تجربة …1

تجربة

محمد قاسم…

مقدمة:

الحياة قد تطول وقد تقصر ولكن في الحالين فإن الإنسان يمر بتجارب تنعكس على فهمه لطبيعة الحياة وأسلوب عيشها في جوانبها المختلفة،ولعله ميل طبيعي فيه أن يسعى إلى مشاركة الآخرين في قطاف تجربته أو تجاربه..

هل هو ميل فطري..؟

هل هو ميل يستجيب للشعور بالخصوصية والتميز ربما..؟

هل هو وعي بشري بالقيمة المشتركة في الحياة بين الناس..؟

لا أدري..ولكن  ربما هو الجميع في صيغة تآلفية تعود إلى تركيبة الإنسان النفسية المتكاملة ليمكنه عمارة الحياة ،وهي ما نسميه-عادة-بالحضارة.

فالحضارة –في الحصيلة –هي جهد بشري مستمر ومتكامل،وإن تفاوتت في طبيعتها بين مجتمع وآخر، ويبدو أن النتيجة الأخيرة هي: إن الحضارة ستصبح- يوما ما- عالمية (أو عولمية) أو كونية ..لا فرق عندي فكلها مصطلحات ذات دلالة التوسع العالمي في الاشتراك الحياتي بمعطياته الحضارية المتكاملة وربما المتشابهة..

ولا يضير فهمنا، أن يختلف الفقهاء في تفسيرها وتمييزها عن بعضها،فكثيرا ما يكون ذلك بدواعي مصلحيه لا صلة لها بالحقيقة ذاتها..

ولأن بعض التجارب في حياة الناس نادرة فلعله من المفيد أن ينقل الذي عاش التجربة النادرة إلى الآخرين لمعاينتها ولو وصفيا،ولإدراك نتائجها –الإيجابية أو السلبية-ولتمثل هذه النتائج إما لتجنبها في حالتها السلبية أو للعمل بها في حالتها الإيجابية.

ومن هذه التجارب النادرة هي خوض الحرب.

فالذي يعيش الحرب واقعا ليس مثله الذي يسمع بها أو يراها على شاشات التلفزيون..!

ومنذ القديم حاول الفاهمون أن يذكّروا الناس بفداحة الحرب ونتائجها المدمرة للعلاقات وللحياة .منهم مثلا الشاعر زهير بن أبي سُلمى في قوله المنقول عن الموسوعة العالمية للشعر العربي:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

كما اتخذ البعض، الحربَ وسيلة لتحقيق مصالحهم كالقواد العسكريين الذين ينتفعون –غالبا- من الحروب،وكالسياسيين-أحيانا –عندما تتلاقى مصالحهم مع شن حرب ما،وكمنتجي السلاح وتجار الحروب…الخ.

فليست النظرة واحدة إلى الحرب عند جميع الطبقات والشرائح والأفراد ..!

ليس الأمر  سهلا، أن تُشرح هذه الحقائق ،وربما الأكثر صعوبة أن نظن أننا قادرون على إقناع الآخرين بعبثية جدوى الحرب ..!

حاول الفلاسفة والمفكرون وأصحاب النوايا الطيبة..ولكن ذلك لم يثمر على مستوى تشكيل فلسفة قيمية عامة بشأن الحرب ..ربما نجح بعضهم في حالات منفردة بتجنيب بلادهم الحرب أو الإحجام عن شن حرب ضد شعب آخر..ولكنها تبقى حالات قليلة –إن لم نقل نادرة-

المهم:لقد خضت الحرب كتجربة عشتها ..ووجدت بعض خصائصها وآثارها عيانا..

ولقد كتبت بعضا من مشاهداتي فيها سواء من موقع المشاركة الفعلية المباشرة –وهي قصيرة –أم من موقع المراقب للأحداث ضمن حدود ظروفي وإمكانياتي وخبرتي المتواضعة حتما..فرغبت أن انقل هذه المشاهدات إلى الآخرين لعلهم يرون في الحرب ما رأيته من أنها آلام ومصائب ودمار..وما ضرورتها إلا لوجود خلل في منهج الحياة الإنساني الجمعي..-إذا جاز التعبير-

كان ذلك عام 1982 في شهر حزيران ولا اذكر بالتحديد اليوم وأظنه السادس منه،عندما صدر الأمر بالتوجه نحو المشاركة في الحرب.كان ذلك بسبب الاجتياح الإسرائيلي لـ: لبنان

فكنت اكتب يوميا تقريبا بعض مشاهداتي وانطباعاتي مراعيا أن لا ادخل في تفاصيل الأحداث خشية أن يكون ذلك تدوينا لأسرار عسكرية مضرة مثل الأسماء والمواقع المفصلية وطبيعة مجريات الداء العسكري..الخ.

