

لقد اضطررت على تعنيفهم- بسبب اضطرابهم هذا-والقسوة عليهم مذكرا إياهم بمعنى المخالفة العسكرية في مثل هذه الأحوال..ومن حسن الحظ أنهم استجابوا  بعد لأي..!

شكلت دورية بقيادتي ومعي عنصر من السائقين،وتوجهنا نحو المكان الذي يمكن أن نلتقي فيه بعناصر السرية.كنا نمشي بخوف وحذر،ننتقل من ظل شجرة إلى ظل أخرى،ننتظر الضوء حتى يخبو قليلا لننتقل إلى ظل شجرة أو جدار..وعندما تعتم لحظات.. نستحث الخطى لنقطع أطول مسافة ممكنة.وأخيرا التقينا بسريتنا في المكان المشار إليه سابقا-محل تمركز عناصر السرية وقيادتها – وقد هدانا إليهم بعض العناصر الذين انفصلوا عنهم والتجأوا  إلى خنادق متخلفة عنهم،وقد سيطر الفزع على قلوبهم، حتى كادت حركتهم أن تشل. بل لقد كان حديثهم متقطعا ينم عن عمق ما يعانونه من الهلع، وأذكر منهم جميل-عيد-هيثم-فواز-وكان الأخير أفضلهم.وعندما طلبت الالتحاق بزملائهم بأسلوب ودي لم يستجيبوا للطلب،مما اضطرني إلى رفع أمرهم إلى القائد الذي أرسل في طلبهم فاستجابوا صاغرين.

كان دخولي على عناصر السرية مفاجأة كبيرة لهم فما كادوا يعرفونني حتى اجتمعوا حولي مستبشرين ويتساءلون عن الأحوال فطمأنتهم وأزلت القلق من نفوسهم، فعاد إليهم بعض حيوية وكثير من البهجة..شكوا إلي الجوع الذي أنساهم إياه الظرف الصعب.عدت لأحضر لهم بعض علب طوارئ –وهي علبة من الكرتون تضم..

بسكويتا ومعلبات من اللحم والسمك والمربى والحمص والحليب..وكنا قد زوّدنا بها أثناء بدء السير ببعض ربطات من الخبز .أحضرت لهم منها شيا.

كما احضر السائق ماء من منطقة كان قد لحظ وجود صنبور  ماء فيها أثناء انتقالنا..فأكلوا ما يسد رمقهم، وشربوا ماء روى ظمأهم، مما زاد في انتعاشهم..وبعد ذلك عدت على السيارات، على أن يبعثوا إليّ حين حاجتهم من يخطرني بها..

كانت الساعة حينئذ تقارب التاسعة ليلا ..

وفي  أثناء عودتنا لحظت جماعات مسلحة  متمركزة في منعطفات الشوارع،وخلف جدران البيوت،..كانت كل جماعة مستقلة عن الأخرى.التقاني احدهم طالبا التعرف على القائد لتنسيق العمل معه..وجهتهم نحوه..وتركتهم لأبحث عن مخبأ يناسب سياراتنا.. وكان أن نوفقت إلى بناء فيه مدخل واسع، ويمكن أن يضم إحدى السيارتين، في حين تركنا الثانية تحت أفرع شجرة صنوبر عالية وذات أفرع منتشرة وممتدة ،ثم اتفقت مع السائقين على الحراسة مناوبة وأنا معهم.أما السيارات الثلاثة الأخرى فقد كانت في نقطة متخلفة عنا.

استمرت الإضاءة طوال الليل، ولكن لم يحصل قصف، أو ضرب مدفعي، خلال الليل بطوله في محيطنا،على حين كانت بيروت الغربية تتلظى تحت لهيب القصف المركز من المدفعية، والهاونات، ورشقات متصلة من الرشاشات المختلفة.

لم يكن الرد من بيروت بأقل مما يأتيها فقد كانت الهاونات والمدفعية ولا سيما تلك المسماة بالراجمات، تبلي بلاء حسنا، كانت قذائف عديدة تبلغ الأربعين أحيانا، تنطلق من سبطاناتها-في اللحظة نفسها- راسمة خطوطا حمراء مشعة، وتتجه نحو مواقع العدو الإسرائيلي…

وفي اليوم التالي صباحا علمت من (الرقيب1إسماعيل) بان الهدنة قد تمت بين قواتنا وبين القوات الإسرائيلية،وتوقف إطلاق النار..وتلقيت امرأ بعد ذلك-بتفريغ سيارتين لإرسالها إلى موقع قيادة الكتيبة في قرية  (دير الحرف).

