نحو حوار يحاول أن يكون موضوعيا

محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”

بين الفينة والأخرى يبادر بعض المثقفين العروبين إلى التعبير عن مواقف انفعالية – وربما -متعصبة تجاه الكرد ، عبر شاشات التلفزة أو الصحف والمجلات أو الكتب …الخ.
وعلى الرغم من أن بعض المثقفين العرب يقفون في الجهة المقابلة(1) ويحاولون إنصاف الكرد، ونحن نشكر لهم ذلك، إلا أننا نشعر بالحاجة إلى تناول هذه المسألة وطرحها بشكل فكري حواري ؛ نجهد أن نستبقيه في المسار المتعارف عليه بآدابه ودوافعه وأهدافه، لا منة وتفضلاً ، وإنما لأننا نؤمن أساساً بأن هذه هي الصيغة التي يجب أن يكون الحوار عليها أولاً، ولأن المصلحة المشتركة بين العرب والكرد تتطلب مثل هذا النمط والمسار؛ واقعياً ومنطقياً وأخلاقياً، فضلاً عن التاريخ الذي يتضمن قروناً طويلة من الاشتراك في الدين والثقافة والعيش ومتطلباته ومنها الجوار الجغرافي
وكما نرى: فإن المشكلة في هذه المسألة تكمن في جانب نفسي أساساً(2). ومن ثم في فهم مختلف لقراءة التاريخ والراهن أيضاً، (إذا تجاوزنا خلفيات ترتكز إلى ارتباطات -من نوع ما-مع دوافع ونتائج تيار عالمي، براغماتي يتعامل مع الكون كله من منظور مصالحي، ويرى كل سلوك مبررا، إلى الدرجة التي تتوافق فيها مع مضمون القول الشائع والمنسوب إلى ((نيقولا مكيا فيلي)) صاحب كتاب (الأمير): ((الغاية تبرر الوسيلة)). أو ما يسمى بـ((واقعية السياسة)) أو (( سياسة الأمر الواقع )) .
ولكي لا نقع في أسلوب الرد والرد المعاكس، والذي يؤدي– غالباً ما-إلى الجدل المذموم، فإننا ننوي تحديد الحالات الإشكالية الأساسية في نظر شريحة مثقفي العروبة -أصحاب النظرة السلبية إلى الكرد -استناداً إلى ما يرد في تعبيراتهم شفاها أو كتابة.
وسنسعى – ما وسعنا الجهد -أن نحاورهم بشأنها، ودون الزعم بأننا نمتلك الحقيقة دوماً، وإن كنا نسعى إليها.
ولعله من بديهيات الأمور لدى المثقفين بأن امتلاك الحقيقة مسألة نسبية، ولذا فسينصب سعينا على التعرف على المساحة المشتركة بيننا، والتي ينبغي أن نتفق بشأنها، وفرزها عن المساحة التي هي موضع اختلاف، وسنحاول بذل ما يمكن من الجهد؛ للحوار حولها، وفق معطيات في إطار مستلزمات الحوار الموضوعي وهي: 1- النهج المنطقي (العلمي). 2-والأسلوب الأدبي (الأخلاقي).
منطلقين من دوافع تتسم بالنبل والاستحقاق المشروع، وعلى قدر الطاقة البشرية.
(فالطاقة البشرية ليست مطلقة كما يعلم الجميع).
وللاستئناس، وتكوين مناخ مبدئي للمنطلقات في الحوار؛ لا نرى بأساً من إيراد بعض آيات من القرآن الكريم، أو بعض من أحاديث للرسول () أو بعض خلاصات من الفكر البشري في هذا الموضوع. ولعلها تحقق الفائدة المرجوة؛ من حيث تكوين المناخ الايجابي للحوار.
قال تعالى في سورة النساء: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاً كثيراً ونساء)). وفي سورة الإسراء يقول:( (ولقد كرمنا بني أدم)) وفي سورة الحجرات يقول: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)) وفي سورة النحل يقول: ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن)).
وفي رواية للترمذي يقول الرسول(ص): (( ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء)).
ويقول أحد الشعراء مخاطبا متكبرا من بني البشر :(3) (إيليا أبو ماضي)
نسي الطين ساعة أنه طيــــــن حقير فصان تيها وعربد.
