بين الراحة والعمل (مقارنة واستنتاج) وأخرى.

بين الراحة والعمل *
1972
بهدوء وترتيب انتشرت المناضد على ارض النادي. وقد التمت حول كل منضدة أربعة كراسي.
وامتد فوقها أذرع شجرات الكينا السامقة الخضراء فتعطي الوراق حفيفا إذ يداعبها النسيم رقراقا تطرب لنغمته الآذان. وحولها أزاهر كانت ملونة، وأعشاب كانت سندسية خضراء ذات يوم. لكن يد الإهمال أذهبت عن تلك الأزهار ألوانها. وعن الأعشاب خضرتها السندسية ونضارتها فهي في احتضار او تكاد.
الموقع جميل على الرغم من ذلك كله …!
إنه يطل على شارعين رئيسين قلما يخلو من حركة سيارات أو دراجات أو حيوانات او كائنات بشرية. ..
هناك. وبعد قضاء ساعات ثمانية من العمل في المكاتب أو الميدان …التقى الموظفون جماعات جماعات …!
فمن مسترخين على كراسيهم يتبادلون من الأحاديث ما استثارتها جلستهم المسترخية، أو كبتتها نفوسهم أثناء العمل أو كانت تكملة لحديث بدأ سابقا في امسية سابقة من امسيات النادي. وهم الآن في سبيل انهائه.
ومنه متفكرين بمواقع لعساكر الشطرنج، ويبذلان كل جهد فكري، ويستحضران كل خبرة في الحياة وفي اللعب لكب النتيجة. فيما تعالت أصوات طرقات على طاولة الزهر، واختلطت أصوات دحرجة النرد على ارض الطاولة بأصوات اللاعبين. شيش بيش. بينج جهار.
وفي زاوية قصية التم أربعة حول منضدة يلعبون الورق، ولا يقطع سلسلة الأفكار والأنغام سوى أصوات تنادي النادل بين الحين والحين. “كأسة مية محمود”. -“كازوزتين يا محمود وحدة برتقال والثانية كولا”-“خليه يكون بارد…” أو دقات على الطاولة تعارفوا على أنها دعوة للنادل.
وسط هذا الجو الهادئ المريح قد يخطر ببال المرء أن يتأمل هذه النماذج البشرية يتعرف على ملامحها، ويهتدي إلى انتماءاتها الاجتماعية والوظيفية. وسيرى أن في الأمر بعض التيسير ولكن ليس كل التيسير. فقد أذاب الاختلاط والانسجام التمايز في الملامح إلا القليل منه تبدى في منضدة قصية اجتذبت أعمارا متقاربة اشتركت في تجاوز الثلاثينات وجوه اكتسبت ملامح اتسمت بالصرامة والجفاء. وربما الوداعة أيضا ولكنه اتسام يبدو نهائيا.
وتعود الى وقت مبكر من اليوم فتشعر بدهشة قد ينعقد لها لسانك وتضطرب لتذكرها مشاعرك…!
أهذا الشاب الوديع الذي تسري الطمأنينة في تعابير وجهه تقيض عيناه وداعة…هو نفسه ذلك الموظف الذي لم يتورع لحظة ليهين مراجعيه، ويعطل مساعيهم، ويعرقل سير معاملتهم…؟
وهل ذاك الرجل الذي يسترخي على كرسيه ينفث من غليونه دخانا كثيفا عبر بسمات عذبة يتبادلها مع جليسه. هل هو نفسه الذي اختلس من بعض مراجعيه جهدهم وعملهم…؟
وهل يعقل ان يكون ذلك الكهل الذي امتلأت سيماء وجهه وقارا وعيناه ضياء. هل يعقل ان يكون هو نفسه ذلك الموظف الذي استغل جهل مراجعيه وضعفهم ليدس بينهم من يختلس منهم أموالهم بصورة أو بأخرى باسم تسيير المعاملة.
لا..لا.. لن أصدق بأن أولئك الشباب الربعة الجالسين على تلك المنضدة القصية هم انفسهم أولئك الموظفين الذين كانوا يتجاذبون اطراف حديث أجوف، ويتبادلون نكات ينبو عنها سمع الكريم ما بين الساعة التاسعة والثانية عشرة دون أن يلقوا بالا إلى كثرة من المراجعين الذين كانت أوراق معاملاتهم تهتز بأيديهم المرتعشة مع خفقات قلوبهم واختلاج نفوسهم الوجلة الساخطة الحزينة إلى ان جاءهم ذو بسطة في النفوذ فعادوا –خوفا- إلى تسيير المعاملات التي كان الاختيار أساس تسييرها لا الدور الطبيعي.. واعفني من ذكر الأسباب الكامنة وراء الاختيار.1
