الشخصية

الشخصية
محمد قاسم
في حديثنا عن (المعرفة في حياة الناس) عبرنا عن طموحنا في متابعة الحديث بمحاولة التعريف بالشخصية عبر مسار تحليلي نفسي.وها نحن نفعل الآن..
فالشخصية لها عدة أوجه: *- الوجه الفردي(النفسي- العاطفي الانفعالي- العقلي- الوجداني..). *- الوجه الاجتماعي(القومي- الديني- الفكري-الأيديولوجي-الأخلاقي- الحزبي- القبلي (تعدد الانتماء).
*- الوجه الإنساني (النزوع العالمي والكوني- والتفاعل الاجتماعي على المستوى الأعلى من الشعور بالانتماء البشري …والشعور بالمسؤولية تجاه القضايا ذات البعد الإنساني..الخ.)
كيف يمكن لهذه الأوجه المتعددة(الانتماءات المتعددة..) أن تتجانس في إطار الشخصية الواحدة المتكاملة(كما هو مفترض)..؟
في البدء دعونا نحاول أن نحدد السمات الأساسية لمكونات الشخصية مستعينين بعالم في ميدان النفس هو الدكتور يوسف مراد(1) والذي يقول عن ذلك:
((ومن العسير وضع قائمة تشمل جميع السمات التي تجسم لنا باجتماعها وتكاملها هيئة الشخصية بكليتها،وإذا أردنا أن تكون القائمة وافية فلا بد من مراعاة النواحي الآتية:
1- المميزات الجسمانية: القامة – القوة- الصحة- الجمال..
2- المميزات الحركية : سرعة الحركة أو بطئها- الاندفاع أو القدرة على الكف- الجلد والمثابرة- المهارة والحذق- أسلوب الحركة وجمالها.
3- المميزات العقلية : القدرة على حل المسائل – القدرة على التذكر- القدرة على التخيل الإبداعي- حصافة الرأي وسلامة الحكم- المقدرة العامة على التكيف.
4- المميزات المزاجية : تواتر الحالات الانفعالية ودرجة تغيرها- مدى الانفعال وشدته- الحالة المزاجية المتغلبة-الاتجاه الانفعالي العام.
5- أساليب التعبير عن ألذات: النزعات المتغلبة-التعويض- الانبساط أو الانطواء- السيطرة أم الخضوع- البسط أو القبض-الرجولة الخلقية أو الأنوثة.
6- المميزات الاجتماعية : القابلية للتأثر بالعوامل الاجتماعية-القابلية للاندماج الاجتماعي- التعدي على الغير-الاشتراك الفعال في النشاط الاجتماعي-الاتجاه العام في تقديم القيم- الصفات الخلقية كالصدق والكذب والأمانة والخداع..الخ)).
وبنوع من التدقيق في هذه البنود يمكننا أن نلخصها بشكل عام،في صفتين أساسيتين:
أ‌- صفة الذاتية. ب- صفة :الموضوعية .
أو (الوجه الذاتي للشخصية،والوجه الموضوعي للشخصية).
وإنني ألاحظ : في نفسي، وفي نمط الحياة لدى آخرين، نوعا من التجاهل(أو النزوع إلى التجاهل..) لهذه القضية الهامة جدا على صعيد تكوين الشخصية. فالإنسان يعيش نمطا عفويا من الحياة(ولا أقول السلوك لأن الحياة تشمل كل القوى الكائنة ضمن الشخصية،أما السلوك فقد يفهم منه تجاوز بعض القوى فيها).
فالمعلوم أن الطفل يولد وهو يحمل معه عددا كبيرا من المكونات التي تولد معه بتأثير الوراثة- خاصة على مستوى الجسد- وأما على مستوى النفس فيميل الكثيرون من علماء النفس إلى وجود حالة وراثة فيها، ولكن على شكل استعدادات، وليس على شكل موروثات واقعية،مثال ذلك الأب المدمن على الخمر-مثلا- لا يورث إدمان الخمر لأولاده، ولكنه يورثهم الاستعداد للإدمان على الخمر- إذا توفرت ظروف تعاطيهم للخمر- أكثر ممن يولدون لوالد غير مدمن. ولعل هذا هو المغزى من الكلام القائل:((الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون)).
