استراتيجا

محمد قاسم
بالنظر إلى واقع الأمة الكردية التي نالها التقسيم بموجب سياسات دولية توافقت مع سياسات إقليمية أنتجت كردستانا ممزقا… موزعا بين عدة دول، تختلف في سياساتها،وثقافتها، وتركيبتها الديموغرافية، والاجتماعية …الخ. وقد انعكس ذلك، على كل الواقع الكردي.. والواقع الإقليمي.. والدولي أيضا.
على كل حال.. ليس هذا ما نريد؛ إلا بقدر ما يخدم في التقديم لما نريد.. وهو:
كيف ينبغي أن يفكر الكرد في سبيل حقوقهم المهضومة..؟ وقبل ذلك،حقوقهم المغتصبة…؟!
يتنازع الأمر، نظريتان متباينتان، وأفكار تتداخل معهما بشكل أو بآخر..
النظرية الأولى تقول:
-إن تاريخا طويلا من بقاء الأجزاء الكردستانية متباعدة عن بعضها.. إلى درجة انقطاع الصلة العملية في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية ..الخ؛ قد افرز حالة ثقافية شاملة من الاختلاف بين سكان هذه الأجزاء ..مما يتطلب نوعا من التدرج في التفكير السياسي نحو حلم كردستان الكبرى..! لا سيما.. وإن السياسة الدولية، والإقليمية، وربما الظروف الداخلية أيضا، لكل دولة تحتضن الكرد –بكردستانـ(هم)- فيها..! لا تنسجم في مصالحها مع تكوين كردستان كدولة موحدة ومستقلة..!
فلا يستسيغ التركي الذي عاش قرنا أو أكثر يرى في الكرد -وخاصة كردستانـ(هم) إذا جاز التعبير- جزءا من الدولة التركية لا يتجزأ( الكرد أتراك الجبال)…ويرى الفرس ذلك أيضا وتنسحب النظرة ذاتها على الحالة العربية أيضا( الكرد العرب).
ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة المكوّنة لدى أبناء الأمة الكردية ذاتها،هي في حالة إشكالية بدرجة ما.. من حيث أسلوبهم في التفكير..والتحليل.. والموقف.. والسلوك… في الحصيلة..!
من هنا، ترى هذه النظرة: ضرورة التدرج نحو تحقيق الحلم، وعبر آليات ديمقراطية.. يتوقع أصحابها أن يتم تطبيقها في واقع هذه البلدان(الدول) كنتيجة لمختلف العوامل التي تتفاعل هذه الأيام..وينعكس تفاعلها على مجمل أوضاع العالم( انتشار فكرة العولمة) بعد إذ كاد العالم أن يصبح قرية واحدة..! (هذا القول الذي ربما كان”ايمرسون “هو أول من استخدمها عندما قال: “العالم قريتي”. وإن كان المقصود بقوله هذا،-حينها- هو الرابط الأخلاقي “الإنساني” أساسا).
ولذا.. فالنضال ينبغي أن يكون منسجما مع هذا التطلع المتفائل..! وتجنبا لكوارث محتملة بخلاف ذلك…
النظرية الثانية تقول:
على الرغم من كل ما قيل – وربما- صحته كتشخيص تاريخي…إلا أن تسارع الأحداث والتطورات في العالم، وظهور مؤشرات على تغييرات في الخارطة الدولية – كما حصل في سايكس بيكو- مطلع القرن العشرين..يجعل من الفطنة أن يستوعب الكرد هذه الحالة الزاحفة على واقع المنطقة (الشرق الأوسط) شاؤوا ذلك أم أبوا…!
وبخلاف المحاولات التي يبذلها المنتفعون للمحافظة على الواقع الموجود لما في ذلك من خدمة لمنافعهم السلطوية، ولمنافع حاشيتهم الساندين لهم بسببها(وهي نظرية تبلورت في البيئة العربية بشكل خاص، واستدامت، بل وتكرست كـ(يقين) في (الذهنية العروبية) مما أفقدها المرونة والقدرة على التأقلم مع المتغيرات بشكل سوي…
وقل الأمر نفسه بالنسبة للقوميات الأخرى المستعمِرة- بكسر الميم- لكردستان،فـ ” كردستان مستعمرَة دولية ” كما يقول البروفيسور التركي المعروف، إسماعيل بيشكجي في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه).