لا أدري هل وفقت أم فشلت؟الأمر يعود إلى القراء وللمختصين..المهم حاولت أن أصور بالكلمات –على قدر خبرتي – بعضا من مجريات الحرب التي يمكن أن تكون مصدرا واقعيا لوصفها..(وربما نشرت يوما مذكراتي عنها بيومياتها..!).

ثم اختصرت ذلك في الكتابة التالية والتي عنونتها ب:(تجربة ) وها أنذا أقدمه لكم :

تجربة

مرت في ذهني  عبارات عديدة يمكن أن تصلح عنوانا يناسب ما سأكتب ..منها:

  • تجربة لم أكن أتمناها .
  • .يوم كان موعودا..تجربة تمنيتها ذات يوم…
  • أيام صعبة..
  • تاريخ في اثني عشر يوما يلخص الملامح العامة للحياة…الخ.

بيد أني أميل دوما إلى أن يتلاقى الخاص مع العام في الشكل والمضمون،وان تكون هذه الصلة بينهما صلة تناسب طردي لجهة بعض اعتبارات الحياة،وان تكون صلة التناسب العكسي لاعتبارات الحياة الأخرى..

من هذه النظرية انطلقت في عنونة المقال بكلمة واحدة هي: تجربة..!

لعل بعض الناس سيرون في ذلك عموما يتجاوز الحدود المطلوبة..

ولعل بعضهم –وخاصة النقاد المتحركون ضمن قوالب محددة- سيرون في الأسلوب ما لا يتلاءم مع هذه القوالب التي يسمونها تسميات مختلفة توحي بامتلائها ولكنها –في الغالب- تكون قيودا.

ف(تجربة) تكون خاصة من حيث أن المار بها إنسان معين، ضمن بيئة معينة، كل شيء فيها خاص ومحدود، وتكون عامة من حيث أن هذا الإنسان-بعد كل التحليلات- هو نموذج من الإنسانية، إذا لم يكن الوحيد في خصائص معينة فهو يحمل السمات الأساسية لملامح البشرية: واقعا،. وتصورا.. وماضيا..

يتلاقى الجميع في حركة تفاعلية  في هذا الإنسان..!

فكل إنسان يحس.. يشعر..  يفكر.. يفرح.. يحزن.. يتألم.. يستلذ..إلى آخر ما هنالك من خصائص وسمات الإنسانية العامة. فمن هذه الناحية نقول عنه (نموذج الإنسانية). ولكن..

إن هذه الخصائص  والسمات تتفاوت شدة وخفة، شمولا أو دقة،  في إنسان لآخر..

هذا لا يلغي النظرية باعتبارها صحيحة،والتي هي بداهة ولست مخترعها،وإنما هي مفروضة على كل حس سليم….

إذا ف((تجربة )) عشتها خلال أربعة عشر يوما كان فيها الكثير من الأمور التي تبلغ المسافة بين فهمها ومعاناتها شاسعة…!

عبر الإذاعات والمحطات التلفزيونية أو عبر صفحات الجرائد والمجلات..ومن خلال سماعنا لأصوات الانفجارات  ودوي المدافع  وهدير الطائرات ..ومن خلال مشاهدتنا للطائرات المحلقة  في الجو في أسراب خاطفة السرعة والانقضاض مخلفة وراءها البالونات الحرارية  والقنابل المتفجرة  أو المضيئة –إذا كان الوقت ليلا-….من خلال هذه المشاهدات وذلك السماع؛ عاينا بداية معركة بين عدو شرس ومنظمات أشد شراسة، لدرجة أنها مبنية أصلا على النضال المقرون بالفداء حكما؛ فسميت بالفدائية وهي فلسطينية ..

عاينا هذه البداية  وتألمنا إذ سمعنا بالمثير وشاهدنا الفظيع،وتصورنا الأكثر إثارة وفظاعة وهولا..!!

لكننا على الرغم من ذلك  كله ظللنا بعيدين من حيث أننا لسنا المعنيين بالأمر مباشرة..

كانت حربا على لبنان أساسا والفلسطينيين،ولم تكن على السوريين..

كانت مشاعرنا وأحاسيسنا اقرب –في تموجها –إلى الشفقة المجبولة بالخوف..!

