محاربة الثقافة منهج هادم

برزت دعوات –هي ليست جديدة –ولكنها تتجدد ،ويبدو أنها تجد لها طريقا إلى التفاعل مع بعض القوى الحزبية الكردية-كما هي في نهج النظام-..لتصبح ثقافة مكرسة..وكأنما محاربة الثقافة أصبحت جزءا من “النهج النضالي” للبعض..!!
هذه الدعوة إلى التضييق على الثقافة والمثقفين بحجج –اقل ما يقال فيها أنها متهافتة،ومخالفة لقيم الديمقراطية التي يتغنون بها صباح مساء.!!
فالاتهام بان هؤلاء المثقفون-والموصوفون من بعض هذه الجهات – بمختلف النعوت وأهمها أنها مأجورة..ودون تحديد ماهية هؤلاء المثقفين”المأجورين” للتخفي خلف حجج ؛حول أصحاب الأسماء المستعارة ؛ وتتخذ منها وسيلة لتبرير هجومها على الثقافة بطريقة ما يسمى –عادة –خلط الأوراق..
هذه الدعوات هي صفة ملازمة للروح الاستبدادية، -وأحيانا- الخائفة من معرفة الشعب-الجماهير- لحقائق مسيرة الحياة في ما يتعلق بمناهجها وتاريخها.. والمنطوي –في الغالب-على عجز او قصور او …الخ. بالنسيبة للغاية التي وجدت لها أصلا..وهي النضال من اجل قضايا شعوبها وجماهيرها..
هذه الجهات-عادة- لا تكلف نفسها مهمة التفريق بين الجانب السلبي والجانب الايجابي في هذه الكتابات ،ومن ثم نوعية المثقفين-بروح نقدية تتسم بالمنطق والتحليل الموضوعي-
فذلك لا يهمها –غالبا-..
هي –فقط- تريد أن تفرض جوا صامتا او ممالئا لها ببغاويا…ليفرغ لها الساحة وحدها بما تظنه هيمنة على اتجاهات التفكير لدى الجماهير.
بأسلوب رافق حياتها منذ البدء..وتخشى أن تفقد هذه الهيمنة المظنونة من قبلها عبر استثمار غير موضوعي لبعض المواقف والمظاهر..كأن يفسروا –مثلا –عدم التجاوب مع خصومهم في موقف ما فيفسروه موقفا مؤيدا لهم..وهم يعلمون خطل ما يفعلون..ولكنها تصيد –كما يقال- في الماء العكر…
فتبذل الغالي والنفيس في التمسك بما يشعرون بها مكتسبات خاصة لا يريدون لها فقدانا..
تتخذ هذه الجهات مدخلا للهجوم على المثقفين بان بعضهم من أصحاب الأسماء المستعارة..وهذا صحيح..ولكن في أي زمن ومكان لم يكن هناك أصحاب الأسماء المستعارة موجودون مادام الاستبداد والظلم أداة قمع لكل رأي حر ومعارض..؟
الم يكن من البدرخانيين من استعار أكثر من اسم-ثريا –مثلا. وأنتج ذلك ثمرا ثقافيا وصحافيا تظل هذه الجهات ذاتها تحتفل بها سنويا..؟ بل وتتبجح بها أيضا..؟!
أما أن نطلب من الكتاب والمثقفين أن يرتقوا بمسؤولية الكلمة ..فهذا ديدن كل مثقف حقيقي يحترم نفسه، والقيم الثقافية التي يؤمن بها…
ولكن من الطرف الآخر ..هل كانت هذه الجهات مرتقية دائما بأسلوبها في الوصف والنقد للمختلفين سياسيين كانوا أم مثقفين..؟!!
هل نكيل بمكيالين؟
نستنكر دوما “الكيل بمكيالين” من الخصوم وخاصة السلطات ولكننا نكيل مثلها بمكيالين أو أكثر..
“لا تنه عن خلق وتأتي مثله….عار عليك اذا فعلت عظيم”

