الموت

الموت (1)
‏٣٠ مارس‏، الساعة ‏٨:٥٧ ص‏ •
الموت …
هذه الظاهرة التي تلازم الكائن الحي (الانسان)،وتفاجئه في لحظة لا يعرفها متى !
فقد يموت طفلا صغيرا ، وقد يموت شابا ، وقد يمتد الأجل به إلى أرذل العمر .
لاحظَ الظاهرةَ جميعُ بني البشر ، وتفاعل كل واحد معها بحسب ما هو عليه من فهم و قناعة (عقيدة) وموقف ،واعتيادات سلوكية ( ثقافية) .
وقد تناولها كثيرون بالكتابة عنها من موقع الأدب والشعر فأبدعوا ، او من موقع تحليلي وفق منهج علمي للعناصر ذات الصلة بها -أسبابا ونتائجا ، او من موقع التديّن و والبحث عن الحكمة من الموت ، وما هو المصير بعده ….وبعضهم لم ينتبه الى الموت الا من زاوية انفعالية وجدانية… فغمره الحزن وشعور الفاجعة … ولا يعدم ان يستغل بعضهم الظاهرة ليسخّرها لغايات ذات طابع خاص، اجتماعيا او سياسيا …الخ. وهذا يدعو للدهشة، إذ كيف يستغل ظاهرة الموت ، من يعلم ان الموت مصيره -عاجلا ام آجلا- ويبدو ان الاستهانة بالموت في أكثره -ممن لايؤمن بالبعث والخلود .!
ولقد شاهدت- وعلمت- كثيرا عن الموت من خلال معاينةٍ شخصيةٍ …!
فقد حضرت لحظات تنازع الروح فيها ،وعلائم معاناة يمر بها.
وسمعت وقرأت الكثير من أحوال مختلفة وُصِف فيها الموت .!
ولولا نعمة النسيان لصعب ان يتعايش الانسان مع ظروف يحضر فيها الموت ويحرمنا أحبة جمعتنا واياهم؛ المشاعر والمودة والألفة وشعور بالواجب تجاه البعض… وربما التعاون على قضاء الحاجات ، وتحمل أعباء الحياة في صور مختلفة …
معظم الحديث عن الموت في حالة الثقافة الكوردية التي عرفتها ، كان شفاهيا ،عبر قصص وحكايات ، أجاد قائلوها ، وصفا وتأثيرا …أحيانا.او عبر أغنيات فولكلورية تُغنّى في ظروف اجتماعية -بحسب الحالة الثقافية / الاجتماعية…-
ولم أقع على كثير مما هو مدوّن عن الموت .!
ربما أهمها في الثقافة الكوردية ، تلك اللحظات الأخيرة من حياة “مم” في السجن ، وقد ذهبت اليه ” زين” بعد أن شعر أخوها “مير زيدين” بالغلط الذي ارتكبه بحق أخته وحبيبها .لكن “مم” او “ممو” كان قد انقطع عن الشعور الدنيوي المعتاد ، واتجه الى شعور بالحياة الأخرى -كما نقرأ الحكاية في ترجمة قصة “مم و زين” أو “ممو زين” الى اللغة العربية من قبل المرحوم (الشهيد) الدكتور محمد سعيد البوطي الذي أعطى القصة شهرة واسعة وانتشارا … وقد لخصها في عبارة رائعة :
“قصة حب نبت في الأرض وأينع في السماء”.
وقد قرأت في احد اعداد مجلة العربي الكويتية مقالا عن الموت احتفظت بعبارات ،لكنني لا أتذكر العدد. وهذه بعضها:
– قال علي بن ابي طالب :
” استهينوا بالموت فان مرارته من خوفه”
– قال المعري :
” ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد”.
– قال شوبهاور:
” يا ألله ما اعجب الموت.! لا يكاد يمس الحي باطرافه الباردة حتى تتقلب تلك القوة المفكرة المدبرة الفعالة الى جمد الصخر يلقى بها في جوف القبر الصامت وكانها بعض تربته” -“ومع ذلك كان يخاف الموت ويهرب من الطاعون”
– وسأل الخليفة “سليمان بن عبد الملك” يوما “أبا حازم” وهو عالم معروف :
يا أبا حازم ، مالنا نكره الموت؟!
فأجاب : لأنكم عمّرتم دنياكم، وخرّبتم آخرتكم، فكرهتم ان تنتقلوا من عمران الى خراب”
واتذكر أنني قرأت بان أحدهم تناول الموت في كتاب ….للأسف لا يحضرني اسمه.