كان القصف في عاليه مثلا..وكنا في مأمن من هذا القصف –كما كنا نظن حينها – وكان ذلك يخفف من عمق معاناتنا الأليمة..كان ينطبق علينا معنى قول القائل(( ليس الذي يعد العصي كمن يضرب بها))  ولكن…وفجأة وردنا أمر الرحيل…إلى أين؟  ليس من يدري سوى أصحاب الأمر.

كان متوقعا أن يكون الجنوب،ولكننا كنا نخادع أنفسنا..كنا نود أن لا يكون الجنوب وجهتنا، حيث رحى القتال يدور بقوة،ولا نعرف من مجاهل المنطقة شيئا..

المعاناة بدأت بالتحول نحو العمق..بدأ الإحساس بالخوف المباشر من الحرب.. واستحضرت قول الشاعر زهير بن أبي سلمى:

وما الحرب إلا…..

بدأ الشعور يضطرب..استنفرت القوى النفسية والعقلية..بدأت التصورات تبنى وتهدم..بدأت التحليلات تتعمق..ولكن الأمر كان سريعا..وملحا..فلم يترك لكل ما سبق المجال الكافي، وخاصة للقوى العقلية..فتحركت القوى التلقائية لتأخذ مداها..امتقعت الألوان..ازدادت ضربات القلب عددا وشدة ..ولكن نداء الواجب كان قويا وعاليا يتجاوب صداه معه..

قُضيت الحاجات في جو غلب عليه الذهول ..في خضم مشاعر متمزقة وللذكريات فيها النصيب الأكبر ..الأهل ..الأصدقاء..احتمال الموت..الله..الحياة الأخرى..احتمال الحياة والبقاء.. الاستبشار.. التفاؤل.. ولقاء النفس وهي حية من خلال:

– رؤية الشمس وهي طالعة،  والنجوم وهي ساطعة..والأنسام وهي متماوجة. .والخضرة وهي منبسطة ومتمازجة..والطيور وهي صادحة..والفرحة مزغردة ..واللذة في ميادين الحياة المختلفة…!!

التناقضات المكونة للبنية البشرية في تفاعلها مع معطيات الكون؛جميعها تتحرك بتداخل يعجز المرء عن وصفه بالقدر الذي يحسه..! ولعلنا لو قلنا عنه اضطرام ساعدنا هذا الوصف على استيحاء صورة حسية أكثر قابلية للإدراك. فإذا أضيفت إليها عوامل الأخطاء البشرية الآتية من سوء التصرف على مستوياته المختلفة،كان الوضع يشبه الدخان في أشد حالات اضطرام النار القوية..!

وصلنا بحمدون ..ويا للمشهد المؤثر..!!

الكل يهب في وجه القادمين يستحثهم على الاختفاء والتمويه..الكآبة بادية على الوجوه والخوف والقلق علامات بادية للعيان ..ومن خلال النظرات..ولكن على الرغم من ذلك-فإن تيارا حياتيا يستمد روحه من التجمع يتولد لدى الإنسان..بخلاف وجوده في حالة من الوحدة والانفراد..! فضلا عن روح  الشعور بضرورة الذود عن الوطن والدفاع عن النفس…

الكل يحاول أن يتشجع من خلال تشجيع الآخر الذي يبادله الموقف.

الشجاع يبث الثقة في النفوس المضطربة..

مؤشر الإحساس بالعمق – عمق المعانات في الموقف- يزداد..ويكاد يبلغ الذروة إذ تتحدد الوجهة..وتعرف المهمة..القتال..الحرب.. والقتال المباشر أيضا..الالتحام ربما..!

الموقف الذي تجلى حين تلقي الأوامر في المرة الأولى ،يتجلى مرة أخرى  ولكن بعمق اشد..كانت الوجهة مواجهة الموت..وحدث ولا حرج..

خلال المسافة ما بين المخبأ والساحة ماذا يتفاعل في نفس المرء..؟!

كم شهقة كادت أن تظهر ولكن الإباء يخنقها..!

كم دمعة تكونت وكادت أن تنحدر ولكن الأنفة تحجزها..!

كم كانت الأم حاضرة في ساحة الشعور وهي تحتضن أطفالها،والأخت في صباها الرقيق الثاكل..والأخ..والأصدقاء..والرفاق…!!

ولكن الحضور الأكبر كان –في تلك اللحظة – لله الذي تجلى في ساحة الشعور بكل عظمته التي أحيا حضورها ،المعاناة..!!

وكانت قمة القمم قرار النزول والانتشار والهجوم..!