يا أخي لا تمل بوجهك عني ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أيها الطين لست أنقى وأسمى من تراب تدوس أو تتوسد
لا يكن للخصام قلبك مأوى إن قلبي للحب أصبح معبد
أنا أولى بالحب منك وأحرى من كساء يبلى ومال ينفد
نسوق هذه الأقوال كنماذج فقط؛ للدلالة على: الاشتراك في المعنى الإنساني بين بني البشر جميعا. ولعل سرد هذه الحقيقة بأمثلة واقعية واضحة؛ تتبعها أمثلة أخرى في السياق؛ سيبين لهؤلاء المثقفين العروبيين مدى المغالطة في كثير من رؤاهم وتحليلاتهم، ومن ثم تذكر أنهم ليسوا فوق هذا المعنى.
ولقد حاول قبلهم فلاسفة النازية والفاشية -وربما غيرهم أيضا-أن يجدوا بأسلوب يسخِّر ما لديهم من التقدم العلمي، منفذا أو متكأ يستندون إليه في تصنيف الشعوب على أساس عرقي، ليتخذوا منه سندا في اعتبار أنفسهم أعلى قيمة في سلم التصنيف هذا، ولكنهم لم يفلحوا …! إذ خذلهم النهج العلمي – فضلا عن الدين والأخلاق-ولقد أدخلهم هذا الاتجاه العرقي في حربين كونيتين لا يخفى على أحد ما أنتجتاه من الويلات والمآسي…! (4)
فالقول بسواسية الناس كقيمة بشرية يعتبر تحصيل حاصل إذاًً. أما الاختلاف بين بني البشر فليس سوى نتائج تأثيرات الظروف التي أحاطت بالأفراد أو الشعوب(الأمم). ((وقد فطن “ابن خلدون” إلى أن نضج الحياة العقلية أو اضمحلالها مرجعه إلى الظروف السياسية والأحوال الاجتماعية والاقتصادية التي يحيا فيها الشعب وليس مرده إلى طبيعة العقل عند الشعوب)). (5)
هذه حقيقة أقرتها الأديان وأقرها العلماء والحكماء من شعوب مختلفة وفي أزمنة مختلفة فضلا عن كونها مدرَكة من كل ذي فطرة سليمة.

عوْدٌ إلى البدء:

من هم الكرد؟!
– أصلهم، تاريخهم، بلادهم، وهل لها امتداد في حدود الخارطة المرسومة للوطن العربي حاليا؟
– ثقافتهم، هل هي أصيلة؟ أم هي مزيج من بقايا ثقافات مختلفة؟ ما صلتها بالثقافة الإسلامية؟
– العلاقة بين الكرد والعرب، ما مدى مشروعية مطالبهم وطموحاتهم تاريخيا وراهنا؟
– اتهامات من مثقفي العروبة ومدى مصداقيتها؟
– ملاحظات!
وسنحاول مناقشة هذه المحاور بشكل سريع منطلقين من عدة اعتبارات أهمها:
1- عقيدة التساوي بين الناس – شعوبا وأفرادا -من حيث العرق واللون والأوطان المختلفة لهم، وبأنه لا يمَّيز بينهم إلا التقوى والعمل الصالح على مستوى الدنيا وعلى مستوى الآخرة معا.
2- أولوية الراهن على الماضي، مع البحث فيما يوصل بينهما، ويوفر لهما معنى الاتصال، والامتداد، والتجانس، لمصلحة الحاضر والمستقبل…! فالماضي انتهى دوره، وما استعراضه إلا للمعرفة من جهة، ولأخذ العبرة من جهة أخرى.
3- المرونة في عرض الأفكار والقناعات، باعتبار أن الحقائق نسبية، خاصة فيما يتصل بالتكوين الاجتماعي التاريخي…
4- احترام رأي الآخرين بالغا ما بلغ، ضمن آداب الحوار.
5- التمحور حول الغاية وهي جلاء الحقيقة بقدر ما يمكن والهدف، التوصل إلى قاسم مشترك في قضايا الحياة للانطلاق منه إلى تصور نمط تعايش وتفاعل مفيد للجميع.