ترى مدرسة التحليل النفسي-والتي أسسها فرويد وتلامذته.. بان الإنسان يرث مكونات لا شعورية تمتد إلى الأسلاف البعيدين(جماع انتقالات هذه المكونات عبر أجيال طويلة من الآباء والأجداد القريبين والبعيدين..!) ويسمونه “اللاشعور الجمعي”..
هذا من ناحية الوراثة. (ما ينتقل إلى الشخصية عبر الجينات) سواء فيما يتعلق بالجسد أو النفس.
أما من ناحية المجتمع فبكل بساطة: – يولد الطفل وله أسرة(تنتمي إلى عشيرة أو قبيلة) والقبيلة تنتمي إلى قومية، ومن المفروض أن لكل قومية وطن يسكن فيه سواء عبر حالة استقرار مستمرة، أو عبر حالة هجرة.. أدى إليها ضنك العيش، أو خوف الحرب، أو غير ذلك.. أو تهجير قسري لدوافع سياسية أو دينية أو اقتصادية..!
المهم انه استقر في الموطن الجديد؛واستمر خلفاؤه، على مدى أجيال طويلة – مئات السنين أو آلافها-(وهذه أيضا تتجه نحو دور الوراثة في تكوينها وفق نظرية التحليل النفسي) ويسمى عادة،صلة الدم في التعبير الشعبي، وخاصة التفكير القبلي..وهي تسمية ليست خاطئة تماما؛ وإنما الخطأ في وضع دورها بحسب التطورات الاجتماعية. فمثلا التمسك بالعصيبة القبلية تأتي على حساب الوحدة القومية -الأكثر سعة، والمقوم الأساسي لبناء دولة القانون- التي يتعايش فيها الجميع وفق القانون.وهذا ما لا يتيحه الانتماء المتعصب للقبيلة(انتماء يمت إلى نوع من الايدولوجيا الأعرافية”من العرف”-إذا جاز التعبير) . ومن المعروف -في هذه الأحوال- أن غياب الاستقرار في نمط التعايش، والقلق، وعدم الانضباط بقيم واضحة الدلالة ،تجعل القيم مرتكزة إلى المشاعر المترجرجة، والمتغيرة بتأثيرات مختلفة-وهذا في بنيتها طبيعيا-
ومن ناحية المؤثرات الآتية من المجتمع فهي ببساطة:
– الانتماء الديني..المذهبي.. الطائفي.. الخ.
– الانتماء السياسي.. الحزبي.. مع تسميتها المختلفة..
– الانتماء إلى الجمعيات، والأندية المختلفة(دينية.. ثقافية.. اجتماعية.. بيئية.. رياضية.. اقتصادية.. فنية..الخ.(ودون أن ننسى التفاعل مع الذاتي والموضوعي فيها).
وهنا ينبغي أن ننتبه(أو نذكر) إلى أن العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية في تكوين الشخصية ، لا تنفصل عن بعضها تماما،فهي متداخلة، ومتكاملة، ومتفاعلة..والمفترض أنها متجانسة أيضا..!
والسؤال هو:
كيف يتم الانسجام بين هذه الانتماءات المختلفة التي يمكن درجها تحت عنوانين: (الذاتية والموضوعية)..؟!
وهل هذه الخصائص فطرية أم اكتساب..؟!