أنهيت المهمة في فترة قصيرة، وبمساعدة عناصر من السرية استحضرتها لهذه المهمة،وعندما عدت لاستطلاع الأحوال، فوجئت بتراجع قواتنا،ولما استفسرت عن السبب، زعموا ((إن العدو قد التف من جهة الشرق علينا مما اوجد ظروفا صعبة اضطرتنا للانسحاب لئلا تقع القوات في شباكه)).

اضطررت لأبعاد السيارات تبعا لوضع تمركزهم الجديد ..

وهنا لا بد من الإشارة إلى تلك الظاهرة المعبرة،  والتي صدرت عن إحدى البيوت المجاورة. ففي حوالي السادسة صباحا كانوا قد احضروا إبريقا من الشاي، وبعض الطعام والدخان للسائقين الثلاثة، المتمركزين بقرب دارهم. وقد علمنا بأنهم من الوطنيين من خلال حديث قصير معهم..كانوا معجبين بالفدائيين وبطولاتهم، ولكنهم كانوا متألمين من ضعف التنسيق بين جماعاتهم-وهذه مشكلة عاينتها بنفسي – وقد عزوا ذلك إلى استشهاد كوادرهم القيادية في المنطقة، مما تركهم يعانون من ضعف الخبرة القيادية..!.

بعد تدارس وملاحظة اخترت الشارع العريض المار أمام فندق حجار لتتمركز فيه سياراتنا الثلاثة، بجانب الجدار، تحت شجرات صنوبر عالية جدا، وذات أفرع كثيفة وطويلة تمتد إلى مسفات حسنة البعد. مما يؤمن غطاء حاميا للسيارات من رؤيتها من الجو وتعرضها لاحتمال القصف الجوي-وكان هذا هاجسنا الدائم- فقد كان الطيران المعادي نشطا بالنسبة لطيراننا ويكاد يسيطر على الأجواء تماما…

ولقد قارنت بين طول هذه الأشجار وبين ارتفاع الفندق المكون من أربع طوابق فوق الأرض، فوجدتهما متعادلين تقريبا. وإذا ترجمنا الارتفاع إلى أرقام فلن يقل الارتفاع –بتقديري- عن 12-15 مترا .وفي الجهة الجنوبية المقابلة للفندق، كان ثمة جدار حجري، أقيم لمنع حدوث انهيار في المرتفع المتدرج، والمليء بالأشجار المختلفة والكثيفة، وأهمها الصنوبر.وقد شق طريق من المحور الأساسي مواز للشارع ولكنه على قمة المرتفع، يشكل شارعا، بُنيَ على طرفيه عمارات –لحظت واحدة منها مؤلفة من ثلاثة طوابق،ولكنها تبدو مرتفعة نظريا..كانت مسكونة من قبل عدد قليل أو هكذا بدا لي..فالبناء ضخم وساكنوه لا يتجاوزون بضعة أفراد عدا- من خلال تقديري لحركتهم والأصوات التي كنت أسمعها منهم-.

إلى جانب الفندق-حجار- من جهة الغرب، كانت دار كبيرة وجميلة، ذات ساحة واسعة، ومنظمة، ومزينة بحوض ماء مصمم على طراز الأحواض الطبيعية،وقد وُزِّعت صنابير المياه بانتظام يسمح باستعمالها دون الحاجة إلى التنقل كثيرا، سواء للاستخدام الشخصي، أو لسقاية الأشجار، والأزهار، والورود..!  وفي الزاوية الغربية كان ثمة تمثال صغير للعذراء (مريم البتول).

كانت أشجار الصنوبر كثيفة وعالية ، وفي أحد أطرافها الشرقية كان ثمة جذع ضخم منشور على هيئة طاولة مستديرة، وصفّ حولها عدد من الجذوع المنشورة والتي اتخذت هيئة كراسي مستديرة للجلوس عليها ..كان ذلك منظرا موحيا  بالعودة إلى ممارسة البساطة الطبيعية في الجلوس في ساحة واسعة وجميلة مما شكل لوحة فنية حيوية.

