سلوك السلطات المستبدة

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
يقول أحدهم –ربما ايمرسون-: “العالم قريتي”.
• في ظروف الحياة العادية -مهما كانت طبيعة النظم الحاكمة- ينشغل المرء بقضاياه اليومية،ويدع لأحلامه وتطلعاته ومعتقداته الفكرية والسياسية والاجتماعية… زاوية صغيرة قد يعود إليها عندما تتاح له فرصة لذلك بعد أداء أعماله الروتينية، ماعدا الذين يحترفون السياسة مهنة في حياتهم –بغض النظر عن الأسباب-.
هذا السلوك أصبح منهجا فرضته السلطات المستبدة على شعوبها لئلا يزاحموها في التطلعات السياسية.
فالسياسة في هذه النظم ليست سوى ممارسة التحكم في الشعوب وإدارتها وفقا لرغباتها. ومن المؤسف أن هذه الرغبات ليست سياسية وإنما أنانية بحتة، وتتخذ أشكالا مغرقة في التخلف كالأنانية والقبلية، والطائفية، والتحزب المشوّه …الخ، وحتى في حالتها الحزبية التي تكثف العمل السياسي فإنها تتحوّل الى نمط قبلي من نوع جديد في طبيعة العلاقة الحزبية، حيث تسود النفس والميول البدائية…!
وهذه جميعا لا تنتمي الى السياسة كمفهوم يدل على شعور بالمسؤولية في تطلع الى إدارة المجتمع في قضاياه الكبرى –الرئيسة، -على الأقل-من الناحية النظرية والمبدئية.
المفترض–وكما هو الأصل في عمل السياسة-ان لا يتدخل الحكام في حياة الشعوب التفصيلية، وإنما يهمه منها فقط الالتزام بالقوانين الناظمة للعلاقات في مختلف مستوياتها وتجلياتها. ولما ينظم حياتها ويحقق مصالحها بإدارتهم.
هذه القوانين هي التي صيغت بالتعاون مع الشعب؛ في ظروف النضال من أجل توفر الحرية والممارسة الديمقراطية لتجسد مصالح الوطن والشعب معا –بما فيهم الذين يديرون البلد. إنهم – في الحصيلة-من أبناء الوطن ناشطون يختزنون القوة الفكرية والحيوية والذكاء والفاعلية والشعور بالمسؤولية تجاه أنفسهم ووطنهم وشعوبهم. ويستمدون وجودهم في الحكم من شرعية القبول الشعبي لهم عبر الانتخابات الصحيحة والنزيهة. وما لم يكن كذلك فإنهم يهيئون، عامدين او جاهلين لمشكلات تهدر الكثير من معاني وقيم الحياة المريحة.
1- ما يحدث في الكثير من بلدان الشرق الأوسط والبلدان العربية في كليتها أنها تخضع للثقافة القبلية-اختزال شيخ العشيرة-القبيلة-الشعب في شخصيته. وزاد الطين بلة؛ نظام الخلافة الذي اعتمد الخليفة الأموي” معاوية” فيه نظام التوريث -ولاية العهد-تماما كما ينتقل حكم القبيلة الى ابن الشيخ فيها.
ولقد تشربت هذه الثقافة تيارات دينية كبعض مشايخ الصوفية مثلا حيث أصبح أبناء شيخ الطريقة يرثون المشيخة من آبائهم. ويفرضون مذهبهم على الآخرين بالقوة عندما يمتلكونها، وبالإيحاءات والوسائل المعنوية في الحالات المختلفة.
وتبنت الأحزاب التي يفترض أنها قائمة على التطوع والاختيار الفكري –السياسي… هذا الاتجاه، ووجدت فيه وسيلة تحقيق المطامع الأنانية، وكذا النظم الحاكمة في البلدان المتخلفة…!
لقد استمر هذا النظام طيلة عهود الخلافة الإسلامية-ما بعد الراشدة-حتى انهيار الخلافة العثمانية على يد الطورانيين –كمال أتاتورك وصحبه-
ودون أن ننسى صفحات مشرقة في بعض مراحلها التاريخية سواء لجهة الامتداد الحضاري أو لممارسة نمط مقبول من العدالة بمقاييس عصرها.
الخلاصة: ان الذهنية المسيطرة في ثقافة المجتمع المسلم –والعربي خاصة-هي تفرد الحاكم في الحكم، بعون من بطانة هي غالبا؛ من الأقرباء المقربين، وممن لا شعور بالمسؤولية لديهم تجاه الوطن والشعب؛ لسبب ما، يكمن في طبيعة انتمائها، أو ظروف تكوينها الثقافي والتربوي…-أوضح ابن خلدون ذلك في مقدمته الشهيرة-وتبعية الشعب له.
لذا لا نستغرب ظاهرة التصفيق الميكانيكي لدى هذه الشرائح والفئات والطبقات… عموما، إلى درجة انه تصبح ثقافة عامة؛ تجمع الحالة الذهنية الى الحالة السيكولوجية اليومية.
وهي ظاهرة ينتشي لها الحكام عادة، ويشجعونها…حتى يؤسسوا-ويعززوا-سيكولوجية شعبية تتقبل طواعية، الشعور باستثنائية الحاكم، بوسائل مختلفة كلها نفسية منها الرغبة والرهبة. وزرع الخوف في النفوس بان الحاكم إذا تغيّر فمنذا الذي يخلفه؟!
وما هي الكوارث المحتملة بعده؟!
ويستجيب لثقافة هؤلاء المتسلقين الوصوليين، الذين لا هم لهم سوى إشباع غرائز –مهما كانت – فهي مشوّهة.
هذا المناخ الذي يجهد الحكام في تشكيله في حياة شعوبهم لا تؤتي أكله على المدى البعيد القريب-إن جاز التعبير-وها هي تجارب الشعوب تشير-بشكل فاقع-الى فشله.
بل إنه يعيد الشعوب إلى الوراء سنين طويلة في مختلف مناحي الحياة بما فيها الثقافة… منذ تشكيل وانهيار الاتحاد السوفييتي-الأقوى والأطول بقاء زمنيا– ومرورا بالدول المرتبطة بها، وها هي تعبر عن نفسها في تونس، ولم يتعظ نظام مبارك بها، ليدفع ثمنا باهظا ..لاسيما الشعب الفقير والمظلوم .
فهل يتعظ بها الغير ممن بقي من الحكام، أم سيستمرون في نهج أثبت فشله تجاه قوْمة الشعوب. ؟!
والجميع –في النهاية يدفعون الضريبة، الحكام والمحكومون.!

 

المزيد من المقالات