السياسة في المجتمعات المتخلفة

السياسة في المجتمعات المختلفة
بالمقارنة بين مجتمعات العالم الغربي المتقدم والعالم الثالث المتخلف..نلاحظ بوضوح الأمر التالي:
-في العالم المتقدم المشتغلون بالسياسة قلة قياسا الى مجموع الشعب،الآخرون منصرفون الى أعمالهم ومشاريعهم وهواياتهم وحياتهم الخاصة. ولذلك فهم ينتجون ويبدعون ويعيشون هواياتهم وخصوصية حياتهم في أحسن أحوالها..خاصة انه لا يوجد خوف من السجن والتحقيقات السياسة ..ولا يتدخل الأمن في حياتهم المباشرة..ربما هذه الأجهزة تتابع الناس في أدق تفاصيل حياتهم،وتعرف عنها أكثر مما تعرفه أجهزة الأمن في بلادنا،هذه التي تحشر انفها في كل شاردة وواردة في حياة المواطنين وبدون أهلية سواء لجهة التعامل الإنساني،او لجهة الخبرة في ميدان العمل الاستخباراتي..ولكنهم يعملون تحت غطاء الصلاحيات الممنوحة لهم خارج المطاولة القانونية..ولذا فهم لا يستقون معلوماتهم من خلال التدخل الفظ والمباشر وغير القانوني .بل ويستثمرون ذلك في تخويف الناس،واستغلال المعلومات ضدهم عند اللزوم..عندما يريدون ابتزازهم من اجل المال او من اجل قضايا سياسية او أخرى..فالجهاز الأمني في بلاد الشر ق العربي هو موجه بكل طاقاته ضد اطمئنان المواطن وحرية عمله في أعماله ومشاريعه وحياته الخاصة..ولا يعني هذا انه لا يقوم بما هو إيجابي كجهاز له حضوره في ذاكرة وسيكولوجية المواطنين بشكل أو بآخر ولكن الجانب السلبي لديه أطغى.
ونحن لا ننكر الدور الأخلاقي الذي يضمر نتيجة للثقافة المادية والمبالغة في الحرية الشخصية –كما يبدو في الغرب -..ولكن يبدو أن طبيعة الحرية تفرز أشياء غير مريحة..إلا ان الذي يمارسها يبقى مسؤولا قانونيا وأخلاقيا عنها (كل شاة بكرعوبها معلقة).
ومع ذلك فهل منعت الممارسات الشرقية ،المجتمع الشرقي من ارتكابات وانحلالات في القيم..؟ بتقديري ان المجتمع الشرقي يتجه إلى ما يوجد في الغرب من التقاليد الأسوأ أكثر مما يحافظ على قيم نقية –كما تصور عادة –لديها.
-في العالم المتخلف يتهافت الناس على السياسة دون ان تكون نتيجة وعي لها ولدورها سوى تلك المعلومات المغلوطة والمزيفة والتي تدغدغ العواطف والمشاعر يجدلها قادة السياسة لتامين اكبر عدد من المؤيدين لاتجاهها السياسي والذي يغلب عليه الرغبة في المكانة القيادية التي يطمح إليها،ولكنه –دوما –يلبسها ثوبا من معان تدغدغ مشاعر العامة كالقول:ضرورات وطنية وقومية-النضال ضد الاضطهاد-حرية الوطن والمواطن…والعبارات المختلفة التي تخدم هذه الحالات..وبدون ريب فإن تلك المعاني قد تكون صحيحة في كثير من الأحوال..ولكن استخدامها غير الصحيح وبدوافع ذاتية من المهيمنين على مشاعر الناس هي التي تحرفها عن مساراتها..
ولكي يحققوا غاياتهم الشخصية فإنهم لا يراعون ظروف العمل السياسي ومدى تلاؤم العمل مع الإمكانيات ..فمثلا في مرحلة من تاريخ الحركة السياسية الكردية كانوا ينسبون طلابا بعمر الثالث عشر والرابع عشر في الحزب..وكذلك سبقهم العرب في استخدام الأطفال..وهاهو البعث ينسّب ابن السادسة في منظمة ذات توجه سياسي تحت اسم “الطلائع” الهدف منها تنشئة الأطفال على قيمهم ومناهجهم.بعبارة أخرى مصادرة حق التفكير والنشوء ونمو الآفاق من أبناء الشعب بإجراءات سلطوية غير شرعية باعتبارها تنبع من حزب استولى على السلطة انقلابا ولا يزال وان أجرى بعض المظاهر الانتخابية غير الديمقراطية ولا النزيهة.
وفي نظام الإدارة البعثية فإن الطفل في عمر السادة-الصف الأول الابتدائي-يلقن مفاهيم سياسية للخضوع لاتجاهه ومصادرة قدرته على التفكير الحر وعلى الاختيار..ليس فقط في السياسة بل في مجمل اتجاهات حياته ..لأنه يصبح كائنا مسلوب الإرادة النفسية –على الأقل-فيفعل ما يطلب منه منذ السنوات الأولى من عمره ويعتاد ذلك.. حتى في أرذل العمر..-إلا من رحم ربك-وبذلك تنحصر الإدارة دوما في أيد قليلة في هرم السلطة ويتحول الآخرون الى مجرد منفذين ومصفقين للأوامر لقاء بعض فتات من المال(العام) المسخر لمصلحة الحكام بدلا من مصلحة الشعب. أو من مراكز غالبا ما يمارسون فيه دور المنفذ لرغبات الأعلى بدون ضوابط قانونية خاصة ان العلاقة الحزبية تلزم الحزبي بذلك..فضلا عن استثمار قوة السلطة ضد المتمردين على النظام الحزبي أو أفكار المسؤولين فيه..
وهنا الطامة الكبرى..حيث تنمو الشخصية الفردية نموا مشوها..وينعكس ذلك سلبا على الحياة الأخلاقية والإرادية-إذا جاز التعبير- للإنسان فيتحول الى متملق متزلف مصفق لا حول له ولا قوة سوى التفنن في هذه الأحوال السلبية المؤذي لقيمة الإنسان ومعنى وجوده وممارسته للحياة والأهداف التي يفترض انه يعمل من اجلها..وليست السياسة سوى بعض هذه الأهداف والممارسات..

 

المزيد من المقالات