حقا ،الموت ظاهرة تستحق التأمل ،ولا يجدر بالمرء العاقل ان يتجاهلها ، لا لكي يبقى أسيرا لها ، او لا يعمل -كما يفعل بعض الزهاد والمتصوفة …
وإنما ليعيها كحقيقة لا ينبغي نسيانها .
الحياة قيمة ونعمة وهبها الله للبشر ، وعليهم ان يقدّروها ، ويحسنوا التعامل معها. – (عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تَقوم حتى يَغرِسَها، فليَغرِسْها))
تاكيدا لأهمية الحياة والمسؤولية عنها ، وعمارة الكون !
فإن متنا فهناك من سيعيش بعدنا ، ولا يفترض بنا ان تكون مداركنا وفقا لشعور اناني يترجمه مثل يقول “انا وبعدي الطوفان” …
بل متعة الحياة في الشعور بأننا أعطينا، وغمر عطاؤنا آخرين -ولا يشعر بهذه المتعة إلا من عاشها .
ما جعلنا نشعر بمعنى الموت ومغزاه الطيب -إذ توفى المرحوم – ما عرفناه عنه، من الخصال طيبة الذكر .وشهد به الذين عرفوه ، وقد جهروا به في مجلس العزاء..
رحمك الله محمد بشير -ايها العم الذي فارقتنا الى حيث الرقاد والراحة الأبدية ان شاء الله -وقد شهد لك الكثيرون جدا بما كنت عليه من دين وتقى وروح انسانية خيّرة. وهذا ما يبعث شعورا بالراحة لأرواحنا .وإنا لله وإنا إليه راجعون.
٢٩٩
……………………………………………………………………………………..

الموت (2)
31مارس‏، الساعة ‏٨:٣١ ص‏ •

هذه الظاهرة التي تولد مع الكائن الحي (الانسان) وتقضي على حياته لحظة لا يعرفها ،متى ولا كيف…ولكن المهم ان يدرك -دوما -أنها حقيقة منتظرة ،قريبا ام بعيدا -!.
وفي كل الأحوال، فان العمر ف -لا يتجاوز ثمانية عقود او اكثر قليلا،ما عدا استثناءات نادرة… فظاهرة الموت حقيقة يفترض بالعاقل ان يجاهد ليجعلها احساسا (ووعيا) يجعله يرتب حياته مع الاعتبار لها .
﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(145)﴾( سورة آل عمران ).
ليست دعوة للاستهانة بالحياة ، فالحياة -كما سبق القول – نعمة وهبها الخالق، وينبغي ان نعيشها قدر استطاعتنا ،عيشة فيها عناصر عمارة الحياة .فقد خلق الله الكائن الحي (الانسان ) في صورة جعل العمل ملازما للحياة ،فمن لا يعمل سيصبح عرضة للهلاك، لأن العمل عماد الحياة وتحسين العيش فيها .
بل العمل يمثل معنى الحياة ففي أدائه تلبية لحاجات البشر (بما فيهم العامل). وإن لاحظنا ما في الحياة من العمران سنجده من جهود العامل ، ومن العجب ، أن لا يقدّر عامل معنى وقيمة ما يعمل ، فيعبث بأدائه ، ولا يتقنه . ومن الغريب ، أن لا ينتبه المنتفع من العمل -في صوره المختلفة- إلى قيمة العامل والجهود التي يبذلها في سبيل ما ينتفع هو به..(وهنا نعني بالعامل كل من يُعمل طاقاته الفكرية و الجسدية من اجل انتاج فكري معنوي او انتاج مادي) .
شعور بتقدير متبادل بين البشر في ما يخص العمل يوفر رؤية متكاملة، تجعل المشترك بينهم احساسا حيا ، ويفرز شعورا بالتراحم والمودة والتقدير….وهي عناصر تمد الحياة- والاحساس بها – بمعنى جميل ،ومتعة …
ونخلص إلى القول :
الحياة يلازمها الموت الذي سينهي حياة أفراد او جماعات ـ لكنها -ستبقى مستمرة الى ان يشاء الله كبيئة للكائن الحي (والانسان) .
.فتذكر الموت وحسابه لا يعني التقليل من شانها ، وانما يعني حسن تقدير العلاقة والمصير .
والحياة تتطلب منهج تفكير وانماط سلوكية منسجمة معه ،لتصبح أهون واكثر امتاعا ،وافضل سياقا إلى أن تحل نهاية منتظرة ، يفترض ان الانسان يحسب لها حسابا .!