بخلاف هذه المحاولات، فإن الموج قادم لا محالة (و النتيجة محققة كما كانت في الظروف السابقة). لذا فمن وجهة النظر هذه: إن مواجهة الحقائق خير من الالتفاف حولها، وتضييع الوقت والجهد فيما لا طائل منه. فمثلا –ودائما بحسب هذه الرؤية- : لا يتوفر الحد الأدنى من احتمال التغيير في ذهنية القائمين على السلطة في البلاد التي ألحقت أجزاء من كردستان بها(الترك والفرس والعرب…) هكذا أكدت التجربة العملية تاريخيا، بل و بالعكس.. فإن هذه السلطات ، حتى هذه اللحظة ، تسعى -ما وسعها الجهد- للطمس على الحقيقة الكردية بكل خصائصها الإثنية..!!
فلماذا –إذا- لا يستفيد الكرد من هذه الظروف التي يمكن استثمارها لمصلحة القضية القومية الكردية في كردستان بأجزائها الأربعة.. حتى وإن قدمت تضحيات لابد منها، كثرت أو قلت..؟!
تتواجه هاتان النظرتان وتتصارعان أحيانا، وخاصة بين الاتجاهين في التيارات السياسية (الحزبية) الكردية في سوريا، وغير سوريا. ويبدو أنه صراع بين نظرة غلبت فيها النظرة الكلاسيكية للعمل الحزبي، وبين نظرة تستعجل قطف الثمر –كما ترى-.
(ولا ينبغي تجاهل التطور المتسارع في الرؤى والمفاهيم السياسة والاجتماعية والاقتصادية …في العالم، مما يرشح حالة جديدة في العالم تتلمس طريقها عبر أطروحات لعل (العولمة) أهمها في الحالة الراهنة).
وفي الحالتين يبدو أن الضحية هي الاستراتيجيا..!
فمثلا في النظرة الكلاسيكية – وهنا ينبغي ملاحظة أمر مهم – لا تزال القيادات كلاسيكية.. تأقلمت مع مواقعها وفق ظروف القسوة.. والظلم.. والسجن.. والتعذيب، والتي كانت سائدة في البداية من تاريخها في إدارة العمل الحزبي بشكل خاص.. فهي تشربت بجرعات – ربما زائدة – من حسابات الخوف .. ليس بالضرورة خوفا شخصيا – فقد تكون خشيتها من تجاوز ما هو متاح من هذه السلطات القامعة، مما قد ينعكس سلبا على أوضاع الكرد وفي تجليات مختلفة، أو ربما لأنها تماهت مع مواقعها، فنظرت إلى العمل النضالي وكأنه مردود عليه وحده من حيث التأثير والمنعكسات والتي لم يعودوا مستعدين لها في أشكالها المؤلمة كاحتمال قريب جدا.ومن أمثلتها في سوريا:
إحصاء عام 1962 ، والحزام العربي، و مفرزاتهما المختلفة، فضلا عن السجون والتعذيب- كما حصل بعد 12 آذار 2004- حيث تم إطلاق الرصاص الحي، فاستشهد- نتيجتها- العشرات من شباب في مقتبل العمر، وجرح المئات دون اكتراث من السلطات بذلك..! بل لاحقت السلطات الناس بدلالة جروحهم وعاهاتهم الناشئة عن إطلاق الرصاص عليهم، لزجهم في السجون بطريقة لا تخلو من وحشية، عبرت عن طبيعة التكوين النفسي والأخلاقي لهذه السلطات، وعبرت عن أسلوب نظرتها إلى الكرد ، وسيق الآلاف إلى السجون، واستشهد بعضهم تحت التعذيب، ونال البعضَ إيذاءٌ نفسيٌ عميقُ الأثر، إن لم نقل الكثيرين منهم ،إضافة إلى الإجراءات العسكرية في المناطق الكردية …الخ.
ولكن يبدو أن هؤلاء لم ينتبهوا إلى أن هذه الأحداث -التي كانت جهات سلطوية وراءها- قد نقلت القضية الكردية في سوريا إلى موقع متقدم، وضاغط بشكل ما، على – ليس فقط السلطة- بل المعارضة أيضا ، بل وقد كشفت هذه الأحداث عن طبيعة الذهنية العروبية في كل المستويات السلطوية والمعارضة؛ للعالم.
أي أن التجربة – على الرغم من مرارتها- قد أنتجت أكثر مما استطاعت أن ينتجه – سياسيا – خمسون عاما من الأداء السياسي(الحزبي) الكردي بالوسائل الكلاسيكية.(النضال على الورق) في سوريا خاصة.وان كنا لا نلغي القيمة النضالية التراكمية خلال هذه الفترة الطويلة بسلبياتها وإيجابياتها .. بل من الضروري تلمس الممارسات السلبية فيها لتجنبها في المراحل القادمة.