كانت ساحة الدار  من الجهة الشمالية تشرف على شارع آخر مواز للشارع الكبير،  كانت بوابته حديدية ضخمة؛ تطل عليه، وعبرها تمر السيارات إلى الدار أو تغادرها..

وقد أتيح لي أن أتعرف على صاحب الدار-الوارث- حيث كانت الدار أصلا لأخيه الطبيب المتوفى – إبراهيم حجار- وكذلك تعرفت على زوجته التي كانت تعاني من الربو وضعف في الأعصاب..! زادتها الحرب ضعفا وقلقا..نمت بوادر ألفة بيني وبينهم نتيجة لتشجيعي لهم –وللمرأة بشكل خاص- لمواجهة الخوف بأسلوب –يبدو انه كان مؤثرا- وسرّيت عنهم ببعض الأحاديث والنكات اللطيفة ..كما حفظت لهم دارهم خلال وجودي من أي اعتداء-كما حصل لبعض الدور بسبب ظروف الحرب اللعينة،ولكن ما حز في نفسي أن ضابطا نزل بالدار – في لحظة غياب مني كنت نازلا فيها إلى دمشق-وقد حصل منهم على المفتاح، ولكنه لم يكن أمينا في الحفاظ على الدار-وللاسف-.وكان قد أهداني دفتر مذكرات للعام 1982 وعلى غلافها الأمامي :كتب باللغة الانكليزية:

C.A.T

GROUP  OF COMPANIES

ثم رسم قطة في وضعية تحفز ضمن دائرة.

1982

وقد دونت مذكراتي على هذا الدفتر واحتفظت به.

يقال: ((في الحرب والحب كل شيء مباح)).

ولكن الإنسان الذي يتمتع بآثار تربية صالحة، وإرادة طيبة، يمكنه أن لا يستجيب لكثير من مؤثرات الحرب- وحتى الحب  في أحوال معينة-، وهذا ما لم يفعله هذا الضابط-للأسف-فقد كانت هناك ممارسات غير منضبطة في التعامل مع محتويات الدار.ولعله كان من حظي الحسن أنني لم التق بأصحاب الدار بعد دخول هذا الضابط، فربما كنت سأواجه بنظرات متألمة -وربما عاتبة-.ولا ادري ما سيكون موقعي في نفوسهم.حتى وإن كنت بريئا مما حدث،ولا صلة لي به..!

أما الفندق -والذي احتفظت بصورة له من الخارج-فهو أيضا لأبن عم له،وقد هرب تاركا الفندق بكامل محتوياته..وقيل بأنه من الموالين لحزب الكتائب،ولكني لست واثقا من المعلومة.إلا أن هروبه يرجح هذه المعلومة،لأن الكثيرين من الوطنيين كانوا في بيوتهم في المنطقة ،ولم تتعرض بيوتهم –نتيجة لوجودهم –للأذى.ومعلوم ان الكتائب –كانوا متناغمين –في هذه الحرب –مع الإسرائيليين وربما كان هذا من أسباب اغتيال الرئيس بشير الجميّل الذي انتخب خلال هذه الفترة بطريقة دراماتيكية كان للإسرائيليين دورهم فيها –حسب ما كنا نسمع في وسائل الإعلام.

كان فندق حجار ضخما، ذا تصميم حديث، وكانت ساحته واسعة، وُزّعت فيها أصص لنباتات جميلة شتى..وفي الجهة الجنوبية لساحته كان ثمة تماثيل لنساء عاريات.. وأحجار، تكاد تأخذ أشكالا إنسانية بدون ملامح تفصيلية،وضعت بأسلوب فني.  وفي الجهة الشرقية كانت ساحة خاصة تضم مجموعة من ألعاب الأطفال، وارجوحات دوارة وبندوليه..   وأما البناء فكان مؤلفا من أربعة طوابق، خصص الطابق الأرضي منها للمطاعم.. والبارات.. وإدارة الفندق..  إضافة إلى ساحة جلوس للقادمين أو المغادرين  أو الزوار .. كانت أرضية الفندق مغطاة بالسجاد والموكيت في جميع جهاته، وغرفه،  ومداخله، ومدارجه. كانت التجهيزات فنية، وتوفر قدرا عاليا من الراحة والرفاه…فمن تلفزيونات، وهواتف، وأجراس، وحمامات، ومغاسل، ومناضد، وخزانات ..الخ وهي جميعا، من طراز حديث ..ولكنها جميعا  تركت مهجورة، وفر الصاحب لينجو بنفسه..!!

