الاعلام والتضليل

الإعلام عندما وجد في حياة المجتمعات البشرية في استقلالية عن هيمنة مديري الحروب، كانت له وظيفة محددة هي: نقل الأخبار بحيادية.
بمعنى آخر مراقبة ما يجري ونقله بموضوعية إلى المجتمعات. وانبثق من هذه الحالة فكرة المطبوعات (جرائد ثم مجلات وغير ذلك من الوسائل التي تكمل او تتبع هذه المطبوعات) فكانت مشكلة جديدة هي: سيطرة أصحابها –او الحكومات باسم الدولة – عليها.
طرح هذا سؤالا كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تؤدي وظيفتها بحيادية وأمانة، خاصة إنها تتطلب مصاريف ومستلزمات… قد لا يقدر عليها صحافيون؛ لأداء العمل الصحفي (لمطبوعات الصحافية)، او إنشاء مطابع خاصة لهذه الغاية. فبرزت نظريات مضمونها: دعم الدولة لكل من يمارس مهنة الصحافة-الإعلام-دون تدخل في شؤونها ودون تحمل لمسؤولياتها أيضا. بعد توفر شروط قانونية معينة.
وربما كانت هذه الخطوة أنتجت صحافة عملاقة في الغرب والتي استطاعت ان تكون “السلطة الرابعة” بحق. لجهة التأثير…!
التأثير هذه الوظيفة التي باتت وسيلة خطرة لمن يمتلكها. وتسابقت المجموعات المتنفذة سياسيا –عبر الأحزاب والتكتلات الاقتصادية الى الهيمنة على وسائل الإعلام لتحقيق هذا التأثير. وأصبح التأثير يتبلور في شكل مؤثرات مختلفة.
يتسع الإعلام لأنشطة مختلفة، وبأسماء مختلفة، وربما انشقت عنه ظاهريا لكنها بقيت تمارس التأثير والمؤثرات لصالح هذه الجهة او تلك. وهذا ما جعل الاقتصاد له أولوية على كل شيء في الدول القوية والتي سميت رأسمالية فيما بعد بدوافع أيضا أيديولوجية-مؤثرة- وإن كانت بطرق تبدو مختلفة لكنها تبقى ضمن مفهوم الإعلام والتأثير والمؤثرات…لذا فإن الأنظمة الأيديولوجية لا تحاول فقط الهيمنة على اتجاهات الإعلام بل امتلاكه وأدلجته وتحويله إلى وسيلة خاصة تتحكم من خلالها في مصادر الإعلام سيطرة مطلقة، أوجدت لها تسميات شعبوية لإيهام العامة والبسطاء –ورشوة الواعين والموالين والشرائح التي لا تهتم سوى بنمط معيشي محدد دون اهتمام للقضايا الحيوية والفعالية الفكرية المفترضة للبشر في التفاعل مع الحياة بوعي ومسؤولية أخلاقية سواء انتمت الى دين او لا ..
وفي العالم الثالث –العالم الفقير والمتخلف والذي يعاني من الأمراض الاجتماعية … إلى درجة الانحطاط في الفكر والقيم تحت عناوين مضللة، القيم والأخلاق والدين و…الخ. لأن هذه العناوين تحولت –للأسف-إلى مجرد شعارات بارقة، لكنها ليست بذات صلة بما يجري في الواقع، سوى في بعض مظاهر للتعمية والتضليل.
وهكذا فإن الحركة التطورية في الحياة الاجتماعية –السياسية منها خاصة-اتجهت اتجاها اقتصاديا ضخّم الجشع والميل إلى الوسائل المختلفة لتنميته –بغض النظر عن المشروعية والتوافق مع القيم الأخلاقية او الدينية او المجتمعية الإيجابية الناتجة تراكميا عبر قرون…
فأصبحت وسائل الإعلام –بما فيها، الإخبارية-ذات توجهات مسبقة-أيديولوجية-ذاتية-تخدم مصالح اقتصادية مترافقة –طبعا-مع النمط السياسي الخادم لهذه التوجهات؛ بعلاقة جدلية بينها وبين نمو الاقتصاد.
فالاقتصاد يخدم التوجه السياسي، والهيمنة السياسية توجه نحو نمط من الفعالية يؤدي إلى تضخم اقتصادي لمصالح الطبقة الحاكمة سياسيا. (زواج كاثوليكي بين الاقتصاد والسياسة) ومن المعروف أن الزواج الكاثوليكي لا طلاق فيه البتة.
ومن الطبيعي أن هذه العلاقة تنتج الطغم والمستبدين والمنحرفين تحت مؤثرات الرفاهية المبالغ فيها والآتي من المال ومنها نمو الغرائز المذمومة وممارسة فواحش وانحرافات مختلفة…
جميعا تكون على حساب ما يفترض من العيش الكريم للشعوب واحترام القيمة الإنسانية الكبرى والمشتركة…ومن هذا المعنى انبثق قول الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ما معناه: ما اغتنى غني إلا على حساب فقير”.

المزيد من المقالات