من الذاكرة حول مهنة الطب

من الذاكرة
26/7/ 1977
لا يمكن لمنصف ان يغفل مسحة أنانية اباتت تطبع الاتجاه السلوكي لكثير من افراد مجتمعنا المعاصر، وتبرز بصورة أجلى كلما كان صاحبها ذا دور اجتماعي اكبر وأكثر اهمية، وألصق بمواطن اثارة المشاعر والأحاسيس.
ولعل الطبيب –لطبيعة مهنته وحساسية دورها -يتبوأ مكانا بارزا –ربما الأبرز-في مساحة هذه الاهمية. انه مؤثل رجاء في لحظات عصيبة على ذوي المرضى، وهو منبع آمال في مواقف مفزعة … فارتعاشه الجسم الممدود تكاد تزهق نفوس اهله المتألبين حوله بعصبية تشدهم الى فعل أي شيء في سبيله. ومع اختلاج انفاس المريض تعلو صدورهم وتهبط وتتشنج اعصابهم وتنبسط وتزوغ الأعين الدامعة وتحتقن وتستند الى كل حركة تصدر عن الطبيب …انه الان يكاد يكون الهيا يوزع جرعات الحياة او هكذا يبدو في تصور المريض واهله على الأقل. وفي مثل هذه اللحظة.
ان كل كلمة يقولها تنعش القلوب وتلتقطها الأدمغة لاهثة وكأنها آية نزل بها جبريل الأمين…
في مثل هذا الموقف دوما يظهر الطبيب
وقد تخف الدرجة او تشتد ولكنه ابدا بهذه الملامح يبدو… وهنا يستطيع الطبيب ان يتحكم –ان رغب-التحكم … وان يسمو –ان اراد ان يسمو.
انه الفاعل في الموقف ومحيطه منفعل به وهنا تبرز اهمية وربما عظمة دور الطبيب. كما يبرز قيمة دوره كانسان. المهنة ليست سهلة ابدا. وحياة الطبيب وما يظهر فيها من مغريات ليست كما يتصور بعضهم. انها حياة مرتبطة دوما بأجواء المرض واصوات الجرحى وانات الثكلى ..انها حياة مفعمة بأبخرة الالتهابات والتقيحات النتنة مليئة بالمشاهد المقززة
ناهيك عن الوقت المضطرب الذي يعيشه فقد يكون في حفلة صداقة فيستدعى الى اسعاف
وقد يكون في لحظة نوم يعيش حلما جميلا فيوقظ…
حياة فيها القسوة في اعلى درجاتها وفيها فرص الرفاهية بدرجات عالية ايضا وفي كل الأحوال فهي حياة او مهنة تستدعي تقديرا واحتراما.
لكن لكل انسان ما له وما عليه ولا يبرر ظرف قاس يتخلل حياته ان يشتط فينسى ما عليه لاسيما ذلك الذي اختار هذه الحياة بوعي وأدراك. ومن هؤلاء الطبيب. فان ينبهر المرء بحية اجتماعية ومالية حسنة يعيشها الطبيب فيضع قدمه على الطريق الى امتهان الطب. وينسى تلك الجوانب الصعبة فيها. ان يفعل ذلك فانه يغلف نفسه باغلفة كثيفة تفقده كثيرا من احساسه الانساني.
لكم يؤسف ويدهش ان يكون الطبيب فاقدا لهذا الاحساس او يكون هذا الاحساس لديه ضعيفا!
وهو ما هو عليه من دور خطير في الحياة الانسانية الصحية، ذات الصلة بالآلام والأوجاع ومشاعر القلق والخوف من فقدان المريض وما في ذلك من آثار على ذويه، فضلا عن التكاليف المالية التي تتجاوز حدود الطاقة غالبا !.
كانني الاحظ شيئا من هذا في حياة بعض الأطباء. الذين يعملون في المشافي والمصحات العامة خاصة.
على الرغم من تجاربي العديدة مع مع هذا النموذج كنت اميل الى تجاوزها ونسيانها معللا ذلك بظروف صعبة للمهنة ولكن عندما يتحول الطبيب الى الى انسان تجري فذلك ما لا يحتمله ذو قلب وشعور وضمير
ان يدخل المريض صالون المستشفى منذ بدء الدوام وقبله ربما ولا يخرج منه الا بعد انتهاء الدوام دون معاينة وعناية …في الوقت الذي يعتنى بكثيرين لأنهم يعرفون طبيبا او مرضة او بوابا او …
وتبقى نساء كثر في انتظار الطبيب الذي يكون في غرفة يغازل ممرضة او طبيبة –او يقضي دردشة مع زائر أيا كان …فهذا لا يدخل في إطار تقدير متاعب الطبيب فاذا كان الطبيب هكذا فلا تسل ابدا عن البواب والممرضة وباقي العاملين
صورة مأساوية ان شئت ان تعيشها فزر احد المشافي العامة بل وزر مستشفى المواساة الذي استوحيت منه ما كتبت .
لكن لكي لا نرى الأمور سوداوية ،لا بد من الاشارة إلى أنه على الرغم من وجود الظاهرة فان هناك خدمات تقدم وهي كبيرة ونتمناها ان تنقى من شوائب ما سردنا من حكاية ومظاهر.
……………………………………..
…………………………………….
وللتربية حظها في نمط السلوك.