كم وقفت عند هذه الملاحظة..!

إن هذا الفندق وما فيه من أثاث، يقدر ثمنه بملايين الليرات، وإن ضخامة الفندق وتقدير ثمنه، يوحيان للمرء بعدمية الأشياء  تجاه الإنسان  والذي يقول فيه الله سبحانه وتعالى..(( ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)). وان عوامل الرفاه فيه بالغة حدا بعيدا،  ومع ذلك، فإن صاحبه يهجره، لينجو بنفسه- وهو لا يدري إن كان سينجو منها أو لا – فالموت مسألة لا يمكن للمرء أن يتكهن بموعده. يقول تعالى: ((ولا تدري نفس بأي أرض تموت)).

والملاحظة الثانية:

إن هذه الضخامة والمظاهر الفخمة،  تعبث بها أيد، كان أصحابها يتمنون –ذات يوم- أن يعرفوا ما بداخل هذا الفندق، ولم يكونوا يتوقعون أنهم سيدخلونه ذات يوم، ولذا فقد كانوا يترددون في لمس أثاثه، بسبب البعد النفسي الذي يفصلهم عنه..!

أهذه هي الحياة.. وحالها ؟!.

سبحان مغيّر الأحوال من حال إلى حال..!

يبدو لي -بل يقينا- إن التجربة الإنسانية في هذه المواقف هي نفسها- قديما وحديثا- ولكنها تتكرر بشكل يغاير الشكل السابق في كل مرة بسبب المستجدات في حياة البشر ،كتغير نوع البناء والعمارات، أو تغير الأسلحة ….أما المضمون-مضمون الحياة البشرية – ..أما الحقيقة-حقيقة الحياة البشرية-  فهي لا تختلف أبدا…!

مع ذلك كم اتعظ الإنسان بهذا..؟!

كم كنت أقف عند مشاهد يصورها كاتب في قصة،أو راو في التاريخ،عن دمار معمور،وشراسة بشر،وانتشار الرعب بعد سلام،..كنت أتصور المشهد، ولكني لم أكن أستوعبه، أو استوعب مضمونه.

هاأنذا –اليوم- أستوعب هذا المضمون،  وأهضمه هضما،  يمكنني أن أفرزه أفضل فرز مرة أخرى..مثل ذلك الكاتب، أو ذلك الراوي،  بل ربما أكثر منهما أيضا..!

فيا لعجبي من الإنسان في أحواله المختلفة..!!!

وقفتنا هذه، أنستنا ظروف القتال، فقد كان وقف إطلاق النار لا يزال ساريا المفعول، بين قواتنا وقوات العدو،  ولكن الجو ملتهب بالمقذوفات الحارقة  فيما بين المنظمات والقوات الوطنية اللبنانية من جهة،  وبين القوات الإسرائيلية  والكتائبية من جهة أخرى، حيث إن الأخيرة-الكتائب- احتضنت الإسرائيليين، واستقبلتهم بخير ما يستقبل به صديق منقذ..! كان هذا يحث شرخا بين سكان لبنان –ربما لن ينتهي في مدى قصير- فالشعب اللبناني مؤلف من تكوينات متعددة ،ولا يعترف كل تكوين بالآخر واقعي،رغم ما قد يرفعوه من شعارات سياسية حول الوطن وحدته –كما كان يكرر ذلك الرئيس المغتال بشير الجميّل-

كانت سريتنا قد اتخذت مبنى جديدا لا يزال معظمه على العظم أيضا، ومؤلف من ثلاثة طوابق، يقع في الجزء الشمالي من الطريق، وفي مستوى أخفض من مستوى الطريق، مقابل فنق اسمه (فندق الفاروق) حيث تمركزت قوات من الوحدات الخاصة..