وكيف يمكننا التأثير فيها ..وتوجيهها إيجابيا لصالح نمط حياتي يوفر تفاعلا صحيحا، وسلاما واستقرارا..الخ؟
أين المشكلة..؟
لنأخذ نموذجا تاريخيا تتفق الاتجاهات المختلفة،حول شخصيته بخصائصها الواضحة في الجاهلية وفي الإسلام،وهو:
عمر بن الخطاب ..هذا الرجل الذي هابته قريش كلها..عندما هاجر علنا- وهو الوحيد الذي فعل ذلك- وقال قولته المشهورة لقريش في ناديهم- وهو يهاجر-:
((من أراد أن تثكله أمه فليلقني خلف الوادي..!)).
عمر بن الخطاب ..الذي حل مشكلة الخلافة، وقد كادت أن تبلغ حد الفتنة والقتال،فتدارك الأمر بحكمة وشجاعة عندما مد يده إلى أبي بكر مبايعا فتبعه الآخرون. -وانفضت سيرة كما يقال شعبيا-
هذا الرجل الذي كان الرسول دوما يدعو ربه قائلا فيه: أللهم اعز الإسلام بأحد العمرين، وكان هذا احدهما، وكان الثاني أبو جهل.
و بعمر ابن الخطاب هذا،اعز الله الإسلام في قريش.. وهو القائل ((نحن امة أعزنا الله بالإسلام)).
عمر هذا- قبل إسلامه- اخذ طفلته ليدفنها في الصحراء حية (وأدها). وفي الموؤودة- بشكل عام- نزلت الآية :وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت؟
ولكنه-بعد ذلك- أسلم..وقصة إسلامه مشهورة، ذهب إلى بيت أخته..التي أسلمت خفية ، هي وزوجها، ولكن عمر فاجأهما في هذه الزيارة. وسأل عن صحف من القرآن لم يتمكنوا من إخفائها، ووقعت عيناه عليها.. وحاول أن يمد يده إليها، ولكنهما منعاها عنه قائلين : لا يجوز لمسها بدون وضوء..ومع تساؤل.. وشد.. وجذب، كانت سوْرة الغضب خلاله آخذا بمجامع عمر؛ يشرح الله صدره للإسلام،فهو صاحب معدن أصيل.
وهو نفسه الذي كان يجوب الأحياء تفقدا لأحوال الفقراء،وينفخ النار حتى تتغلغل الدخان في ثناياها ليطعم عجوزا لا سند لها..
وهو الوحيد من بين المسلمين الذي راجع الرسول في صلح الحديبية متسائلا عن مدى صواب البنود..فيما أحجم عنه أبو بكر وعلي بن أبي طالب..كرم الله وجهه.ففيه شجاعة الحرب،وجرأة الأدب،وتواضع المتصوف، وزهد الزاهد،وحكمة الحكيم…الخ.
و(( الرجال معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام)).كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
وحول هذا المعنى نميل قليلا نحو علم النفس الذي يؤكد هذا المعنى، فمكونات الشخصية تجمع بين:البعد الوراثي، والبعد البيئي الاجتماعي- إذا جاز التعبير- ومن هذا البعد البيئي الاجتماعي نشخص:
*التحصيل المعرفي..
* التأثير التربوي (البيت- المدرسة- المجتمع..الخ).
* الخصائص الفردية(الشخصية) والبعض من علماء النفس يؤكد دور الوراثة في(الشكل الخارجي بدون خلاف، وكاستعدادات نفسية بدون خلاف غالبا، ولكن كخصائص نفسية موروثة فالخلاف حولها قائم) ولكن المرجح عموما هو أهمية كبيرة لدور الوراثة.
يروى ان أبا خليل الفراهيدي قال لأولاده يوما:
أنا ذو فضل عليكم. فقالوا بلا شك، فأنت والدنا ومصدر وجودنا..فقال: بل غير ذلك.فقالوا وما هو؟ قال: كنت شابا جميلا وذكيا واخترت لكم أما جميلة وذكية فكنتم كذلك.
يشير هذا القول إلى أهمية الوراثة في تحسين النسل، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تخيروا لنطفكم)).أو قوله: ((العرق دساس)).