ومن الوسائل المستنكرة لجوء هذه الجهات إلى تهم جاهزة ومفبركة –كما تفعل الأيديولوجيات والأجهزة الأمنية – كالطعن في الوطنية لأنهم مختلفين معها في اتجاهها وأسلوبها
فاتهام احد –أية تهمة ومنها الاتهام بوطنيته- ينبغي أن تكون وفقا لأدلة ملموسة بطريقة حقوقية خبيرة ونزيهة وموضوعية…. وليس من جهة أو جهات أو أشخاص سياسيين “حزبيين”.
بل المفترض أن تكون هناك آليات واضحة وموافقة لمعايير محددة ومعروفة من المجتمع.كقيم قانونية وأخلاقية…الخ.
آليات تمثل اتجاه عموم القوى الفاعلة في المجتمع ..في صياغة قانونية واضحة يحكم وفقها مختصون ..ولهذا كانت الشعوب تنشئ المحاكم وتوكل أمر تحقيقها إلى مختصين –قضاة ومحامين..وخبراء..الخ.
ودون التقليل من شان الأحزاب السياسية الكردية..فإنها عمليا في وضع تعاني من إيجاد توافق بين إرادة الشعب وطبيعة مسارات العمل لديها..فكيف تعطي بعضها —وهي تمثل الأقل- كما هو منظور في الاستنتاج- نفسها الحق في أحكام شمولية وقطعية …وكأنها تمثل محاكم قانونية منتخبة من غالبية الشعب..؟!
ويؤلم فعلا أننا لو قارنا أسلوب هذه الجهات مع أسلوب جهات أمنية لوجدناها تكاد تتشابه من حيث الشكل…وربما المضمون أيضا في بعض حالاتها..
فهي تحكم –بعيدا عن القانون- على الرأي ..أحكاما ليست دقيقة منطلقة من مصالحها ذاتها لا مصلحة الجماهير ولا مصلحة الوطن..!
كلنا يعلم أن المجتمعات المتقدمة ما تقدمت إلا لأنها انتهجت الحرية مسلكا ..وقد ألغت كل اتهام على أساس الرأي والسياسة..وجميع الناس يرددون هذا يوميا في الصحف والمجلات والتلفزيونات والإذاعات والنت…الخ.
أما حجة أن هؤلاء المثقفون يؤثرون على الجماهير فيبعدونها عن الأحزاب “الحركة” فهي مدعاة للتنكيت فعلا..
فإذا كان هؤلاء المثقفين قادرون على التأثير بوجود مجموعة أحزاب كلها تؤكد أهميتها النضالية وفاعليتها وجماهيريتها باستمرار ..فماذا تمثل ادعاءاتها ومزاعمها إذا..؟!
ان ذلك يعني ضرورة مراجعة هذه المزاعم إذا..والاعتراف بواقع هشاشة هؤلاء البعض..
وإذا كان هؤلاء المثقفون يؤثرون على الجماهير –من جهة أخرى- فأنهم –إذا –يطرحون ما يقنعها..وهذا حق لهم ولها…
وإما أن هذه الجهات تتهم الجماهير بقصورها ولا وطنيتها فهي تستغل كتابات هؤلاء المثقفين لتبتعد عن أحزابها…وهنا تكمن الطامة الكبرى..
بعد نصف قرن من تربية “نضالية” بوسائل فائقة الحكمة-كما تكرر هي نفسها دائما- يأتي حفنة من المثقفين المأجورين ليصرفوا هؤلاء المناضلين عن عملها النضالي ..القويم..!!
ألست هذه نكتة وسمجة أيضا..؟!
لقد بلغ السيل الزبى –كما يقول المثل العربي…!
كل أمم العالم تبحث عن الرقي بثقافة أبنائها، وتدفع من اجل ذلك الغالي والنفيس..
ويأتي من يحارب -بلا هوادة- المثقفين جميعا بأسلوب محترف لتبرير إخفاقاته السياسية او للخوف من خسارة مكاسبه الخاصة على حساب الشعب..ولا يدور بخلدهم –ولو للحظة- ان يراجعوا خططهم ومسيرتهم ليصححوا ما فيها من اخطاء –هي صفة ملازمة للبشر جميعا – ويبدو ليس بعض السياسيين بشرا فهم لا يخطئون..بل دوما يكررون سياستنا الحكيمة والصائبة…!!

وعلى الرغم من إنني لست من الذين يدعون إلى التقليل من شان أي شريحة أو طبقة أو فئة في المجتمع-كما تفعل بعض الأيديولوجيات..إلا أن البعض يدفع –أحيانا –باتجاه رد فعل لا نحبذه في حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية ..فالحياة وحدة .وجوانب-الاختلاف- مجرد أوجه لهذه الوحدة تتجلى بطرق مختلفة تصب جميعا –افتراضا- في تكوينات هذه الوحدة المطلوبة. بطريقة يمكن تطويرها .