نُظّمت الحراسة وفق أربع مجموعات، يرأس كل مجموعة ضابط، يساعده ضابط صف أو أكثر-وقد وزعت المجموعات حسب ظروف المحاور والمنافذ التي يحتمل أن يتسلل منها العدو..

كان الضباط قد انتقلوا إلى بناء مجاور مع مراسليهم (حجابهم)،  تاركين أمر القيادة المباشرة لضباط الصف،وقد فرض على الجميع عدم التحرك لئلا ينكشفوا إمام العدو.

بعد يومين من التمركز، انسحبت القوات المتمركزة في الجهة المقابلة (الشرقية) مما أبقى فراغا في الجهة الشرقية لقواتنا التي بقيت صامدة مكانها. كنت احضر لهم الطعام من بحمدون، حيث يقع المطبخ الميداني للقيادة العملياتية. وكنت  أؤدي للعناصر والضباط خدمات خاصة، مثل إحضار علب السجائر،ونقل حاجات يستثقلونها وجودها معهم، أو إحضار حاجات يطلبونها…الخ.

كنت أؤدي واجبي بصورة جيدة،ومن وحي الشعور بالمسؤولية تجاه أرواح قد تزهق إذا قصرت في جانب من أدائي لواجباتي،كما ينعكس ذلك سلبا على جميع عناصر سريتنا، فقد تقصر عن القيام بواجب القتال.

كانت الظروف تعيق العمل أحيانا وذلك عندما تشتد وتيرة القصف المتبادل من الهاونات والمدافع والرشاشات..ولابد من الإشارة إلى بعض هذه المعيقات والصعوبات.. فمثلا كان تمركزنا الجديد يتم في اليوم الثاني من دخولنا القتال،وكنا قد عانينا في اليوم الأول أشد المعاناة،والتي وصفتها على صعيد نفسي وعملي.فكان طبيعيا إذ شعرت بتعب ينهش جسمي..وجدت الفرصة مناسبة قليلا لأستريح، خاصة إن القصف قد خف كثيرا عن ذي قبل.أفهمت السائقين بأني سأنام قليلا على أن يوقظوني إذا احتاج الأمر،ففرشت عازلا وحرامات تمددت عليها وكأنني أنام على فراش وثير –طبعا بلباسي العسكري وحذائي- كنت بين يقظة ومنام على مدى أربعة ساعات –كما علمت بعد استيقاظي-كانت أصوات القصف المدفعي الانفجارات والطلقات تخرق سمعي فتوقظني …ولكن التعب الذي نال مني كان يشدني إلى النوم ولا تكاد أجفاني تتفتح حتى يثقلها النوم فتعود وتغمض .. كان التيار &&& هو الأغلب فلم أستيقظ إلا في الحادية عشرة ليلا أثر قصف شديد، وتبادل إطلاق النار من الرشاش  بغزارة .. تملكني الفزع ..ماذا حدث؟ وأين هو مصدر القذائف؟ ما أخبار وحدتنا ؟

تتالت الأسئلة سراعا لكن لا جواب ..السائقون لا يعلمون شيئا ..! لا أخبار عن الوحدة ..تملكني قلق شديد، قررت القيام بزيارة لها، حاولت ذلك بالسيارة لكني لم افلح .. فالقذائف تسقط قريبا، والمتمركزون من عناصر الأحزاب والفلسطينيين في مداخل البوابات على طرفي الشارع صاحوا بنا:

:ماذا..؟ماذا..؟  ألا ترون القصف..؟ كيف تمرون بالسيارة..؟!