أولا: من هم الكرد؟
إذا حاولنا البحث في أصول الكرد سنضطر إلى العودة إلى مراجع مختلفة تتناول أصل الكرد كما هو الشأن تماما في البحث عن أصول الأقوام الأخرى. وسنجد ذلك ملخصا في:
أطر عامة معتمدة بدرجة ما، وتفاصيل مختلفٍ عليها إلى حد التناقض أحيانا، ويبدو أن هذا هو طبيعة البحث في القديم(التاريخ) خاصة إذا بعدت المسافة كثيرا، وكانت المصادر إشكالية لسبب ما (جهل، تحيز، تحريف، فقدان الوثائق، نزوع سياسي…الخ).
ولكي أوفر على نفسي وعلى الإخوة القراء جهدا ووقتا؛ فقد غلّبت اللجوء إلى مرجع واحد وهو كتاب: )) خلاصة تأريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية وإلى الآن)).
تأليف ((محمد أمين زكي بك)) نقله إلى العربية وعلق عليه ((الأستاذ محمد علي عوني))
الناشر ((حسين قاسم قاسم)) مطابع زين الدين / القرية/ لبنان-ط 1405ﻫ/1985م.
وقد نستعين ببعض المصادر الأخرى إذا وجدنا لذلك حاجة.
من وصف المترجم للكتاب في ص /ج:
((وهو في الحق كتاب قيم فريد في بابه، صحيح في أسانيده، وغني بمصادره لا يستغني عنه، الكاتب الاجتماعي والرجل السياسي والعالم المحقق…)).
ويقول المؤلف في ص/يب:
((لقد بذلت الجهد الكثير. وسعيت سعيا حثيثا لإحياء موضوع التاريخ الكردي القديم، لدرجة أني أعدت البحث مرارا وتكرارا، واستأنفت العمل من جديد أربع مرات كاملة…))
((وإني لا أدعي أن هذا كتاب تاريخ للأمة الكردية، يخلو من النقص والقصور، بل أعتقد أن فيه نقصا كبيرا. رغم أنه نتيجة البحث والدرس لمائتين وخمسين مجلدا من الكتب الإنجليزية والفرنسية والألمانية والعربية والتركية والفارسية…)).
موضوعات الكتاب:
∎الفصل الأول: كردستان ، موقعها …الكرد في إيران،الكرد في تركيا،الكرد في العراق، الكرد في روسيا، الكرد في سوريا،الكرد في بلوجستان والهند والأفغان.
∎الفصل الثاني: منشأ الكرد وأصلهم.
∎الفصل الثالث: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور إلى الميديين: لوللو،كوتي،كاساي، ميتاني، خالدي، سو باري،نايري.
ومن عهد الميديين حتى ظهور الإسلام، ميدي 105{هكذا في الكتاب}. من ظهور الإسلام حتى الإغارات التركية {وهكذا حتى الفصل السادس} الكرد لغاية اليوم، الكرد في القرن العشرين.
∎وأما الفصول الباقية (السابع والثامن) فهي تتناول ما يتعلق بطبائع الكرد وديانتهم ولغتهم وعشائرهم في الأقاليم المختلفة.. (ينبغي التنبيه إلى العبارات الموضوعة بين إشارتي { } من عند الكاتب للفت الانتباه.
إننا لا نريد الغرق في أبحاث تاريخية وإنما فقط أشرنا إليها لأن البعض-وعلى الرغم من سويَّتهم الثقافية-غافلون، أو قاصرون عن معرفة ما يتعلق بالكرد وإن اختلفت الأسباب. إذ لا عذر- كما اعتقد – لمن يعبر عن نفسه باحثا في موضوع ما ولا يملك معرفة عنه{ وهذا الأمر ذاته – وللأسف – أي (عدم الإطلاع المقصود في الغالب استصغارا للموضوع، أو تعمية عليه) هو تعبير عن نزعة عصبية ((عروبية)) ساهمت في منع كل ما يتعلق بالكرد من مصادر وكتابات وممارسات ثقافية…الخ، إلى درجة أن بعض المكتبات الجامعية- وهي مراكز ثقافية عالية المستوى ويفترض أن تكون حرة أيضا – شددت في حجب الكتب التي تتناول الكرد، عن طالبيها، بل وكانت توحي بنظرة أمنية لمن يطلبها في البلدان التي يتواجد فيها الكرد أحيانا (سوريا مثلا)}.