لا نتوقع كمالا في الانسان، لكننا نستطيع التمييز بين انسان يحاول -ويجاهد- او يعيش حياة تتكامل في بنائها من عناصر روحية ومادية متوازنة تجعل التفكير والسلوك ايضا متوازنا . وبين انسان ، ارتضى- او غلبه – خللا جعل حياته تفقد عناصر تكامل وتوازن ، ويقوده الخلل الى منهج تفكير وانماط سلوك مرتبكة ، تفوّت عليه كثيرا من عناصر ايجابية يمكنه ان يستدركها -إن عمل جادا وواعيا-.
رحم الله العم محمد بشير .
لم يكن مثقفا ، لكنه كان شديد الفضول الى المعرفة ، وكانت السئلة لا تفارق شفتيه كلما التقى من يظن انه سيجد اجوبة لديه. لكن كان يقرأ ويكتب ، وقرأ القرآن .وكان يستمر في قرائته ، وملتزما بتعاليم دينه الذي اعتقده وآمن به …ولعل اهم ما توفر فيه خصلتان :
1- عمل (خياط) أتقن عمله-الى جانب كونه فلاحا- حتى اشتهر في المنطقة بإتقان ادائه ، وفضلا عن ذلك ،اجرا كان يحرص فيه ، دوما ان يكون حلالا.
2- التزام بقناعاته وتعاليم دينه التي اعتقد به ، عبادات (صلوات وصيام ….)
والالتزام بما فهم منها فطبقها في حياته ،(ومعاملات) فابتعد عن الأذى قولا وفعلا قدر ما استطاع ، وتبنى فعل الخير -قدر ما استطاع – ومنه الدور الايجابي الملموس في علاقاته الاجتماعية على مستوى قريته وقد شهد له ابناء القرية -كبارا وشبابا …!
ترى –
ونحن ندرك هذه الحقائق ، فما الذي يجعلنا أن لا نحاول ان نستوعبها ؟
ولا نقصد ان يكون المرء كاملا “فكل ابن آدم خطاء” ولكن نقصد “وخير الخطائين، التوابون” .
رحم الله العم محمد بشير ، ورحمنا ورحمكم ورحم موتانا جميعا .
“كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون “- ( آل عمران )
……………………………………………………………….
الموت (3)
2 نيسان 2019
استيقظ الطفل على حركة الأهل وما تحدثه من جلبة ،صباح يوم العيد. وانتابته موجة بكاء ،جهد أهله ليعرفوا السبب بلا جدوى: لم تبكي ؟ ماذا تريد ؟ هل تشتكي من وجع ؟ ويستمر في البكاء حتى استطاعت “أمينة” أن تفهم سبب بكائه…!
“Min tiştekî heş divê ”
قال الطفل. أريد شيئا لذيذا .
لم تكن السكاكر والحلويات حينها متوفرة -او دارجة -في الأوساط الفلاحية ، لكن كانت فواكه مجففة كالتين ، وفواكه مخزنة ،كالرمان ، والبيض المسلوق الملون ، والحمّص المسلوق …الخ، متوفرة .
فهي من نتاج بساتين منتشرة في المناطق الكوردية وقراهم حيثما حلوا مادامت الأرض مستعدة لأن تنبت نبتها واشجارها- لاسيما في كوردستان الشمالية ( او كوردستان تركيا) .
حتى الذين نزحوا – لأي سبب- الى كوردستان سوريا (او كوردستان الغربية ) كانوا يعودون الى قراهم وبساتينهم ، يقطفون منها ما يطيب لهم، وينقلونه على ظهور الخيل … إلى حيث أقاموا
فالحدود على الأرض لم تصبح مانعة بعد- على الرغم من رسمها على الخارطة منذ اتفاقية سايسك بيكو عام 1916 – والتي قسمت كوردستان بين دول وحكومات ساهم الاستعمار الغربي في تأسيسها .
قالت :امينة” : ما هذا الشيء اللذيذ الذي تريده ؟ هنا كذا وكذا وكذا …لكنه لم يتقبل أي شيء مما عددته .!
طيب اخبرنا ماذا تريد ؟
وبعد الحاح ذكي وتوغل في الحال النفسية التي تعرفها لديه ، فناورته واستكشفت رغبته، وفهمت أنه يريد “شوربة عدس”.
ضحك الجميع، عندما سمعوا هذه الرغبة الغريبة في يوم العيد ، مع توفر اطايب الاطعمة والفاكهة في يوم العيد -بمقاييس تلك الأيام التي لم تخل من صعوبة-.
فقد كان الحكم التركي في القرن الأخير من الحكم العثماني قد أصبح قاسيا جدا ويحاول قتل روح القومية لدى الكورد بعنف وقسوة.