وأثناء ذلك سقطت قذيفة على بعد أمتار قليلة أمام السيارة، فعدت إلى الخلف ..ولكنني مصمم على أن أعرف أحوال وحدتنا .. طلبت من سائقين أن ينضما إلي لتشكيل دورية راجلة .. ولكن السائقين تملكهم الخوف ..  وبدؤوا بمحاولة التخلف ورفض الأمر العسكري أيضا..  نبهتهم إلى واجباتهم العسكرية، وإلى النتائج التي تترتب على مخالفة الأمر في مثل هذه الحال .. فانصاعوا على مضض .. ولكنني اكتفيت بواحد منهم،  – بعد مغادرة سيارة العناصر الصديقة  الذين كانوا يشكلون استطلاع الدبابات الصديقة –

.وبالمناسبة فقد كانت مغادرتهم و (هروبهم) طريفا ..إذ بينما نحن في جدال حول تشكيل الدورية، سمع صوت حركة مار بين أشجار الحرش المقابل لنا .. صاح الحرس من..؟!  لم يأت  رد .. أعطيت أمرا بالتمركز، وملاحظة الحركة..ونبهت هؤلاء إلى ذلك،  فما كان من قائدهم – وهو برتبة م1 واسمه:أ.شاهين- إلاّ أن  أعطاهم أمرا بالتهيؤ، وركوب السيارة،  وكانوا -خلال دقائق- ذاهبين إلى حيث لا ندري..! وتبين -بعد ذلك- أن الحركة كانت من حيوان.!.

قمت بالدورية .. الشارع هادئ .. بعض الحرس المتمركزين في مداخل البوابات يستوقفوننا .. يتأكدون من هويتنا.. نسأل عن عناصر سريتنا(وحدتنا) فلا يفيدوننا بشيء .. وصلنا –في النهاية –إلى مركز الوحدة، لنجد الأحوال عادية ككل مرة،  كان القصف يشتد دون أن يكون لهم علاقة به مباشرة، واطمأن قلبي..دردشت قليلا مع عناصر الوحدة وقيادتها،ثم عدت مع رفيقي السائق..نظمت الحرس ليلتها بعد نقاش مع احد السائقين-بسام- التزم في نهاية الأمر..

كانت أياما روتينية تلك التي عشناها فيما بعد..

القصف متبادل بين (بيروت) حيث القوات الوطنية،  وبين الضواحي الجنوبية  حيث العدو متمركز.

الحرائق تبدو في مناطق مختلفة ..الدخان الكثيف يملأ الجو في مناطق القصف..القنابل المضيئة تملأ الأجواء فتنير المنطقة برمتها حتى كاد الفزع يغلبنا؛ خوفا على سياراتنا أن تكتشف،وربما تقصف..

على الرغم من أن المنطقة عامرة بالقوات الصديقة، من الأحزاب والمنظمات..وفي الشارع الآخر القريب وتحت الفندق-حجار- مركز للحزب القومي السوري وإلى جانبه مركز لفتح..على الرغم من ذلك فلم نكن نعتمد عليهم في شيء ..بل كنا نعتمد على قواتنا نحن ولا نرى فيها ما قد يكون سندا حقيقيا بسبب سوء الانسجام فيما بينهم بعضهم بعضا وبينهم وبين قواتنا.

في الحادية عشرة نهارا كنا نذهب إلى بحمدون لإحضار الطعام،ونحضر معنا بعض الحوائج الشخصية التي أوصينا بإحضارها –كالدخان بصورة خاصة من أحد المحلات الكثيرة على جانبي الطريق..كانت الأحوال بين (سوق الغرب)  وبين (عاليه) تبدو  طبيعيا على الرغم من تيار من القلق كان يسري في نفوس الناس الذين كنا نراهم في الطريق،ولا أظنني مبالغا إذا قلت بان سيارتنا كانت مصدر شعور بأمان لا يستهان به للأهلين..فقد كنا نروح ونغدو بروح من الثقة تنعكس على الملامح،  وكم بثثت الاطمئنان  في قلوب أناس في الطريق يسألون عن الموقف في جو من الترقب واللهفة والحيرة ايضا..

لم أكن أكذب عليهم ولكني كنت أضيف مسحة من الثقة والأمل إلى الحديث لئلا تثبط همم السائلين …

كانت بداية هذا اليوم تبدو منذرة بحدث رهيب..فقد كان القصف المتبادل يزداد بوتيرة جنونية  ..وكنا مع ذلك نرى الأمر عادي،قياسا إلى مجريات أحداث الحرب اليومية ، فقد تعودنا على مثل هذا المشهد في أحيان عدة..ولكن الذي ميز القصف لهذا اليوم هو: تمركزه صوب (عاليه) و(بحمدون)..