يا ايها الإنسان. ((ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك…؟)).
((أتحب العاجلة)) وتذر وراءك يوما ثقيلا…؟
لعمري إنها ضلالة أن يمثل الإنسان هذه الازدواجية في السلوك…!
نعم. إن طبيعة الارهاق الناتج عن العمل تستوجب اختلافات في السلوك، يسيرة عن السلوك في احواله الراحة والهدوء. وتظل اختلافات يسيرة تتناول الجوانب العرضية قط ولا تنفذ إلى الجوهر.
إن الطبيعة في الإنسان الطيب تظل السمة الأساسية فيه. سواء مارس العمل أو اخلد إلى الراحة. لا بل إن الطيبة غير موجودة بتسميتها ومعناها مالم تبرز خلال السلوك العملي أو أثناء الاحتكاك الاجتماعي والممارسات المختلفة في الحياة.
أيها الإنسان الموظف.
إنك وراء مكتبك والناس حشود أمامك ينتظرون تسيير أمورهم وقد أرهقتهم السعي بين مختلف الدوائر التي قد تكون متقاربة وقد تكون متباعدة. إنك تتحمل مسؤولية إنسانية قد لا تخطر ببالك إلا إذا تفكرت مليا في جوانبها المختلفة. إنك – إذ-تعطل إنسانا لأسباب مجحفة، فإنك السبب في تعطل والدك أو والدتك وربما أخيك أو أختك أو ابنك او ابنتك زوجك أو صديقك أو قريبك…الخ
إنك تساهم في تعطلهم في دوائر أخر قد تبعد وقد تقترب، قد تختلف طبيعة معاملاتهم عن طبيعة المعاملة التي عطلتها. لكن تتوحد أسباب التعطيل، وهي ما تريده انت من وراء التعطيل.
لا تقل مثالية خيالية ما دمت إنسانا ميّز بعقل يفكر ويجرد ويدرك التجريد.
لعمري إن حياة بسيطة في علاقاتها، بسيطة في مظاهرها وممارساتها، خالية من المطامع والشهوات الدنيا، خير من حياة بنيت من ثمرات كد الآخرين واستغلال جهودهم. الإنسان لن يبلغ نهاية الطمع. وغريزة التملك مستكنة في الإنسان، ولا حد لها ما لم يضع الإنسان حدا لها.
السعادة ليست مرهونة بكثرة الأموال كما قد يخيّل إليك ولكن السعادة هي في التوافق بين رغباتك وإمكاناتك بالتفكير الحي المتطور. بسيطرة المنطق الإنساني على المنطق الحيواني لديك.
يقول الفيلسوف سينيكا الاغريقي: ((إذا أردت ان تسعد إنسانا فأقلل من رغباته))
فلتقنع بما تيسر لك من جهدك وعملك دون القعود عن طلب التقدم بالسلوك القويم، ودون أن تجنح إلى الكسل والاسترخاء المقيتين.
أيها الإنسان: ((ما اكل إنسان قط طعاما أطيب من عمل يده)) كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم. فهلا كان طعامك من عمل يدك.
وهلا جهدت أن لا يكون بناء رفاهك إلا من لبنات عجنتها بيديك وصغتها بيديك. هلا نظرت إلى نفسك كإنسان قد كرمه الله ((ولقد كرمنا بني آدم)) صدق الله العظيم.
أما كفاك أنك خلقت في أحسن تقويم حتى تلجأ إلى ما يشوه خلقك وخُلقك من سيئات الصفات. ؟!.

………………………………………………………

(ابن الجزيرة)
* خاطرة -او مقال في رصد حياة مسؤولين بين أداء العمل واوقات الراحة (في نادي الموظفين في ديرك) وقد تحول الى أبنية .

المزيد من المقالات