يوم الثلاثاء 3/1/1978
أول محاضرة ألقيها في المركز الثقافي بالمالكية بعنوان: (حديث تربوي)
عندما وصلت الى المركز الثقافي وجدت الطلاب والزملاء في انتظار. وعندما انتهى الأستاذ أحمد رئيس المركز بتقديمي، بدأت أتلو المحاضرة. واستغرقت قراءة المحاضرة حوالي الساعة. ودامت المناقشة أكثر ممن الساعة…وقد امتدح حضور مضمون المحاضرة، وكان للبعض (عبد الجليل حاجي) ملاحظات:
1-العنوان لم ينصف الموضوع.
2-كان المستوى يتطلب حضور الوجهاء والرسميين الكبار وجمهور المعلمين.
وكان الجواب: ان الجميع أخذوا علما بها ولكنهم لم يحضروا، ولعل اللعب قد ألهاهم. وقد كان هذه هي الحقيقة المؤسفة.
الإنسان هذا الكائن المعقد السامي كم يصعب البحث في في أثره…!
ولا بد من التذكير بأنها المحاضرة الأولى في حياتي.
………………………………………………………………………………….
وحظها من النجاح
دور التربية في النجاح
محمد قاسم
الاثنين 24/11/1975

لا ريب ان الإنسان الذي يتغلب على عوامل الضعف والتخاذل فيه ،هو إنسان يستحق كل تقدير وإعجاب . إن نزوعا نحو النجاح يوجه مثل هذا إنسان ,وهذا النزوع لا يتكون دون أرضية صالحة تنمو فيها .ولعل أفضل أرضية لنموها ما نسميه بالتربية .والتربية كلمة اتسع مدلولها في الفترة الأخيرة بحيث بات يشمل كل نمو في الإنسان .سواء أكان هذا النمو في النواحي المادية لديه او في النواحي المعنوية .وهذه ظاهرة يستتبعها من الأخطاء الكثيرة بحسب رأيي .وسأستثني من ذلك أولئك المتضلعين في العلوم؛والذين منحوا مقدرة جبارة على إدراك الصلات المعقدة للمعطيات المختلفة والكثيرة للمعنى المعقد.
هنا تحفر في الظاهرة التي طبعت العلوم والآداب في عصر الانحطاط وهي نضوب معين الابتكار والاختراع والإنشاء لدى العلماء والأدباء، فانصرفوا إلى آثار القدماء يتناولونها بالشرح المطول، فيشتكي منه الطول؛ فيلجؤون على اختصارها فيشتكى الاختصار، فيعودون إلى الشرح المطول وهكذا يدورون في حلقة فارغة لا يتعدونها على الرغم مما يظهر فيها من امتلاء موهوم.
ولعلنا نستطيع أن نرى في المعنى الجديد الذي حمّلته كلمة التربية اتساعا يحتاج الى تحديد قابل للاستفادة العملية ..وإنني أرى ان هذا التحديد لا بد أن يؤطر بالأخلاق إن لم يجبل بها..!
ويبقى التعليم جزءا مكملا لها من حيث أنه يكون عونا على تحقيق الحياة السعيدة التي لا يمكن تصورها بدون أخلاق على أية حال.ولست اعني بالأخلاق قيما جامدة تمت إليها العصبية، أو خلقها الجهالة. وإنما اعني بها قيما يمكن أن نتفق عليها من تلك القيم التي يحفظها لنا التاريخ في سجله عن الحياة عامة، ومختلف أصناف البشرية .

المزيد من المقالات