فمصطلح الحركة يفترض التوافق على أسس جوهرية تلتقي حولها الأحزاب..
ولكن البعض منها يتبع أسلوبا فيه نوع من تضليل، إذا يستخدم مصطلح “الحزب” او “حزبنا” عندما تكون الفكرة المطروحة ذات معنى وقيمة –في نظره- ولكنه يهرب إلى مصطلح ” الحركة” عندما يحاول دغدغة العواطف أو توزيع المسؤولية في الخطأ أو الفشل أو ما شابه..!”حنكة في غير محلها بمقاييس مصداقية النضال.
إذا كان هناك مقاييس قانونية ،ومنطقية، فليضع هؤلاء هذه المقاييس ويوضحها، لكي يلتزم الناس بها، وطبعا من خلال حوار شامل بين الرموز الثقافية المختلفة –حزبية أو مستقلة أو…في إطار جهد جماعي في صيغة ديمقراطية صحيحة –لا صيغة الديمقراطية التي لا تكون صحيحة بإخضاع الرؤية و العمل الحزبي لأشخاص واتجاهاتهم الخاصة..
وتصبح وقراراته، وتوجيهاته، وكشفه الغيب، وقراءته للماضي التاريخي، والمستقبل الغيبي… الخ- وكأنما قد فاقوا الرسل والأنبياء الموحى إليهم..
عجيب هذا التناقض..!
إنهم يشتكون صباح مساء لأن السلطة تحرمهم التعبير وممارسة الأنشطة السياسية ..ولكنهم يضيقون ذرعا بملاحظة من مثقف هنا أو هناك-مع الاعتراف بوجود بعض الذين لا يتصرفون بوعي ومسؤولية ، ومسؤولية أخلاقية خاصة تستلزمها المهمة-
ولكن هل كان السياسيون-الحزبيون- موفرين لهذه الصفات :الوعي والمسؤولية والخاصة الأخلاقية التي تستلزمها المهمة..؟
إذا كان لهؤلاء من أدلة على ما يتهمون به المثقفين أو بعضهم بعضا ، فليبينوها وليحددوها..وليعرضوها على الرأي العام..طبعا ما عدا ما قد يكون سرا لا يمكن اخراجه.
أما أن يتخذوا من بعضهم حجة لمحاربة المد الثقافي المتزايد بحكم تطور الظروف بالرغم من كل المعيقات السلطوية عبر التضييق على الفكر الحر –كما تشتهيه هذه الجهات الكردية أيضا وكأنها معجبة بهذا النمط من التحكم- ..
إذا كنا نريد أن ندعو إلى شيء فلندع إلى بذل الجهد في بناء الذات الثقافية –بيئة نشاط المجتمع كله ومنه السياسي- ولندع إلى السمو بالكلمة إلى مستوى النقد الواعي والمسؤول، والمعزز بالحجج المنطقية..والعرض الموضوعي لها..
وهذا ينطبق على جميع الناس الذين يتداولون عملية النقد سواء داخل الأحزاب او خارجها..مثقفون او متعلمون او ذووا خبرة ميدانية فحسب..
بقي أن نسأل هؤلاء..
لم يظهر النت ونشر الكتابات المؤثرة في التفاف الناس حول “أحزاب تمحورت حول ذاتها” وغلب في سلوكياتها التمحور حول مصالح شخصية في قالب سياسي –كما هي عادة المتهافتين على السياسة دون القدرة على اكتساب الأخلاق النضالية و التي من أهم خصائصها: القدرة على التضحية جرأة وإيمانا واستعدادا..
فكيف كانت حال هذه الأحزاب قبل النت؟
هل كانت على مايرام؟
هل كانت الجماهير ملتفة حولها؟
وهي ذاتها كيف كانت تعاملاتها مع بعضها ولا تزال…؟!
انتشر النت منذ سنوات قليلة فقط…فمن يحمل وزر ما قبل النت..؟!
رحمة بأبناء هذه الشعب المنكوب..
فإذا كانت إجراءات النظام لم تنبه غالى أهمية الشعور بالمسؤولية تجاهه، فماذا تنتظر هذه الجهات حتى تشعر ببعض رحمة تجاه بني جلدنها..؟!
هل المصلحة الشخصية بهذه الأهمية إلى درجة التضحية بالخطوات التي نأمل منها بعض تنفيس وتطوير في حياة الشعب..؟
لكي تصادر أيضا من جهات لا تملك من القوة شيئا في الميدان.. فكيف إذا ملكتها..؟!
يحضرني هنا قول للسيد عبد الحميد درويش تحت خيمة عزاء آل جتو في ديرك وكان المرحوم كمال درويش أيضا حاضرا..وكل منهما معه بعض رفاقه..قال في نقاش مع بعض الآبوجيين: ما معناه:
نحن نسعى لنظام نعيش في ظله بحريتنا فإذا كنا سنفقدها في ظل نظام كردي مستبد فلا نريدها، وخير لنا أن نبقى في ظل نظام غير كردي نناضل فيه من اجل حقوقنا. وقد كررت هذا القول في مناسبات عدة!.

 

المزيد من المقالات