كان الموقف قويا.ومفاجئا لدرجة فوّتت علينا الشعور بالمخاوف المنتظرة من القتال كم ينبغي..تقديرها..!

(سوق الغرب) بلدة صغيرة في جنوبي غربي مدينة (عاليه)المعروفة في لبنان وخارجها..وكمعظم مدن وبلدات وقرى لبنان ،تمتد دورها على جانبي الطريق الذي يقسمها إلى قسمين.وتتلاقى بيوتها من الجنوب مع بيوت (عيتات) التي تلتقي مع (كيفون) وينحرف المسار نحو الغرب حيث (شملان)و(قبر شمون) وكلها بلدات صغيرة تلامس أطرافها بعضها بعضا على جانبي الطريق الممتد نحو بيروت بعد أن تنحرف نحو اليمين متجهة إليها.

نزلنا في ملتقى قريتي (قبر شمون) و(شملان).  وحددت المهمة في الهجوم على مدرسة في وسط المنحدر الجنوبي من نقطة هجومنا،حيث يتمركز العدو الإسرائيلي. وفي نقطة أعلى أبنية مشرفة ،قال القائد الدليل إنها صديقة،وبدأ الهجوم..

أسلحة فردية قوامها:كلاشينكوف-رشاش ديكتاروف-قاذف ر.ب.ج..ومسدس مكار وف ..وقنبلتان يدويتان لكل مقاتل إحداها هجومية والثانية دفاعية ..

كانت الخطوة الأولى متعثرة تحت وطأة القصف والرش، ولكن العقيد إسماعيل-القائد والدليل –استطاع أن يزيل بعض الارتباك والتعثر بالتشجيع تارة، والتهديد أخرى.. لدرجة انه هدد كل من يتراجع بالقتل، سيقتله..ولا أدري –طبعا- هل كان جادا أم انه من قبيل التحفيز للروح المعنوية- فقط- لدى المقاتل،وقطع الطريق على التفكير بالتخاذل..؟!

المنطقة مشجرة بكثافة ..والأهداف لا ترى بوضوح من خلال ظروف الطبيعة، ومن خلال صعوبة سيطرة القيادة وتوجيه الأوامر ..ومع ذلك فقد تابعت عناصر من قواتنا هجومها البطيء،أو إذا شئنا الدقة اشتباكها مع العدو مباشرة..وانكفأت بعض العناصر إلى الخلف مختبئة في خنادق هي عبارة عن أسوار للبساتين، أو مصارف مياه شكلت –مع كثافة الأشجار –مخابئ حسنة على الجهة الجنوبية للطريق المحاذي..

ولعل تسمية بعض العناصر المنكفئة مما يفيد في تقدير وضعهم النفسي وسماتهم تجاه حدث القتال: جميلي-بخوري- ص.عرب،. ن.الروكان-ح.الجاسم-ف.خلو-ج.قطران-ع.عرفات-م.خلف-ي.شرقي-جميل-ا.حريري-ب.خلف-ع.الجاسم…الخ.

وهناك أسماء أخرى لا أتذكرها للأسف-قليلة هي على كل حال.

على كل حال لم يكن أصحاب هذه الأسماء في مستوى واحد، فقد كان بعضهم يستجيب بنوع من السرعة-أو ربما بتثاقل نوعا-للتوجيه والأوامر، في حين كان البعض الآخر مشلول الاستجابة تقريبا.ولولا أني هددتهم لما استجابوا مطلقا للانضمام إلى رفاقهم. ولقد كنت أرى الوجوه نفسها في كل حركة تراجعية، او تخلف عن المسير والتقدم.ولا سيما الآتية أسماؤهم:

شرقي-عرب-روكان-هيثم-عيد-حسين-حريري-صافية-عرفات-درويش.

وقد جرح في بدء المعركة كل من:

-الرقيب جمعة قريوي (حلب)، وكان جسورا في لحظة جرحه ولم يكن جرحه خطيرا

– المجند علي ياسين (الرقة) والذي نقل إلى المستشفى في عاليه ثم فقد بعد انسحابنا ولم يعرف له نهاية.

– المجند ع .حسن- والمجند عبد الرحمن صطوف(حماة)- والجندي  علي فاروق ( غمراوي) وكان جرحه طفيفا ،بل كان جرح الجميع غير خطر .