ويبدو ان ذلك كان ضمن منهج غربي استعماري دلت عليه اتفاقية سايكس بيكو واجراءات اخرى- بعضها خافية وربما لا تزال كذلك-.!
فالكورد شعب مسلم مقاتل ،ويمثل خطرا على مصالح الاستعمار إذا بقي على عنفوانه وتماسكه بحسب تقديراته .
شوربة العدس كانت غذاء يوميا للفلاحين صباحا فقد كانت تدفئ الجوف ـوتمدهم بالشعور بالشبع، وقوة تعينهم على اداء اعمال زراعية مختلفة كالحراثة بالمحراث تجره ثيران او خيول …وهي أعمال شاقة لاسيما في قر الشتاء وحر الصيف..!
طبخت “امينة” له شوربة العدس. فانفرجت أسارير وجهه، وصلح مزاجه واندامج مع جو العيد بعدها .
كان هذا الطفل هو العم محمد بشير ، وامينة هذه أصبحت حماته فيما بعد رحمهم الله جميعا .
كان ذلك حوالي العام 1935 في قرية “قرغو” .القريبة من الحدود مع كردستان تركيا “كردستان الشمالية” كما تسمى ايضا .،وكان مالكها حينها المرحوم سيد خلف ،وتوارثها أباؤه واحفاده -ولا يزالون.
وكان قد انتقل محمد بشير مع أمه وإخوته البنات وأخيه “قاسم” للحاق بأخيهم الأكبر المرحوم “ملا عبد الكريم ” الذي كان إمام الجامع في القرية . ومعروف وظيفة الامام في القرى ، يؤمون المصلين ويعلمون القرآن ودروسا شرعية ، ويعالجون ما ينشب مشكلات على ضوء الشريعة ويعقدون عقود الزواج والطلاق …الخ.
ملا عبد الكريم -رحمه الله ، كان قد هرب من اعتقال الجندرمة ولذلك قصة طريفة ربما لعلنا سنذكرها في وقت لاحق .
رحم الله الجميع…وفي الذكريات الكوردية مآس لا تقل -وقد تزيد- عن مآسيهم في حاضرهم.
إنها “امة لا تقل عن الأمة العربية ولا الأمة التركية ولا الأمة الفارسية ،لكنها امة ظلمها التاريخ ” كما يقول الزعيم الكوردي مسعود بارزاني .

الموت (4)
قراءة الفاتحة -والزيارة الأخيرة للمرحوم في قبره في يوم الخميس الرابع من نيسان
2019
……………………..

يوم الأربعاء 27 آذار…
كنا في زيارة له ، وقفت بجانبه، وضعت يدي على يده ،وسألته عن حاله فرد بصوت ضعيف انه يعاني من “ضيق التنفس” ، وكان مغمض العينين، وصوت لهاث تنفسه الصادر من فمه يخرق القلب ويمزق نياطه.كنا ألفنا بعض هذا الحال . فقد كان مصدورا وشفي، لكن إحدى رئتيه كانت خارج العمل(معطلة عن أداء وظيفة التنفس الطبيعي) ، والثانية تعاني من خلل ما.
مع ذلك فقد كان نظام حياته ( الطعام والعبادة –صلاة الجماعة، قراءة القرآن، طيبة القلب والمعاملة الحسنة …وكرم النفس. )جميعا وفر له حياة متوازنة، فملامحه الجميلة ـواشراقة روح نقية كانت تزينه، وما فيه من فضول المعرفة، كان يوفر لديه فرص التقدم معرفيا بنسبة معينة، وتزرع في روحه سلاما واطمئنانا.
جلست ومن معي، ننظر إلى محياه وحركته التنفسية الموحية بالحزن والوجع …كان بين الفينة والأخرى ينادي بصوت ضعيف أحد أولاده (خورشيد خاصة ، ويسر إدريس أيضا ليعرف ما يريد) لتلبية حاجة، شربة ماء، تعديل جلسته …
كان واضحا أنه في ظروف معاناة ..لكن ما هي نهايتها ومتى ؟! هذا ما لم نحسن تقديره.
“إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) -سورة لقمان.
عدنا إلى البيت على امل ان نزوره في اليوم التالي. فلم تكن حالته تسمح بالابتعاد كثيرا عنه. وكنا نود لو اننا بقينا الى جانبه لكن ظروف المكان دفعتنا للعودة الى البيت ليلا.
كنت متعبا، فنمت باكرا.
صحوت على طرقات على الباب، وإذ بالخبر الذي اثار حزنا ووجعا… قالت ابنتي روان: عمو خورشيد أخبرنا بوفاة العم محمد بشير. تمتمت بالقول”: إنا لله وإنا اليه راجعون”، و”لا حول ولا قوة إلا بالله”. !