فالوراثة لها أهمية في تشكيل الشخصية، والبيئة لها أهمية في تشكيل الشخصية.وكلاهما متفاعلان بدرجة أو أخرى ..
وقد حاولت الدراسات النفسية تحديد دور كل منهما، ولكنها لم تعط نتائج حاسمة.. يقول احدهم:
أعطني عشرة أطفال وسأشكلهم كما أريد،باعتبار الطفل صفحة بيضاء – لا تأثير للوراثة عليه بهذا المعنى. ويقول غيره ما معناه((الديك الفصيح من البيضة يصيح)) لا تأثير للبيئة بهذا المعنى.وهناك من جمع بين تأثير الجهتين-الوراثة والبيئة- وإن تفاوتت النظرة إلى نسبة التأثير وخاصة في الذكاء –القوة الأكثر تأثيرا في وعي وإبداع الإنسان .
تقول سوزان ايزيكس
((إن مسألة الذكاء لتبدو -في صميمها- مسألة وراثية بيولوجية.فمن أراد أن يكون ذكيا حقا فإن اختيار أبويه اختيارا حسنا أهم لهذا الغرض من اختيار معلميه!)).
((ولقد ثبت أن الذكاء الفطري هو أثبت الفروق واد ومها وأعظمها خطرا في بلوغ النجاح في المدرسة وفي الحياة)).
((إن المظهر الخارجي قلما يصلح لأن يكون دليلا على المستوى العقلي)).
((ولكن لباقة الطفل في الحديث لا تعني الذكاء دائما شأنها في ذلك شأن المنظر الجذاب.والحق أن اللباقة لتكون أحيانا ستارا يخفي وراءه الغباء)).
((وقد يعتور الطفل من سنة لأخرى نقص ضئيل أو زيادة ضئيلة في ذكائه ولكنه قل ان يسقط أو يرتفع عن فئته سواء أكانت متسمة بضعف العقل أم الغباء أم الذكاء المتوسط أم الممتاز))
كل هذه الأقوال تدلل على أهمية الداخل لا الخارج في قيمة الشخصية العقلية والذكائية، ونذكر أيضا:((إن اختلاف الأمزجة لا يقل عن حقيقته وخطره عن الاختلافات العقلية))
ويلاحظ أن هناك تفريقا بين (العقل) وبين (الذكاء) ولسنا هنا في مجال التفصيل.
هذه الأقوال التي أطلقتها الخبيرة ايزيكس استنتجتها من معايشة للأطفال طويلا،ومتابعة النمو في حياتهم.
ونحن نذكر أن ما سبق كله لا ينبغي ينسينا أمرين:
– دور التجربة في تصقيل الشخصية
– أن الدراسات التي قام بها علماء مختلفون تؤكد أن الخاصة البشرية في جميع الأقوام واحدة ولكن التربية والبيئة هي التي تجعل التمايز يبدو وكان قوما أذكى.
……………………………………………………………………..

(1) كتاب مبادئ علم النفس العام- الدكتور يوسف مراد (دكتوراه الدولة في الآداب من السوربون-أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة) طبعة 2 القاهرة يناير 1954.وهو كتاب شامل لأهم مباحث علم النفس خاصة فيما يتعلق بتكوين الشخصية وفاعليتها الميدانية..
– -الطفل في المدرسة الابتدائية-سوزان إيزيكس،ترجمة محمد مختار المتولي،مراجعة د.عبد العزيز المجيد.ط 1932
و(سوزان إيزيكس رئيسة شعبة نمو الأطفال بمعهد التربية في جامعة لندن ..وأخصائية في علم النفس بعيادة التحليل النفسي….
أخرجت سنة 1930 كتابها((النمو العقلي للأطفال))intellectual growth in young children . كما أخرجت في سنة (1933) كتابا آخر بعنوان((الترقي الاجتماعي عند الأطفال)) social development in young children-وهذا الكتاب سنة 1932).

 

المزيد من المقالات