لذا فإننا سننطلق من واقع وجود الكرد راهنا.
فالكرد (أو الكورد) شعب(أوأمة)مقسم بين عدد من الدول بموجب تقسيمات قام بها دول الغرب الاستعمارية في مراحل مختلفة، آخرها ((سايكس بيكو)). ولمن شاء الإطلاع عن كثب-بالإضافة إلى المصادر النظرية-فليقم بسياحة تشمل شرق تركيا، وشمال العراق، وغرب إيران، وشمال سورية، وجنوب روسيا، ليجد شعباً يعرف بـ (الكرد). ويقدر عددهم بأكثر من (أربعين ) مليونا،(6) يتحدثون بلغة متميزة- اللغة الكردية- وإن تعددت لهجاتها، ويمارسون أنشطة حياتية متقاربة المظهر وخاصة الزراعة وتربية الحيوانات في الريف ومختلف الأعمال والتجارة والمهن…في المدن- وقد سهلت الفضائيات أمر متابعة مثل هذه الأمور – ولدى الجميع؛ الشعور بالانتماء إلى أصل قومي واحد، ودون المبالغة في التعصب العنصري – لدى المثقفين على الأقل – ولديهم طموح في العيش المشترك ضمن منظومة اجتماعية على أساس قومي وطني إنساني، ولكن ولتقدير الظروف- أمر الواقع المجبول بحالة تاريخية، وتمنّع سياسي من حكامهم من غير الكرد،وطبيعة المصالح الدولية – فإنهم يقبلون العيش ضمن ظروف الواقع (أمر الواقع) والذي جعلهم يعيشون مع شعوب ( تركية وفارسية وعربية وروسية …الخ) وفق صيغ حياتية تتيح لهم ممارسة حياتهم؛ بعناصرها المختلفة، وكما خلقهم الله عليها، والعيش برضا مع هذه الشعوب؛ شريطة الاعتراف بهم، وإعطائهم الحقوق التي يستحقونها وفق ما قررته الشرائع ومنهاج الأمم المتحدة…وغيرها. والمعروف عنهم؛ أنهم دخلوا الإسلام(7)، وساهموا فيه بقوة وصدق؛ إلى درجة أصبحوا فيها حالة مستغلَّة لصالح قوميات إسلامية لا تزال حتى هذه اللحظة تغمطهم حقوقهم؛ حتى في مستوياتها الأدنى. مثل: إعلانهم عن شعورهم القومي، ممارستهم للغتهم وثقافتهم. ناهيكم عن الاضطهاد البغيض، والمتجلي في إبقاء مناطقهم متخلفة، على الرغم من الادعاء من الحكومات بأنها جزء من الوطن، ومنع ممارسة كل ما يبرز خصوصيتهم القومية، إلى درجة سحب الجنسية منهم، أو بناء مستوطنات لأبناء الشعوب الحاكمة لتحقيق تغيير ديمغرافي… وغيرها(8)، والأمثلة أصبحت مكشوفة وصارخة بعد سقوط نظام صدام وما ظهر من خفايا ممارساته؛ والتي هي الممارسات نفسها في الدول الأخرى – ربما مع فارق في الدرجة والمدى أو الضجيج الإعلامي…-.
هذا الشعب(الكردي) له سياق تاريخي لا يمكن إنكاره؛ وان كان قد تعرض لأنواع من تجاهل مقصود” بدوافع تعصبية، أو مصلحيه” أو غير مقصود” نتيجة لاعتبارهم مسلمين” والكتابة عنهم بصفتهم الإسلامية، والتي كانوا، ولا يزالون يشعرون بصلتهم الوثيقة بها، واعتزازهم أيضا بها…تشهد بذلك مساجدهم الكثيرة، وعلماؤهم، ومظاهرهم الإسلامية، والتزامهم بأخلاقيات الإسلام، وحرصهم على ديمومته بخصائصه النقية– ربما – أكثر من الذين يتهمونهم بمناسبة وبدون مناسبة-إذا استثنينا بعض ردات الفعل حديثة العهد بسبب المواقف الغريبة من العروبيين ومنها موقفهم من (حلبجة والأنفال) وغيرهما من الأحوال الفظيعة التي تعرض الكرد لها!!.