تناولت سماعة الهاتف وكان خورشيد على الطرف الآخر من الخط، فقلت بصوت فيه خشوع وألم:” رحمه الله”. ربما كانت وفاته عونا له على التحرر مما كان فيه من معاناة –فالموت نهاية كل حي وقد عمر –والحمد لله-حوالي 85 عاما فطبيعي ان يموت المرء الذي هو نهاية محتومة. سنأتي بعد اداء صلاة الفجر. لا أدري هل كنت اهدئ من حزنه أم اقنع نفسي لتهدأ !
وكنت اظن أنني الوحيد الذي أخبرني بوفاته، لكنني عندما قمت لصلاة الفجر وللاستعداد للسفر الى القرية ألقيت نظرة على الفيسبوك فوجدت كل فرد له صلة به من داخل أسرته او قريبا منها قد نشر خبر وفاته. وهذا ما لم احبّذه. فلي في هذا الشأن مذهب ، هو:
أن يتفق افراد الأسرة على أحد فيها يعلن النعوة، ووفق نعوة تضم ذكر اسماء المقربين الى المتوفى جميعا-كما هو متبع في المدن- ليعرف الذين يطلعون علها كل ما يخص المتوفى من معلومات لها صلة بظروف العزاء.
المهم كنا هناك باكرا.
تناولت القرآن من ابنته بشرى التي كانت تقرأ القرآن تقطع قراءتها شهقات بكاء تغالبها وتستمر في قراءتها -وهذه احدى محاسن الايمان والتعامل مع الموت كحقيقة -. وتلوت آيا من الذكر الحكيم – وهي عادة دارجة في مثل هذه الأحوال. ويختلف حولها مسلمون ، لكنها درجت ، وتوفر شعورا بالراحة لذوي الميت في مثل هذه الظروف . لاسيما إذا كان الميت مغسولا ومكفنا (طاهرا) وهذا ما كان عليه المرحوم.
هنا لا بد من تقدير شباب القرية وشكرهم على استجابة حيوية للحدث وما يستلزم من طقوس وحاجة…كالغسل والتكفين وحفر القبر خلال الليل …!
وقد فعلوا ذلك. فقد كان القبر جاهزا صباحا عندما أذيع نبأ وفاته من مكروفون الجامع. في الثامنة صباحا. ونقل جثمانه الى الجامع ليصلى عليه، ثم نقل الى حيث قبره الذي دُفع الى جوفه، واحتواه.
لحظات فيها اعتياد، لكنها قاسية على النفس. اخدود محفور في الأرض، يوضع فيه جثمانه وفق طقوس، محددة، ويهال عليه تراب يتسارع الفاعلون في ملء فمه المفتوح حتى يمتلئ بالتراب ويزداد بذلك الشكل المستطيل والبيضوي الذي يعطي القبر شكله المألوف.
تذكرت للحظات أن هذا هو مصيري المنتظر –عاجلا أم آجلا، وشعرت بقشعريرة ارتجف لها جسدي , لكن تذكري أن هذا ليس سوى جسد نزعت منه الروح ، فلا يتأثر بشيء مما اتصور . وانما الروح هي التي تستحق التفكير فيها، أين ذهبت، ما مصيرها ؟!
ودون إرادة مني تتداعى أفكار، وأتذكر اختلاف البشر حول طبيعة الروح. فالماديون يرون انها مجرد وظيفة لأعضاء الجسم تتوقف مع تعطل الأعضاء عن الأداء (الموت) وهو خلل في وظيفة الأعضاء فحسب يؤدي الى همود الجسد ونهاية فعاليته وهذه هي المحطة الأخيرة والنهائية له .
اما المؤمنون فيرون الروح قوة ملازمة للجسد ووظائف أعضائه لكنها تتمتع باستقلالية وخصوصية، فهي تخرج عن الجسد، فيهمد. وتتعطل أعضاؤه عن العمل. وإن لهذا الروح مكانا وحسابا على ادائها في حياتها.بخلاف ما يرى الماديون.
كنت غارقا في تأملاتي وأفكار تتنازعني ..لكن صوت الشيخ جعلني أستفيق منها لأستمع إلى “التلقين” . !
في الدين هناك ما هو فرض من الله-وسنة من الرسول – وما يسميه بعضهم “البدعة ” وتختلف بشأنها مذاهب، فالسلفيون يقولون: “كل بدعة ضلالة ” .
لكن خصومهم يقولون “من البدع ما هو محمود، او “بدعة حسنة”. مع التوافق مع السلفيين على ان “البدعة ضلالة”.
في العموم فالبدعة هذه ليست لا فرضا ولا سنّة، لكنها اجتهاد بعضهم (علماء) على انها قياس على ما فعل الرسول او الصحابة، او استنباط منه.
ولولا أن البدع الحسنة هذه ، تفتح بوّابة لاجتهادات قد لا تكون موفقة، فان فيها ما يستدعي القبول منطقيا وواقعيا …ومن جهة اخرى فإنها توفر آفاقا للتفاعل مع المستجدات …!
في مضمون التلقين يبدو انه خطاب للميت الذي يعتقد المؤمنون أنه يسمع، لكنه قد يكون أكثر توجها الى الأحياء -حاضري مراسيم الدفن- ليتذكروا مفاهيم ومعان عن الموت والآخرة والحساب والرسالة…الخ.
من وجهة نظر شخصية، وجدت في التلقين طقسا لا يضر، بقدر ما يعين على تنظيم التعامل مع ظروف الموت والدفن، وتوفير نظام علاقة مع حدث الموت …وتنشيط الشعور بمعناه وما يترتب عليه. …شريطة ان لا يَفهم بعضهم انه فرض او حتى سنّة!
وعدنا بعد الدفن إلى الجامع حيث رُتّبت أمور الاستعداد لتقبل التعازي.
انتهى فصل طُويت فيه حياة انسان في الدنيا، وبدأت بمراسيم تُنهي ما يتصل به سوى ، ما لا يزال يتفاعل في وجدان أحبائه من اهله واصدقائه وكل من تعامل معه … وستتلاشى الذكرى مع توالي الأيام وفعالية آلية النسيان – وهي نعمة من الله-فلو تذكّر الانسان كل آلامه واحزانه لما استطاع –ابدا –ان يعيش حياة طبيعية .!
………
بمناسبة زيارة يوم الخميس 4 نيسان لقبر المرحوم وقراءة الفاتحة على روحه .
وستليها حلقة خامسة ان شاء الله.

 

الموت (5)
استخلاصات
بدأت التعزية بعد الانتهاء من مراسيم دفنه صباح يوم الخميس 28 آذار 2019 حوالي التاسعة صباحا او أكثر بقليل.
كان شباب القرية قد أعدوا كل ما يسهل أداء مراسيم التعزية، فالجامع مفروش ودافئ أيضا، وعدة تقديم الماء والقهوة المرة قد هيئت، وخيمة نصبت للنساء بما تحتاج من احتياجات الخدمة –وقد تعبوا معها كثيرا بسبب المطر ومحاولة التغلب على البرد والبلل …الخ.
فهمت أن سكان القرية يتعاونون في مناسبات كهذه، بإدارة شباب طيبين، عرفت منهم السيدين رمضان عثمان وسليمان على …ولاحظت شبابا آخرين يتحركون للخدمة دون الحاجة لذكر أسمائهم، فيبدو انهم دوما يخدمون ما بوسعهم وان كانت المناسبة التي تكون أكثر قربا قد يكونون فيها أكثر حضورا –وهذا من طبيعة الأشياء-.
جرت مراسيم التعزية سلسة في مختلف ما يتعلق بها : ضيافة الماء والقهوة المرة (في كؤوس بلاستيكية معتادة)؟
وإذا كانت الكؤوس البلاستيكية قد تصلح لشرب الماء (البارد) لكنها –فيما فهمت – لا تصلح للساخن. لذا تمنيت لو أن ضيافة القهوة ألغيت –او البحث عن بديل صحي في اسلوب الضيافة.
هنا تبدأ الاشارة الى الاستخلاصات:
1- القادم إلى التعزية، يصافح جميع المعنيين بالعزاء -وهذا طيب – فهناك من لم يلتق ببعض منذ زمان، ولا بد من تفريغ شحنة عاطفية عبر المصافحة. وبعضهم –إضافة إلى المصافحة، يعانق، ويقبل (هنا نتساءل: هل هذا ضروري في ظروف العزاء، فالمعزون كُثرـ ولكل منهم عادته واسلوبه في العناق والتقبيل …وربما يحمل بعضهم عوارض مرض كالزكام مثلا ؟!).
2- اعتاد المجتمع أن يقف المُستقبٍل استعدادا ليصافحه المعزون، (وقد يعانقونه ويقبلونه.) وذلك كطقس يعبر عن تقدير.
هنا تبرز مشكلة يعاني منها الذين كبُروا في العمر(شاخوا)، او يعانون من مشكلات في الركب او الظهر او صعوبة الوقوف لأي سبب … !
وحتى اولئك” القادرون” على الوقوف، فانهم في ظروف العزاء ينالهم الارهاق…فما هي ضرورة هذا الوقوف؟!