كنت محتميا بجدران مبنيين متجاورين بينهما ممر ضيق بعرض مترين تقريبا، وكنت أراقب سياراتي المحملة ذخيرة حربية وطعام وحاجات مختلفة للعناصر.وكانت مصفوفة إلى طرفي الطريق تحت أشجار الصنوبر الباسقة والتي تمتد أفرعها في بعض الأحيان إلى مستوى وسط الشارع الذي يقدر بعشرين مترا عرضا.

في تلك الفترة كنت ممزق النفس لا أشعر بحالة معينة ..فلا خوف  ولا أمن ولا إقدام ..ولا صورة واضحة في الذهن للتصرف..

كانت تنازعني الأفكار. وكنت أتساءل أحيانا عن انتمائي أهو إلى الشجاعة أم إلى الجبن؟ أية حال أصنف نفسي فيها؟

كنت مالكا لتفكيري ولكن مشاعري كانت قلقة ..ظللت أقاوم في نفسي ،الفزع ..شجعني على ذلك حركة القائد إسماعيل في ذهابه وجيئته في الشارع  المكشوف وسط أزيز الرصاص وقصف قاذفات ألـ:ر.ب.ج.

وزادتني شجاعة رؤيتي لأحد الشباب، علمت انه يدعى محمود –فيما بعد-وبأنه سوري من أصل لبناني وهو يخدم في الجيش السوري.كان قد خلع قميصه وشده على وسطه وهو يمشي في الشارع بدون سلاح، وكأنه في نزهة، وصل إلى الدار التي كنت محتميا بجدارها، وطرق الباب فخرج صاحبها وإذا معرفة تجمعهما. طلب ماء فناوله قنينة ماء، شرب منها، وناولني لأشرب منها أيضا، بل وفتح بابا للاطمئنان في قلبي من جهة صاحب الدار، وكذلك فعل معه.

أطلت فتاة تحكي بغنة في نطقها للحروف. سلمت على محمود، وقالت مداعبة:

:هل ستموت يا محمود؟ ثم دعت له بطول العمر والبقاء.

هذه الحادثة القصيرة وفّرت لي جوا لملمت فيه مشاعري القلقة، ووطّنت النفس على الشجاعة. فلا مفر منها إلا إليها. الموقف مفروض، ولا حيلة لي سوى البقاء. فلماذا لا أكون مهيئا لتقبل المعطيات كلها بشجاعة وصبر؟!

أحببت التعرف على المنطقة المحيطة ..تنقلت بين الممرات والأزقة.. لاحظت دورا مهجورة منذ فترة ليست بعيدة ..كما لاحظت آثار مجلس طعام أو شرب شاي ،أو ربما تضميد جروح..كان ذلك واضحا عبر البطانيات المفروشة ،وأواني الشاي وأكوابه والضمادات الفردية والمشتركة ،وقناني المياه المعدنية ..

كان الحذر يطيع تحركاتي بتلقائية قلما أنتبه إليها ..حاولت التعرف على الموقف عن كثب مرتين ولكنني لم أفلح ..كانت العناصر قد دخلت بين الأشجار ،وتمركزت خلف الجدران والأشجار، فلم ألمح أحدا..وفجأة لاحظت السائقين وهم يطلبون الرجوع بسيارتهم إلى الخلف بإلحاح ..ويشيعون بأن قواتنا تتراجع ..وبأن القصف يهدد السيارات المحملة !

رفضت بإصرار ..كانت المناقشة حادة بيننا عندما مرت سيارة متراجعة فيها بعض الجنود، فصاح بي السائقون :((انظر إن هذه سيارتنا الثالثة وهؤلاء هم زملاؤنا بقيادة م.حسين-م.جاسم.

عندئذ أعطيتهم امرأ بإعادة السيارات إلى الخلف ولمسافة حددتها لهم لتتمركز تحت أغصان أشجار ممتدة نحو الشارع، تساعد على إخفائها عن رؤية الطيارين، لتجنيبها القصف الجوي.أتيحت لي فرصة لكي ألملم العناصر المتخلفة والمشتتة، ولأحدثهم بالود حينا، وبالعنف حينا آخر، أستحثهم للالتحاق بقياداتهم وزملائهم ..كانوا يقاومون بيأس للبقاء في مواقعهم التي احتموا بها؛ محتجين بشتى الأعذار والافتراضات.ولكني أصررت على تقدمهم.  جمعتهم في رتل. وضعتهم بقيادة أحد العناصر الذين توسمت فيهم القدرة أكثر من الآخرين.

……………………………

هذه المادة وغيرها ، المنقولة الى الموقع تحتاج اعادة نظر للعلم.

المزيد من المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *