بين حالة الوعي المتقدة وحالة الوعي الخامدة

المسافة واسعةفي الشخصية الإنسانية بين حالة الوعي المتقدة وحالة الوعي الخامدة
محمد قاسم ” ابن الجزيرة ”
يفترض أن كل مخلوق بشري مكتملُ الملكات والقدرات طبيعيا؛ما لم تكن هناك أخطاء في ولادته.لذا فالنظرة الافتراضية إلى كل إنسان هي: أنه يمتلك وعيا يُمكن تنميتهُ بالوسائل الطبيعية والمكتسبة –ومن المكتسبة ما يعرف بالتربية عادة.
لكن الذي يحصل واقعيا هو:أن تفاوتا في الوعي بين فرد وآخر ،وجماعة وأخرى.. يبدو جليا.
ولا ازعم باني ذلك الواعي الذي تجاوز الآخرين، فحلّق في سماوات الفهم والتحليل والتشخيص…وفاق الآخرين..لكني ازعم آني أحاول أن أتابع ما يزيدني وعيا بمجريات الأمور؛ ثقافة ،وسياسة، وأنماط حياة اجتماعية..
وأحاول أن أستفيد مما تعلمته في المدرسة، والجامعة، إضافة إلى قراءة كتب مختلفة، ومتابعة التلفاز، والانترنت على قدر ما يتاح لي،وفي الواقع يتاح لي الكثير، فلا عمل لي الآن سوى هذه المتابعات بالدرجة الأولى..فضلا عن بيئة مشدودة إلى العلم كان لي منها حظ معتبر…وهناك ما يسميه البعض مدرسة الحياة أيضا بكل ما تعني الكلمة من معنى.
أسوق هذا القول مضطرا لأني أعلم –من خلال تجربتي الاجتماعية- أن كل ما أقوله حديثا وكتابة..-وكذلك غيري ممن له المحاولات ذاتها- سيلقى عنتا من كثيرين اعتادوا على أن يُدلو بدلوهم في كل شيء، ومنهم الذين لا يجهدون لمتابعة شيء –لا قراءة ولا تفاعلا ..لأن ذلك يأخذ منهم أوقات عبثهم؛ لعبا في نواد بالورق والنرد أو مجالس أنس مختلف ألوانها..أو كسلا ..أو انشغالا بأعمال تدر عليهم المال..الخ. فالذين يركبون السيارة –مثلا- أو يسكنون مباني مميزة،أو غير ذلك من مظاهر حياة الرفاهية.يظنون أنفسهم الأقدر على ممارسة الفعالية، ناسين أنهم في أحيان كثيرة-ربما أغلبها- يتبعون أسوأ السبل في تجليات فعاليتهم المظنونة؛ وذلك باعتمادهم الاعتبارات الحائرة،وربما العلاقات المشوهة -أو الممنوعة- شرعا وقانونا وعرفا. وتمحورهم على الذات بأنانية مقيتة؛ تورّثهم كره الذين يحاولون التفاعل ايجابيا مع مجتمعهم..
وذلك لا لشيء.. إلا لأنهم دوما يجدون هؤلاء الفعالين عن استحقاق وجدارة يوجدون في قلب الفعاليات الاجتماعية؛ بإمكانات ضئيلة من المال، وربما من الانتماء إلى عائلات معروفة ومتنفذة..بألقاب –هي غالبا من طرق غير متوافقة مع عناوينها – قبلية..أو عشائرية .. أو حيازة ألقاب ورثوها عن عهود مشكوك في سير إعطائها.. أو غير ذلك ..!
من هنا نبدأ:
في مسلسل يعرض في فضائية -ربما سورية-يتقدم أحد الواعين لخطبة ابنة أحد غير الواعين بطلب من جبران خليل جبران. الكاتب والفيلسوف –وان كان لا يزال في هذه المرحلة من المسلسل شابا في بدايات تفتحه العلمي والثقافي عموما-.
الواعي يستشرف المستقبل. يقرأ الطاقة التي يختزنها جبران. أما غير الواعي فلم يجد في ذاته سوى انه من عائلة كبيرة وغنية. فيما جبران ليس كذلك. فداس مشاعر ابنته ومشاعر جبران ومشاعر ونصيحة الواعي الذي تقدم للخطبة؛ وهو من العائلة نفسها.!
بل ومشاعر الآلاف ممن ليسوا من أبناء العائلات –بغض النظر عن تكوين هذه العائلة في أساسها وما جمعت من أموال وسلطان. وفي حالات كثيرة –ربما أغلبها-هي عائلات نمت على أنقاض قيم طيبة أتلفتها وانساقت إلى سلوكيات محيِّرة للوصول إليها. ربما انتهازية. ربما ظلم متجاوز. ربما سلب ونهب…الخ. إلا من رحم ربك.
المسلسل لا يزال يعرض ولا أدرى ما هي نهايته.
ما أدرى هو أن جبران هذا أصبح شاعرا وفيلسوفا وأديبا على مستوى العالم. وأصبح العالم يحتفي بذكرى ولادته، أو وفاته، فضلا عن كتبه التي تحتضنها الخزائن والمكتبات. في العالم كله. فهو خالد الذكر، وأفكاره لا تزال تومض في كل مكان ومنها هذا المسلسل نفسه.
أما ذاك اللاواقعي –ابن العائلة الغنية-فقد بقي مغمورا لا يعلم به أحد لولا انه حشر في المسلسل للتذكير بلا وعيه، وسوء سلوكه مع جبران. فهو ذُكر فقط ليعرف الناس كيف اتخذ هذا المتعجرف مواقفه، والتي من اجلها استحق كراهة وسخط ابنته وجبران أولا؛ ثم كل الواعين منذ أقرب الناس إليه وحتى آخر من قرأ الرواية أو اطلع على المسلسل. فهو خلِّد مكروها. وجبران خلِّد مقدّرا ومحبوبا…!
هذا هو الفارق بين من يمتلك وعيا حصّله بالجهد والمتابعة والتجربة…وبين الذي لا يمتلك وعيا، ويظن انه واع، ويحاول أن يتداخل-أو يتدخل- مع كل شيء ليعوّض شعوره بالنقص تجاه الواعين..!
ولو أن اللاواعي عرف ذاته، فوقف عند حده؛ لحاز احترام الآخرين.. لكنه يأبى إلا أن يكون لاواعيا يشعر الآخرين بسفاهته..عبر أقوال وسلوك يدلان عليها.
هذه الحالة واحدة من مشكلات ابتلي بها المجتمع المتخلف في الشرق عربا وكوردا ومن يعيش معهم،ولكنني معني الآن بالحال الكوردية،فكما يقال”الأقربون أولى…”
سواء لجهة المسك على يديه إذا تسافه-من السفاهة-،أو بالمساعدة على تبصيره بذاته، وبالتالي، دفعه نحو النمط الواعي في التفكير والسلوك…
ففي نهاية الأمر، الأمر المرجّح –استقاء من تأريخ الشعوب-فإن البقاء والحضارة للواعين، لا للذين يقهرون الوعي من اجل البقاء في تركيبة حياتية مغلوطة ومشوهة، ومؤثرة سلبا على نمط الحياة الاجتماعية المفترضة، وهي:
الحيوية والرقي والتهذيب…أو الحضارة بشكل عام.

المزيد من المقالات