طبعا يقسّر ذلك بالاحترام – ولا بأس بذلك-لكن دعونا نستثني مناسبة العزاء من هذا الطقس المرهق .!
3- ما علمت، فان من السنّة، الدعاء للميت، لكن درج في أدبياتنا الاجتماعية ومراسيم العزاء “قراءة الفاتحة” أيضا. فيصبح الدعاء وقراءة الفاتحة معا طويلا، يتعارض مع حركة المُعزّين. -لاسيما في ظروف كثافة المعزين- إذ تأتي جماعة واخرى تودع. وهذا يربك الوقت والتنظيم –أحيانا -.
فما الضير إذا تم توحيد الأمر في الدعاء وحده، أو في قراءة الفاتحة وحدها ؟!
على الأقل في ظروف كثافة الحركة !
4- أحيانا تدخل جماعتان(وفدان) أو أكثر في الوقت نفسه او قد تسبق أحدها الأخرى في ثوان، فتقرأ الأولى الدعاء او الفاتحة، وتقرأ الجماعة الثانية أيضا، وقد يأتي فرد أيضا يقرأ الفاتحة. فهل هذا ضروري؟
ليس استنكارا للدعاء والفاتحة، لكن لكي تنظم الحركة تنظيما يخدم الأداء، ويسهله على الطرفين “المعزّي “و ” المعزّى” .! فما داماوا قدج قرأوا الفاتحة مع من سبقهم -لا اظن أنه توجد حاجة للانفراد بقراءة الفاتحة أيضا !
5- العزاء “التعزية” في أصله حركة وجدانية/اجتماعية غايتها تخفيف الحزن على الذين نعزيهم، وليس مناسبة اجتماعية تراعى فيها تقاليد اجتماعية كالترحيب والمسايرة والمجاملة وما شابه. فهل من الضرورة ان يستقبل “المعزّى” المعزّين وفق مراسيم الترحيب والاستقبال والمجاملة؟!
ألا يكتفي المعزون بمصافحة المعزّى والجلوس حيث يجلسون ويدعون-او يقراون الفاتحة – ويكتفون بذلك ؟!
بدلا من انتظار المعزّى ليرحب بهم، ويتبادل معهم أحاديث الود وما شابه؟
ان ظروف ضغط العزاء لا تساعد على ذلك –كما الاحظ.وقد تشكل عنتا ونصبا، وربما إرباكا -احيانا-.
6- وعندما يقرر المعزون القيام والوداع – وفي رأيي لا ينبغي ان يكون بقاؤهم طويلا – هل من الضروري مصافحة أصحاب العزاء مرة ثانية، وقد صافحوهم قبل نصف ساعة او أكثر؟
ألا تكفي المصافحة الأولى عند القدوم؟ توفيرا لجهود وارتباك يحصل احيانا في ظروف كثافة المعزين خاصة.
برأيي لو اكتفوا بوداع عبر عبارة “السلام عليكم ” او خاطركم ” او أي شيء بهذا المعنى يكفي. تجنبا لإرهاق الطرفين، وأحيانا عرقلة الحركة -عندما يأتي وفد ويغادر وفد –في ظروف عزاء يكون المعزون فيه كُثر كما في حالة عزاء عائلات كبيرة،مثلا.
7- يحضر أقرباء المتوفي بعناوين مختلفة ( عائلية -عشائرية – حزبية …الخ) ويلازمون المناسبة يومان او ثلاثة أيام دون الحاجة اليهم،ولا تقديمهم-لأي سبب – أي خدمة للعزاء سوى الحضور بدوافع مشاعرية او غيرها …فيزداد عدد الملازمين للخيمة ،وهذا فيه اشغال للمكان وتحميل الخيمة أعباء وتكاليف … وقد يكون لهؤلاء اعمالا تنتظر هم،لاسيما اولئك الذين يعملون في وظائف رسمية (يعطل غيابهم ،مراجعين وذوي حاجات …الخ) أليست الحياة أهم في هذه الحال ، والأفضل تيسير احوال الناس .,فالميت مات رحمه الله ،ولا ينتفع من مثل هذا الحضور شيئا ، واهل الميت قد تلقوا العزاء …اذا ،لا اظن أن الحاجة الى مثل هذا الحضور سوى استجحابة لنزوع نفسي -احيانا قد لا يكون منطقيا.!
8- الضيافة وهي:
أ‌- ضيافة الماء. ب-ضافة القهوة المرة. ج-ضيافة الطعام.
…………………….
و يتبع ..