ومن الناحية الأخرى.. فإن أصحاب النظرية الثانية، و التي اعتمدت أسلوب النضال الميداني- سلميا أو عسكريا- لم يحضِّروا لهذا العمل ذهنيا وسيكولوجيا وفقا لحسابات الاستراتيجيا، والتنظيم الدقيق في العمل، ليجنبوا الشعب منعكسات سلوكٍ سلطويٍ متحاملٍ ومسكونٍ– ربما– بشيء من التخلف.. والكيدية تجاه الكرد، ولأسباب هي ذاتها، أنتجتها.. وتبنتها (وهذه ظاهرة في التكوين الذهني والسيكولوجي العروبي والتركي والفارسي وللأسف). أسلوب دائري في التفكير، يصبح الأساس لتكوين ذهني، ونفسي يقيد إمكانية التغيير فيها(فكر سكوني). والأشد إيلاما في هذه الذهنية هو: عدم القدرة على قبول الآخر-على الرغم من الصفحات الغزيرة المملوءة عن إنسانية الفكر العروبي وحضارة الفرس والترك والتي تمتلئ بالحديث عنها خزائن كبيرة من الكتب والتصريحات والمحاضرات والأرشيفات…الخ..
وكانت النتيجة، أن الخسائر كانت أكبر من المتوقع-شهداء حركة الشارع في سوريا،وشهداء العمل العسكري في تركيا،وفي العراق في ظل نظام صدام ..وعلى الرغم من أن ذلك هو مسؤولية القتلة..إلا أنه لا يعفي أصحاب النظرية هذه، بل وحتى أصحاب النظرية الأولى أيضا (الكلاسيكية) من مسؤوليتهم تجاه أحداث كادت أن تبتلع الكثير الكثير من الحقوق، في شكل أرواح تحصد، وأجساد ونفوس تعذب، وأموال تهدر من غوغاء، تحت سمع وبصر سلطة تعتبر الحامل الأكبر للمسؤولية، كسلطة تمثل الحالة القانونية بأي اعتبار كان. والتي هي ـ تفتقد الرؤية الإستراتيجية لمعالجة قضية حُمِّلتها، ولم تعرف كيف تتعامل معها، بل استحسنت إجراء يمكن تصنيفها تحت بند التجاوز بدوافع مصلحيه سلطوية(وإطار ذهني) تحت أسماء شتى: قومية، تاريخية، فلسفية.. الخ. ودون أن تنتبه إلى البعد الفخي- نسبة إلى الفخ إذا جاز التعبير- فيها، من الذين يجرونها إلى سلوكيات تبرر لهم التدخل بشؤونها.(مثال: قضية دارفور، أخطاء صدام المختلفة،نهج النظام السوري في لبنان..نهج إيران السياسي.. الوضع الجديد لتركيا..الخ). هكذا غابت أو ضاعت الأستراتيجيا في الحالة الكردية- وفي الحالة العربية أيضا وربما الفارسية والتركية أيضا- في الجهات الأربعة من كردستان..و من كل من المناضلين من جهة، ومن السلطات من جهة أخرى…وكانت النتيجة.. صراعات ذات بعد نفسي.. أنتجت دمارا في التكوين التربوي للإنسان في المنطقة.. وفي جميع أبعادها (الاجتماعية..الفكرية.. النفسية..السياسية..الخ).
وإذا عدنا إلى تراث يكرر العروبيون(والإسلاميون أيضا) اعتزازهم به، فلا نجد توافقا بين هذا الاعتزاز وبين ما يمارس في الواقع..!
يقول سبحانه تعالى(( …ولقد خلقناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) ويقول (( كنتم خير أمة أخرجت للناس ……تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)).
ونرى ان أسئلة مشروعة تطرح نفسها:
-هل اغتصاب الحقوق من الأمر بالمعروف؟!
-وهل قتل النفس التي حرم الله قتلها من التقوى؟!.
-وهل الحياة حقوق ينبغي أن توصل وتصان..؟
أم هي سياسة تغتصب وتبرِّر الاغتصاب؟!
-وهل السلوك العسكري المتطرف والمبالغ فيه في القتل والتشريد وتدمير القرى والمدن …هو سلوك حضاري..؟!
لئن لم يحاول المتشددون في القوموية- العروبية والطورانية والفارسية- استيعاب رسالة السماء..! فأين موقع وموقف المؤمنين بها –إذا- من أبناء هذه القوميات المتجاوزة ؟!
ومن جهة أخرى ما العدة التي تسلح بها الكورد لمواجهة أسوأ الاحتمالات من حكومات لا تعرف سوى البطش والقمع تحت عناوين غريبة ومختلفة،انسجاما مع الذهنية المشوهة والمنحرفة عن مسار تراثها -الإسلامي افتراضا-..؟!
ما هي إستراتيجية الأداء الكردي يا ترى؟!

 

المزيد من المقالات