كان الضابط -قائد الوحدة-م1 م.زعبي- قد توجه نحو (بحمدون) على أمل الحصول على فرصة يزور فيها أهله يطمئنهم، ولكن شدة القصف حالت دون متابعته المشوار ,, فعاد  وأوعز إلي للذهاب إلى (بحمدون) لإحضار الطعام..لم اكترث لإيعازه،. وقد علمت مرماه،  وهو أن أجازف بنفسي لأستطلع له أخبار الطريق..ولكني ظلت أتحين الفرصة الملائمة، حتى واتتني قبيل مغيب الشمس،عندما خفت وتيرة القصف قليلا. فطلبت من السائق أن يتهيأ ، وكانت السيارة تنهب الطريق نهبا. السائق (جهاد) وقد أشرت إلى تميزه بالشجاعة، ولا أنكر أنني استوحيت من جرأته جرعة زائدة مما أظنها شجاعة تمتعت بها ، وضبط النفس الذي تميزت به خلال أيام الحرب،وهذا ما اشكر ربي عليه.

في الطريق كنا نستفسر عن الأحوال، ونتقصى الأخبار، من مدنيين ورجال أحزاب، وأحيانا من بعض عناصر جيشنا..كانت الإجابات مختلفة،  ما بين تطمين، وتهويل،  ولكننا مضينا قدما..

في (عاليه) استوقفنا عناصر منظمة ما –لم اعرفها- لتطلب منا استلام ذخيرتها وبعض أسلحتها ر.ب.ج –بدلا من أن تذهب لإسرائيل -بحسب رؤيتهم- وقد استهلك منا هذا الموقف، قدرا من الوقت، ومع ذلك لم نحظ بشيء، فقد عاد كبير لهم –في آخر لحظة – ليستردها منا، وقد استشاط غضبا من عناصر منظمته على موقفهم هذا.

مشينا بعدئذ،قليلا، وكاد الليل أن يخيّم،ولكن أضواء القنابل والقذائف تحيل الظلام إلى نهار..وجدنا في الجانب الأيمن من الطريق، قذيفة -لا تزال نيرانها تشتعل-..تخوف السائق منها، ولكني قلت له: تيسر متوكلا على الله، واضغط على البنزين لنجتازها بسرعة…

وصلنا (بحمدون)  ويا للمأساة والهول.

الخوف مسيطر على الجميع، من جراء القصف المجنون، كل مجموعة مختبئة في ركن ما..الإشاعات بلغت أسماعهم بان( سوق الغرب) و(عاليه) قد سقطتا في يد العدو.وقد فعلت هذه الإشاعات فعلها فيهم.

أنعشنا خواطرهم وطمأناهم بأننا الآن آتين من هناك،وأن ليس هناك شيء مما أشيع.  كان الطعام مطبوخا، لم تمتد إليه يد..فعبأنا بلواتنا (قدورنا) باللحم والرز والمرق  ولكن بدون خبز…وعجلنا بالعودة إلى حيث موقع عناصر سريتنا –وقد نبهني السائق إلى أن شظية دخلت في أحد دواليب سيارته،وهذا يعرضنا للتعطيل، لذا من الضروري السرعة للوصول ومعالجة الخلل.

وفي الوحدة عندما استوضحوا الأمر، حاولت أن أطمئنهم، ولكن السائق شرح لهم ما رأى، وظنت انه كان يبالغ،  إلا أنها كانت صحيحة – للأسف- فلم يكد يمضي نصف ساعة حتى تلقيت مكالمة هاتفية من قائد الوحدة،وهو  يطلب مني الذهاب بالسيارات إلى (بحمدون)…

عندما وصلت (بحمدون) صففت سياراتي  أمام أحد الأبنية. وكان عناصر الوحدة وغيرها من وحداتنا تتراجع ولا ندري السبب،لكننا اخبرنا –فيما بعد-بأنها انسحاب أمام محاولة تطويق العدو لهم ..كان العناصر ينسحبون مشيا على الأقدام..