٥٣ دقيقة •
الموت 6
الحديث عن الموت وما يتصل به من جوانب وجدانية، وطقوس انسانية مترتبة عليها منذ القديم، حديث ذو شجون يبدأ من محاولة الانسان أن يخلد منذ بدايات الخلق ، كما هو واضح في الثقافة الفرعونية وبناء الأهرامات.وغيرها.
وفي الدين تصويب يقنع المؤمنين به، -ولا أقول الأديان-فالدين السماوي واحد، يتجلى في شرائع تبدو مختلفة لكنها تتمحور حول كون الله واحد لا شريك له وهو خالق الكون ويتولى أمره . اما غير المؤمنين فلهم رؤاهم ومواقفهم.
موضوعنا هنا، لا يتصل بالدين وثقافته ، فقط نود الحديث عن عادات وتقاليد نمت على حواف حدث الموت في المجتمعات، في نوع من التفاعل مع الحدث الذي كان عميق الأثر وجدانيا في حياة الأولين لأسباب عديدة منها: افتقار إلى معلومات عنه مما جعل له أثرا عميقا ،وفهما ملتبسا -في سياق طبيعي له-.
نتحدث-هنا- عن الخدمة في مناسبات التعزية، ومنها تقديم الماء، والقهوة في كؤوس بلاستيكية، يتساهل علماء (اطباء) فيما يخص الماء (البارد) لكنهم يرون في استعمال البلاستيك للساخن والمدهن … ضررا –وأحيانا خطيرا .!
فالبلاستيك فيه مادة مسرطنة –كما يقولون-وان السخونة (الحرارة) والدهون تتفاعل معها، ومع الأيام تتراكم مادة مسرطنة في جسم الانسان وتؤثر على صحته.
من هنا كانت امنية التخلي عن ضيافة القهوة (او ايجاد بديل صحي)
-أخبرني أصدقاء ان مناطق في كوردستان لا تضيف سوى “الماء”.
جدير بالذكر أن أول مرة استخدمت فيها الكؤوس البلاستيكية –فيما يخص منطقة ديرك على الأقل، -كانت في التعزية بوفاة المرحوم الحاج محمد عمر ..كخطوة للتخلص من شرب القهوة من فنجان واحد. في مبادرة من ابنه الأصغر المهندس نور الدين، واستشارني في ذلك فوافقته وشجعته. ظنا منا أن ذلك يوفر ضمانة صحية أفضل…!
لم ننتبه –حينها-الى ضرر البلاستيك.
وقبل ذلك كانت الأفكار تتداول بين بعض اصدقاء منهم عبد الكريم السيد (ابو دلو). وبحسب علمي- فانه اتصل مع مصنع ، وتمنى علي اصحابه ان تصنع كؤوسا بلاستيكية تصلح لضيافة القهوة في مناسبات الكثرة-التعزية خاصة-.!
فالمحاولات كانت بقصد صحي، لكن الوعي الصحي…يختلف من حين لآخر.
ويفرض موضوع الطعام نفسه في مناسبات العزاء –وحتى مناسبات الفرح – هل من الضروري –والحاجة – الاهتمام بالطعام بطريقة مكلفة جدا –لاسيما في مناسبات الذين لهم صلة بشعور الخصوصية بالتميز من موقع الشعور بالانتماء إلى ارث أغا او باشا، او مختار، او مسؤول حزبي او …الخ.
فتكون الدعوات أكثر من حاجة المناسبة، وتتجاوزها الى ارضاء شعور خاص –أساسه نفسي – وهو شعور –للأسف-راسخ في سيكولوجية الشعوب المتخلفة –والكورد منها-.
……………….
يتبع
……………………………………………………………………………………………

Mustafa Mistoka Kahil الله يرحمه و لكم الشكر على ما تطرحه و وضع حل للعادات السيئة

محمد قاسم شكرا لك- هي أفكار كانت تتلاطم في الخاطر ،وجاءت لحظات وجدانية فحركتها ، ودوما نتحاور من اجل الأفضل -ان شاء الله- .لا نفرض رأيا ولكن نطرحه ونامل التفاعل معه …ظاهرة التفاعل لدينا تبدو ليست في مستوى المامول . نتحدث عن أفكار فتتجه المداخلات نحو الأسهل -على ما فيها من معنى ولها تقدير…صباح الخير

https://www.facebook.com/m.qasim.jezire
هذه المنشورات المتتابعة عن الموت كانت بمناسبة وفاة عمي محمد بشير رحمه الله .وهي منشورات على الفيسبوك وهذا الرابط اعلاه هو رابط صفحتي ر(حسابي) القديمة.(منشور بتصرف)

المزيد من المقالات