حقائق تنطق بها مراجع تاريخية مختلفة ذكر السيد/ محمد زكي بك / مائتين وخمسين من هذه المراجع، ويمكن لمن يريد العودة إليها، إضافة إلى مراجع بدأت بالظهور بعد انحسار نسبي لموجة التجاهل التي مارستها الأنظمة الحاكمة لها، بسبب المستجدات في المنطقة. وإذا حصل اختلاف في هذه المراجع حول بدايات أصولهم فليس ذلك بدعة خاصة بهم وحدهم، وإنما هي حال جميع الشعوب في المنطقة، بسبب ما تعاقب عليها من الجماعات والشعوب والحضارات والحروب والتي يعرف الكثير منها؛ كل من له متابعة لهذه القضايا، نذكر منها فقط حروب الاسكندر المقدوني(9)، والذي مات في هذه المنطقة. وذكر المؤرخ اليوناني (اكزينيفون) بعضا من تفاصيلها، ومنها إشارته إلى الكرد باسم ((الكاردوخ)) والذي يعتبره بعض المؤرخين من أصول التسمية الكردية(1). وبالمقارنة بينهم وبين شعوب أخرى عاشت في هذه المنطقة، لعلهم الأكثر قدرة على الحفاظ على خصوصيتهم الكردية بمختلف مكوناتها (لغة، شعور قومي يتجه للعيش معا، نضال من أجل البقاء…الخ) على الرغم من الظروف الصعبة التي عاشوها، ولا يزالون يعيشونها ضمن الحاكميات التي ذكرت سابقا.
ولقد وصفهم كثيرون بالشجعان ومنهم: الصحافي الأمريكي: دانا آدمز سميث صاحب كتاب (رحلة إلى رجال شجعان في كردستان) بل ويرجح البعض بأن تسميتهم بالكرد تعود إلى (معنى الشجاعة) الذي تدل هذه اللفظة(كرد) عليها.
يقول المؤرخ الكردي الدكتور جمال رشيد – في لقاء معه نشرته مجلة (كولان العربي عدد/28/ أيلول 1998م بعد تعريف بالمؤرخ وما يجب أن يكون عليه…:((إذا بحثنا باختصار عن من هم الكورد! إنهم نتاج مأساة تاريخ بلاد الكورد، فهناك مآسي كثيرة لها ارتباط بتاريخ كوردستان)).
((في التاريخ الحديث عندما قدم السلاف إلى أوروبا واستوطنوها كانت هناك عشائر ألمانية لا يفهم السلاف لغتهم، لذا كانوا يطلقون عليهم اسم (نيمس) أي الأخرس، و(نيمس) الآن هي النمسا، وهي دولة يتحدث شعبها الألمانية)).
((وقديما وجدت هذه الحالة في كوردستان. فبعض الناس يقولون إن لفظة الكورد جاءت من (كوتي، جي وجي-أي قال، وهذا وذاك) وأنا أجزم بأن لا علاقة لهذه اللفظة بتلك الألفاظ. فربما هناك تشابه بينهما من ناحية الإخراج الصوتي، فعندما كانت لفظة (كوتي) موجودة فإن الكورد أيضا كانوا موجودين فلماذا لا تكون هذه اللفظة (كورد) هي نفسها وليست مأخوذة من (كوتي)؟
((إن مناطق فيشخابور وعامودا، قامشلي في سوريا حتى تصل إلى زاخو كانت تسمى بلاد الكورد، لكن لفظة كورد في تلك الفترة كانت لها دلالة توبومية وليست إثنية، فكما أن (بارسو) في منطقة كرمنشاه تعد (و) تنوينا لها وتبقى في الأصل (بارس) إن اسم (ماك كورداك) الذي دون في العصر الأكدي باللغة المسمارية والذي عثر عليه الباحثون البلجيكيون، دليل جيد جمعته. وقد ورد ذكر (كوردا) في 22 موضع كدلالة على منطقة.
وفي تلك الكتابات مكتوب ملك كوردا، منطقة كوردا، مدينة كوردا، أي أن كل تلك المسميات مرتبطة باسم الكورد في وقت أن الشعب الكوردي سكن المنطقة بعد هجرة الهندو آريين الذين كانوا يسمون بالميتانيين، بعدها ظهرت الدولة الميتانية، وكانت عاصمتها في منطقة بلاد الكورد. أي أنه علاوة على التسمية القومية فإن اللغة الكوردية أيضا والتي هي لغة هندو أوروبية تظهر في نفس المنطقة. وتصبح بذلك المركز الذي ظهر فيه الكورد. فعلى هذا الأساس نجد مينورسكي وباسل نيكيتين قد ذكرا في كتبهما ((إن الشعب الكوردي ظهر في وسط كوردستان)).
((إن ظهور الشعب الكوردي في هذه المنطقة كان نتاج كارثة تاريخية قبله فالشعب الكوردي من ناحية اللغة والعرق ليس هندو أوروبيا ولا ساميا بل له عالمه الخاص)) انتهى قول الدكتور جمال رشيد.
وأما مشاعرهم تجاه العرب فقد كانت مغموسة بالروح الإسلامية الفياضة؛ والتي تعتبر العرب مادة الإسلام، وأصحاب الفضل في نشره، إلى درجة أن عقيدة الشعور بالاحترام للعرب بلغت درجة مبالغا فيها، فانصهر كثير منهم في الإسلام بثوبه العربي-إذا جاز التعبير-. ومن المؤسف أن العروبيين فسروا هذا الشعور بطريقتهم الخاصة، فدمجوا بين العروبة والإسلام بحيث اعتبروا أن كل ما هو عربي إسلامي، وكل ما هو إسلامي عربي، بطريقة انتقائية بعيدة عن القياس المنطقي الصحيح، ولصالح نمط فكري عروبي قوموي عنصري؛ أشار إليه كثير من المنصفين من العرب أنفسهم(11).
فالعروبة – فعلا-هي الآن قومية، ولها -كمفهوم ثقافي-تقدير لدى المسلمين بشرط أن لا يحولها العروبيون إلى ميزة قومية، يتعالون بها على الآخرين كما يفعل التيار العروبي المتطرف (البعثيون بشكل خاص)، و كانت قبل الإسلام مجرد مشاعر قبلية متعصبة ولزمن طويل (عصرا لجاهلية) إلى أن جاء الإسلام ليلملم هذه المشاعر، ويصهرها في بوتقة عقيدة كونية؛ كما فعل مع شعوب أخرى تحت شعار كوني هو ))إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)). ولكن الفهلوة التي تميز بها العروبيون؛ والذين انفصلوا في تفكيرهم عن الواقع – كما يبدو-أصبحوا ينسجون ما يشاؤون من النظريات والمنظومات الفكرية (الأيديولوجية) ليجعلوا الإشارة إلى الدين الكوني؛ هي إشارة إلى القومية العربية فاعتبروا((الأمة)) هنا؛ هي (الأمة العربية) بدلاً من (الأمة الإسلامية). وفسروا الآية الكريمة (( كنتم خير أمة أخرجت للناس)) على أن المقصود بها هو((الأمة العربية )). والبعض منهم يعكس قول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): ((لقد اعتز العرب بالإسلام)) إلى القول: لقد اعتز الإسلام بالعرب. مثلا:

وبدلاً من سريان المعنى الإسلامي الأممي (أو الكوني) الذي يتجاوز الحواجز القومية والعرقية والقبلية -ودون تجاهل لها، باعتبارها خاصة اجتماعية واقعيا -. فقد أفْرغ هذا المعنى من قبل العروبيين من مضمونه لصالح مفهوم العروبية المتعصبة، والذي تبناه هؤلاء -وربما بمباركة أو إيحاء من قوى غربية أو(غريبة) -مستفيدة من تكريس هذا الاتجاه في تفسير العلاقة بين الإسلام والعروبة منذ سقوط الدولة الرومانية والفارسية، ومروراً بالمراحل المختلفة للصراع بين الدولة الإسلامية وأعدائها، والذين تجسدوا في الغرب المتعصب دينياً، والذي حاول استباحة الشرق المسلم بحجة حماية (القدس) والمراكز المسيحية المقدسة فيها، بزعمها، فيما بات يعرف بـ ((الحروب الصليبية)). وهي تسمية أطلقها الغرب نفسه عليها؛ لاستنهاض المشاعر الدينية المسيحية لدى أبناء قومياته المختلفة. وهي حروب معروفة تاريخيا، ً والمراجع الباحثة فيها كثيرة. ولكن الذي يهمنا -ونحن في سياق الحديث عن الكرد-هو معركة (حطين)الفاصلة، والتي قادها البطل الإسلامي الكردي ((السلطان صلاح الدين الأيوبي)). والذي يشير إليه العروبيون – كما يشيرون إلى غيره من ذوي الشهرة العسكرية والعلمية من أصول كردية وغير كردية أيضا-باعتبارهم (عرباً) في أدبياتهم المختلفة، ولهم في ذلك فلسفتهم الخاصة، والتي تتجاهل وقائع التاريخ وحقائق الواقع؛ ودون حرج من هذا النهج المغرق في الذاتية، لخدمة هدف خاص وبإيحاء من غرباء – كما أسلفنا-ولعل الغرب من أهمهم!.
ففي هذه المعركة الحاسمة-حطين-كان التلاحم واقعاً معاشاً بين قوميات عديدة (كردية وعربية وتركية وشركسية وفارسية … الخ) وعلى رأسه قائد كردي. ولكن الجميع كانوا يقاتلون تحت راية واحدة هي راية الإسلام. وقبل ذلك كانت القيادة لـ (رجل تركي) وتحت الراية نفسها؛ وهو القائد الزاهد (نور الدين زنكي ). وقبل ذلك كانت القيادة لـ (عرب باسم الخلافة العباسية والأموية والراشدة. وفيما بعد؛ الدولة الأيوبية، حكم المماليك واشتهر منهم (الظاهر بيبرس) الذي قاد معركة عين جالوت وانتصر فيها على المغول. وهكذا فقد كانت الظروف ومكوناتها الواقعية تلعب دورها في قيادة هذا أو ذاك، لكن الجميع كانوا يسعون إلى رفع راية واحدة هي راية الإسلام وتحت عنوان واضح هو ((إنما المؤمنون إخوة)) ويزيد الأمر تفصيلا ((ولقد جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)). وفيما عدا ذلك؛ فلا تفاضل بين الشعوب. يقول الرسول(ص): ((كلكم لآدم وآدم خلق من تراب)). وظلت هذه التقاليد الإسلامية هي السائدة حتى عصرنا خارج الممارسة العروبية، فمثلاً (يتزوج أحد العلماء الأجلاء في دمشق-وهو كردي-من امرأة تركية، ويتزوج ابنه – وهو عالم جليل أيضا -من امرأة تركية، ثم امرأة عربية، ويتزوج حفيده امرأة كردية وهكذا…) فالنسب هنا للإسلام لا للقومية، ودون نكران لاستحقاق معنى التمايز القومي في نطاق معنى ((التعارف)) لا معنى ((التفاضل العرقي)).
وإذا شئنا التحقق في تتبع أثر الدين في تجاوز التمايزات هذه -ما عدا تلك التمايزات الطبيعية التي هي في نطاق ما خلقها الله لها-نلاحظ أن الأديان الأخرى (أو الشرائع الأخرى بمعنى أدق) لها النظرة نفسها. كما أن الأفكار الإنسانية عموماً ونخص منها: (الأممية الماركسية) في شعار ((يا عمال العالم اتحدوا)) وبغض النظر عن موقفنا من أساليبها في التعامل مع السياسة والاقتصاد والعقائد …الخ. فإنها تجاوزت التمايز القومي – نظريا على الأقل – إلى الأفق الإنساني الأممي، ولا ننسى طبعاً أن نذكِّر بأسبقية الإسلام للفهم الماركسي هذا للدعوة إلى الأممية بقرون عديدة، ولكن بمعنى ونهج مختلف؛ نراها أكثر واقعية إذا صفيت من الشوائب التي أساءت إليه –بغض النظر عن المتسبب فيها.والعروبيون على رأس القائمة في الإساءة إليه -بسبب ما ذكر فيما سلف عن أساليبهم في استثمار الدين لمصلحة الاتجاه القوموي – ويمكن القول مصادرة الدين لمصلحة هذا الاتجاه.
……………………….يتبع
_______________________________________

المزيد من المقالات