اجتهدت في الذهاب إلى قائد المجموعة العملياتية المسمى :العقيد أ. إسماعيل لأبلغه بوصول سياراتنا بناء على أمر من القيادة.فطلب مني العودة بالسيارات لنقل عناصر الوحدة.وكانت مضيعة لوقتنا تلك الأرتال الطويلة من المتراجعين وقد سيطر الخوف والتوتر النفسي على معظمهم..وزاد في ذلك، الليل المضاء بالقنابل،  والقصف الهاد.!

التقيناا -أخيرا – مع عناصر السرية المنسحبين، ولكن السيارة عجزت  عن المشي عندما ركب الجميع، فاضطررت إلى الطلب من بعضهم للنزول، على أن أعود إليهم بعد توصيل الوجبة الأولى.ولكننا –للأسف-لم نعد إليهم أبدا..فما كدنا نصل بحمدون حتى كانت القنابل المضيئة تحيل ليل بحمدون إلى نهار، ومصدرها طبعا العدو، مما فوّت علينا إمكانية العودة . ولقد آلمني ذلك شديد الألم.وشعرت كأني مسؤول عما يمكن أن يحدث للباقين.ولكنهم –والحمد لله وصلوا سالمين في صباح اليوم التالي.كانوا قد اجتازوا الحرش في الوادي الفاصل بين عاليه وبحمدون.

وازداد قصف الطيران المعادي فدب نوع من الارتباك في صفوفنا عالجها ضابط اسمه- م1ص.حيدر-بإعطاء أمر للنزول إلى الوادي الفاصل بين (بحمدون) و(دير الحرف)، والمملوء أشجارا كثيفة، والتخفي بينها أثناء الانسحاب-وكان أمره هذا تجاوزا للقائد، ولكنه جاء صحيحا –على الرغم من أن هذا الضابط لم يتميز خلال الفترات السابقة بما يشعر بأهمية مواقفه العسكرية.

أما انأ فقد مررت بموقف مختلف..

لقد تأخرت في النزول محاولا مساعدة العساكر على النزول، فلما انتهوا حاولت أن انزل لكن قنبلة مضيئة حالت بيني وبين النزول في هذه اللحظة، فانتظرت لتخبو الإضاءة قليلا كي ألحق بزملائي،ولكن دون جدوى، فلم يخب الضوء أبدا . وبعد قليل سمعت هدير سيارة  –خيّل إليّ أنها دبابة إسرائيلية- وساورتني حيرة ..ماذا افعل..؟! ولكني انتهيت إلى قرار باني لن اسمح لهم بأسري..كان معي قنبلتان يدويتان صممت على أن أفجرهما فيه،ا وأتفجر معها كما كنت أظن. ولكن تبين إنها سيارة سورية عسكرية كبيرة للتسليح، كان لها هذا الصوت الهادر والمخيف، فركبتها مع جمع من المتخلفين من عناصر الجيش..وقد مررنا بمعاناة أخرى ظننا أنها قد تكون نهايتنا ولكن الله كتب لنا النجاة مرة أخرى.فقد كان السائق يجهل الطريق،وحاولت أن أكون الدليل ولكني لم أكن واثقا من معرفتي..مرنا بسيارات مقصوفة بعضها محترقة،وبعضها متروكة على حالها،وقد كان طريفا في هذه اللحظة العصيبة منظر سيارة وقود(سوتير) مملوءا ماء وقد اخترق جسدها الرصاص وثقبه فكان الماء يخرج من هذه الثقوب دافقا  على شكل شلالات .

وصلت قرية(قرنايل) أو بلدة قرنايل –لست أدري- في وقت من الليل لست ادري متى بالضبط. وفي سيارة عابرة عسكرية ذهبت إلى  قطاع الكتيبة الذي وصلته بعد منتصف الليل.

وفي اليوم التالي التحق المتخلفون من عناصرنا ولم نخسر سوى فقيد واحد خلال الانسحاب، وفقيدين أثناء الهجوم،والثلاثة هم:ا.بخوري من إدلب-ﻫ.ضرغام من اللاذقية، و ع.ياسين من الرقة.

لكان التوزيع بين المناطق دلالة على اشتراك الجميع في المعركة الواحدة .

…………………………………………………………………………………….

هذه المادة وغيرها ،النقولة الى الموقع ،تحتاج إعادة نظر للعلم.

 

 

 

 

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *