ثقافة الغموض وتشظي الآراء، في الميدان السياسي خاصة

ثقافة الغموض وتشظي الآراء
في الميدان السياسي خاصة
هل الإعلام المرئي –خاصة-والمطبوع أيضا، مؤهل لن يكون البديل لتكوين المناخ الثقافي على أركان ضرورية منها، الحقيقة…؟
الظاهر يبدو كأنه يفعل ذلك. فاللقاء بمجموعة محاورين من جهات مختلفة “الجهات الأربع” مثلا في تلفزيون “الحرة” وكذا “حديث النهرين” وفي الجزيرة “الاتجاه المعاكس” وفي مختلف الفضائيات أمثال مثل هذه البرامج…
ما يميز هذه البرامج عدة أمور:
– كل فضائية ممولة ومدارة من جهة لها أجندات سياسية وما يتعلق بها…وهذا يجعل من مصداقيتها –علميا – تحت النظر..إن لم تحت الشك.
– كل مقدّم برامج –إضافة الى الرؤيا والمنهج الخاص بالفضائية-والمطبوع- له ما يتأثر به من ميول سياسية أو دينية أو طائفية أو مذهبية…الخ. ولا توجد معايير محددة منطقية وقانونية وضابطة بمقياس محدد لمجريات الحوار والمقابلات …لذا فالغالب فيها هو طبيعة ثقافة هذا المقدم وما يرغب من اتجاه يسود في النتيجة، ولذلك أكثر من أسلوب نذكر فقط اثنين:
• إفساح المجال للبعض أكثر على حساب البعض بوضوح لا لبس فيه.
• إعطاء الفسحة الأخيرة لمن يرغب لتكون مداخلته الأخيرة في ذاكرة المشاهدين..
فضلا عن أسلوب الفوضى الذي يفرضه المقدم على البرنامج لغاية معينة كما في الاتجاه المعاكس غالبا….-وهو برنامج له الفضل الكثير –بالرغم من علّاته- على تحرر التفكير لدى الكثيرين من المشاهدين في ظروف عتمة الواقع لمدة طويلة في المجتمعات المتخلفة-العربية أساسا-.
لا نقلل من شان الإعلام ودوره التنويري لكننا نسجل عليه أنه لا يمكنه أن يحل محل الثقافة والعلم والبحث فيهما وبطرقهما المنطقية المحددة للوصول الى الحقيقة الثابتة تجريبيا- علميا- أو منطقيا …
يصب ما نذكره الآن في ما أشرنا إليه في مقالات عديدة سابقا حول دور سلبي في الثقافة السياسية والتي أصبح الإعلام أشبه بواحدة من شعب هذه الثقافة للأسف. مع ان الأصل ان الصحافة هي هي الوسيلة المباشرة والفاعلة في الكشف عن الأخطاء الميدانية والسياسية وكل ما يتعلق بها.
لكن غلبة الثقافة السياسية على أسس خاطئة ومشوّهة أيضا أفقدها الأهمية في مهمتها هذه وتحولت الى مجرد
أداة بيد المتنفذين خاصة السياسيون والمتحكمون في الاقتصاد وبالتالي بالقوة المؤثرة في أي شكل –على الحياة ومساراتها.
…………………………………………………………………………………………………………………………………………………

المعلومة والحقيقة والإعلام
إذا توقفنا قليلا على نتائج علم النفس ، وحقائق الواقع، ودور التاريخ …سنجد أن للقوى النفسية الحيوية الفاعلة والواعية في الإنسان دورها الخاص لاسيما الذاكرة تحديدا…طبعا الكثيرون يعرفون هذه المعلومات ولكننا نكررها لأمرين:
– ربط الأفكار ببعضها لتشكيل سياق متكامل تتضح فيه الأفكار المعروضة.
– نتيجة ظروف منها موضوعية ومنها نتائجها الذاتية –أو ذاتية خاصة- تأثر كثير جدا من الشباب بالثقافة السياحية –بتعبير بعضهم-…لذا فإنهم قد يحتاجون إلى معرفة بعض المعلومات التي لم يطلعوا عليها، أو اطلعوا عليها لكنهم لم يثبتوها في رصيدهم المعرفي التحصيلي..والتخزيني-إذا جاز التعبير-.
إذا القوى الفاعلة في النفس الإنسانية هي التي تسهم في تشكيل الوعي ومن ثم المواقف والسلوك وعلى رأسها الذاكرة فيما يتعلق بالمعلومات خاصة..
ولكن الذاكرة لا تمارس فعاليتها المفترضة من دون حالة الانتباه، والاهتمام و… لتوفير حالة تركيز تمكّن من حفظ وتخزين المعلومات وسهولة استعادتها عند الطلب…بإرادة، لا عن طريق تداعيات لا يمكننا التحكم فيها …!
من هنا على من يتصدى لأن يكون مصدرحقائق يقينية…عليه أن يتمتع بعدة مواصفات:
– القدرة على الانتباه والتركيز ومن ثم حيازة ملكة التمييز والفرز والتصنيف….
– قوة الذاكرة –او على الأقل – اعتياد تدوين كل ما يتلقاه من معلومات على دفتره الخاص..لتبقى طوع إرادته كلما احتاج…والمثل الإنكليزي يقول: ” الحبر الأضعف أقوى من الذاكرة القوية”.
– الإيمان بالمهمة التي يقوم بها –وهي هنا – نقل المعلومة كما هي بصدق.
– تقتضي المهنة-والاحتراف- التدرّب على كل ما تحتاجه مهنته-وهي هنا المهنة الإعلامية…ومن مقتضيات ذلك؛ القدرة على تغليب رؤيته الموضوعية على المؤثرات الذاتية في حياته …وهي مهمة ليست سهلة…
فالانفعالات والميول …جزء أصيل في الشخصية، لا ينبغي استئصالها وإنما ينبغي ترويضها ووضعها في سياق يمكن للعقل أن يرتب فعاليتها من جهة ويحسن أن يمتص هذه الفعالية للقيام هو أيضا بفعاليته..!
وهنا نتساءل: هل اتبعت المؤسسات الإعلامية الشروط المطلوبة للوصول إلى المعلومة بمنهجية صادقة هدفها تصوير الواقعة-والواقع- وترك الجمهور يقرر ما يفترض من مواقف تجاهها..؟!
أم إن الإعلام سقط في وظيفة عمله الحيادي –بغض النظر عن بعض انحيازات بسيطة لا تغير من حقيقة الواقعة والحدث(الواقع) بل وأصبح الإعلام في ظل ثقافة الأيديولوجيا لاسيما الأيديولوجيا الماركسية وما تشربتها وان بتغييرات ما –وقبل ذلك فقد كانت الأيديولوجيا الدينية تسخر كل الأمور لتوجهها ولا ينسى احد قول ذلك- أولئك- الذي قال: نحن نحرف أحاديث الرسول لمصلحة الدين…ومن حسن الحظ آن هذا النهج لم يكن مقبولا لدى العلماء الأوائل في الإسلام وهذا ما دفعهم إلى غربلة الأحاديث الصحيحة عن الموضوعة كما قال احد الخلفاء.
إن أردنا أن نفيد كأصوات تحاول أن تسهم في بعض مسارات الحياة..فلندع جميعا وبما أمكن من الضغط-أن يتحرر الإعلام من تأثير السلطات الرسمية حتى إن أدى ذلك إلى بعض استغلال من جهات خاصة فإن العلاقة بين الشعوب والإعلام ستسهم في ردعها كما في الاقتصاد ونظرية البريطاني آدم سميث:
“السوق يدير نفسيه بنفسه”
كذلك العلاقة المفتوحة بين الإعلام والشعوب ستجعل –او تؤسس –لمعايير يصنف عبرها كل إعلام.
…………………………………………………………………………………………………………………….
المشكلات في الشعوب المتخلفة ثقافية أساسا
من الإجراءات المنطقية في معالجة المشكلات هي: أن تحلل هذه المشكلات وفقا لبرنامج أكاديمي، متسلسل، مشتق من نتائج التجربة البشرية العامة والخاصة. وروح إبداعية –ذات قوة حدسية – تجمع نتائج التحليل إلى نظرة كلية؛ نافذة، عميقة، ساطعة… للكشف عن السبب –أو الأسباب-سواء على شاكلة الاستبصار، أم الانبثاق الطبيعي عن صحة التحليل، وخطواته المنطقية التي مرت بها العملية…
فإذا قبلنا هذه المقدمة، يفترض بنا أن نتقبل النتائج المنطقية-الموضوعية-لها أيضا، انسياقا مع القاعدة المنطقية القائلة: “بحسب المقدمات تكون النتائج”.أو بتفصيل أكثر:
“المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة، والمقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة”.
انطلاقا من هذا –المبدأ -أو المسار المنطقي نحاول أن نبحث في أسباب المشكلات التي تحصل في المجتمعات المتخلفة عموما –والمتقدمة أيضا – ومن ثم رد الفعل –أو الموقف – منها في الفهم والمعالجة…مع ملاحظة أن المجتمعات المتقدمة امتلكت هذه الآليات –وعيا نظريا، ونتائج الخبرة العملية …لذا فهي مبادرة دوما في علاج مشكلاتها وغالبا –أن لم نقل دائما-تحسن المعالجة. بخلاف المجتمعات المتخلفة المترددة والحائرة –وغالبا –الخاطئة في خطواتها في التعامل مع مشكلاتها.
ولنأخذ المجتمع العربي نموذجا باعتباره الأقرب من جميع النواحي ألينا فنحن نعيش فيها، ونعرف الكثير من أساسيات ثقافتها المترجمة أدبيات نظرية، وسلوكا عمليا يجسد تطبيقاتها.
ولكي تكون الصورة أوضح دعونا نفرق بين بعض المفاهيم المتداولة ودلالاتها:
– مفهوم العرب وكل ما يشتق منه باعتباره يمثل عنوانا-اسما-لجماعة بشرية سمها شعب، سمها امة، أو سمها مجتمع…. فهي جميعا تعني جماعة اجتماعية في أوجه مختلفة من حيث الدلالة الاجتماعية أو السياسية…ومن هذه الاشتقاقات مفهوم “العروبة” وتعني روح العرب.
– مفهوم “العروبة” السياسية؛ والتي بدأ تبلورها بقوة في فترة ظهور المد القومي في الشرق، إثر تشكله كعنوان للتأسيس للمرحلة السياسية الأوروبية منذ ظهور البورجوازية؛ كقوة صناعية وتجارية، استلزمت انتهاء الحالة الإقطاعية المعيقة للنمو الاقتصادي- بحسب تحليل البعض-..واستمرت حتى الربع الأخير من القرن العشرين؛ ليتجه نحو مفهوم المواطنة، والتي تتجاوز القومية، ومن ثم اتساعها لتبلغ مستوى تجاوز الوطنية؛ إلى وحدة الشعوب-أو ائتلافها بشكل ما- ضمن مفهوم جديد كما حصل في أوروبا مثلا “الوحدة الأوروبية” والتي بدأت اقتصاديا في ملامحها العامة، و انتقلت إلى بلورة الشق الاجتماعي، والثقافي رويدا رويدا، على الرغم من بعض المعيقات–ذات الطبيعة الثقافية والتاريخية- والتي لا تزال تعرقلها بطريقة ما …
هذا المفهوم ” العروبة” أصبح سياسيا –ذاتيا- بامتياز، على يد الأيديولوجيين القوميين العرب؛ ابتداء من الناصرية ومرورا بالبعثية –بل وانتهاء بها أيضا..فقد استثمرت هذه الاتجاهات القومية المتطرفة، هذا المفهوم –وربما بإيحاء غير مباشر من اتجاه غربي، لغرض في نفس يعقوب- وبالغت في تمجيده وتعميمه كثقافة أنتجت شعورا مرتبكا في الثقافة العروبية –بهذا المعنى- وامتدت بدرجة أو أخرى إلى الثقافة العربية القومية الطبيعية-المشار إليها سابقا- في ظل هذه الحالة …
ومن المؤسف أن هذا الامتداد إلى بنية الثقافة العربية جعلها تخضع لمفهوم (العروبة السياسية) على حساب مفهوم العروبة الاجتماعية الطبيعية –لغويا، ومعنى ثقافيا مترجما إلى سلوك-.
ربما في هذه النقطة -والتي هي بمعنى ما- امتداد للثقافة العرقية القبلية قبل الإسلام- تكمن مشكلات المجتمع العربي-أو المجتمعات العربية- بمعنى أدق لأن الحالة الثقافية تختلف من مجتمع عربي خليجي مثلا عن المجتمع المصري أو السوري أو الليبي العربي…عموما، بسبب اختلاف ظروف نمو الثقافة في كل منها –بغض النظر عن الأسباب-.
وهناك من المجتهدين في علم الاجتماع السياسي من يستخدم مفهوم “الشعوب العربية” وان كان المنظرون الأيديولوجيون يعترضون على ذلك. فمن الشطط الذي يرتكبه الأيديولوجيون أنهم يُخضعون الواقع إلى ثقافتهم- النظرية- دون الاعتبار لدور وتأثيرات الواقع…
ولعل الأمر عند هذا الحد ليس مشكلة كبيرة ربما فيما يتعلق بالطموح إلى تحقيق الوحدة ، فكل الشعوب تنحو نحو أن تكون وحدة ضمن وطن، والطموح نحو وحدة عربية ضمن وطن عربي واحد متكامل الثقافة والاقتصاد …الخ. طموح مشروع منطقيا وثقافيا ونضاليا …
ما هو غير مشروع أن يستثمر الأيديولوجيون هذه النظرية للتحكم بقيم اجتماعية وثقافية تخدم منهجهم السياسي، والذي ينتهي –عادة- إلى تحكم واستبداد في المناطق-والبلدان والشعوب –التي يحكمونها، كما حصل مع الناصرية في حقبة ما، وكما حصل مع البعث في العراق وفي سوريا، والتوجه الأيديولوجي في الحركات القومية المتطرفة حيثما كانت..
هنا- ربما- تكمن المشكلات الأساسية التي تعاني منها الثقافة العروبية عموما بشقيها القومي الطبيعي والقومي الصنعي- اذا جاز التعبير- على أساس أيديولوجي ..يمثله مفهوم العروبة السياسية.
……………………………………………………..
ملاحظة:
هذه المادة وغيرها ، المنقولة الى الموقع تحتاج اعادة نظر للعلم.

المزيد من المقالات