لست ضد الفن بالتأكيد…ولكن..!!

لست ضد الفن بالتأكيد…ولكن..!!
في حياة الإنسان – فردا أم جماعة – حالتان رئيستان توصفان بـ ” الذاتية” و ” الموضوعية “.
معروف أن الموضوعية هي وصف لمجريات تتم بمعزل عن تأثيرات الذات عليها ..فالمطر- مثلا- يهطل بمعزل عن رغبة أو إرادة الناس. والشمس تشرق كذلك والقمر والرياح..الخ .
أما الذاتية فهي الحالة التي يمكن للإنسان فيها أن يكون ذا تأثير –قلّ أو كثُر- بحسب المدى الممكن له أن يؤثر..!
فهو يستطيع أن يؤثر في مجرى أحداث الحروب مثلا؛ من خلال النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي..الخ. وهو يمكنه أن يؤلف قصيدة شعرية، أو يرسم لوحة فنية بمهارة، أو ينحت ،أو يحسن إدارة ما يديره بمهارة تميز بعضهم عن بعض.. بفعل التفاوت في العامل الذاتي- خصوصية كل شخص- وإن هذه المهارة التي تخرج عن المألوف في العمل نسميه –عادة- إبداع.
حول عامل التأثير على العمل –أيا كان- وأسميناه: الذاتية و الإبداع- نريد أن نتحاور..
إن تميّز الإنسان بمقدرة خاصة – في أي مجال- هو أمر طيب، ويفترض انه مفيد للبشرية أيضا- إذا وضع هذا التميّز في مجرياته الصحيحة- أو في مساره المفترض ..!.
من هنا تبدأ المشكلة، و تتطلب الحل..!
المشكلة هي، عندما ينطلق العامل الذاتي في الإنسان من قمقمه- الضوابط الاجتماعية – تحت عناوين مختلفة، ومنها ” الفن” بلا ضوابط ذات بعد موضوعي..
والحل عندما نمارس هذا الجانب الذاتي بطريقة لا تنحرف بنا عن مصلحة الجماعة بنوازع مغرقة في الفردية..
والصعوبة هي في التوافق بين هذين الأمرين. لكنها صعوبة ليست مستحيلة إذا استطاع الإنسان التحرر من النزوع الذاتي-الأناني – المبالغ فيه ..!
طبعا هذا يتطلب –أساسا- تربية وتدريبا، ومن ثم إعمالا للتفكير والتأمل في معطيات الحياة، وكيفية التعامل معها..وصولا الى خيارات تخدم البناء بدلا من التخريب والتشويه والتدمير اجتماعيا، خاصة على المستوى “الثقافي”= الذهني-السيكولوجي.
ما هو متاح –عادة – نستخدمه من أي شيء كان..والمتاح –هنا –من الوعي والقيم هو الذي يشكل مادة النشاط البشري…لذا فنحن هنا لا نقصد المبالغة في التخيل أو المثالية –كما تقال دوما- بل إننا نقصد أن نتمثل رؤية مستقبلية محتملة بكل احتمالاتها، فنرى الخطى التي تشوّش على الحياة الاجتماعية في نقائها،وتماسكها، وبنية تسمح بالتطوير البناء فيها لأجيالنا وللأجيال اللاحقة.-“…أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض”.
أحيانا تغلب في حيتنا الأنانية..وننساق مع متطلباتها فننسى الكثير من احتمالات المستقبل التي قد لا نريدها لنا ولأولادنا من بعدنا..من هنا نبعت فكرة ضبط ينظم المختلفات..من الرغبات والإرادات ..
……………………………………………………
الجمعة 10 ربيع الأول 1398-17 شباط 1978
محمد قاسم
كلما قرأت حديثا عن الفن والفنانين تراءت لي تلك النزعة الذاتية التي تطبع الفن والفنانين.. والتي تغذيه الانفعالية المتفاوتة شدة..وفق حساسية الفنان.والتي تتكون بدورها من عوامل قطرية فيه.تنمو بمقدار تعهدها بالنمو وتهيؤ الأجواء الموافقة لهذا النمو..وهذا كله امر طبيعي..جدا.
ولكن ما يستوقفني أمر لا ادعي بأنهم (الفنانون)غافلين عنه..ولكني أراهم قصروا عن إعطائه الحجم الصحيح له.
هذا الأمر هو أن الفن عندما يكون مجالا لإحساسات ومشاعر فردية يعبر عن طريقتها الفنان عن تأثره بحدث ما،وتصوير واقعها تصويرا يحرك الضمير الإنساني للاتجاه إليه وإعطائه اهتماما يستحقه فهو (الفن) في الطريق الصحيح رغم إنكاري لمبالغات يلجا إليها بعضهم.. وتتجاوز التحديدات العقلية والأخلاقية..!
أو بعبارة أخرى تضحي بالنظرات التي ينبغي أن يبقى للعقل فيها دور انضباطي وان قل..!
أما ان يصبح الفنان هو الباحث الاجتماعي- وبأسلوبه الذاتي..-
فذلك ما أنكره بشدة.. واعتبره سببا قويا للاختلاطات الاجتماعية التي تتنازع فيها الأهواء.. وتتغلب فيها الميول والعواطف، على المنحى العقلي الذي ينبغي ان يظهره في مثل هذه الأحوال..!
– ضوابط الفن
الفن بين الالتزام واللا التزام
عودة الى حوار قديم
في التوصيف المبدئي للفن انه ذاتي النزوع والتجلي. أي انه لا ينضبط بمعايير منطقية. وهذا هو سر امكانية الإبداع فيه. ويبدو أن هذا التوصيف كان مدخلا لانفلات ذات مساحة كبيرة جدا أكثر مما تستوعبه مساحة الفن في حقيقته. فالفن والنزوع الذاتي فيه يفترض انه يجمع بين قوتين:
قوة تجاوز القيود الخانقة للإبداع. وقوة توظيف الإبداع …ولكن لماذا؟
بدأ السؤال.
هل الفن للفن أم الفن التزام؟
أم يحتمل أن يوجد للفن مساحة وسطى بين الفن للفن بلا قيود ولا ضوابط، وبين الفن التزام لقيم وقناعات وتقاليد واتجاهات تشوه الخاصة الجمالية الأساسية التي يفترض أنها تميز الفن في تجلي الإبداع.
وقبل المضي في تفصيل أكثر، دعونا نذكّر ببعض ميادين الفن البارزة والتي يتجلى الفن فيها كقوة مؤثرة أدبيا في الحياة الاجتماعية.
فالأدب بما فيه من نثر وشعر. والرسم والنحت والتمثيل والمسرح والرقص والغناء وما يتعلق به. وكل ما ينضوي تحت مسمى الفن المكاني والفن الزماني ومنه بعض الإعلام، وكل الإعلان، والدعاية …الخ.
هذه الميادين نجد فيها، أن المساحة تتزايد يوما بعد، خاصة فن التمثيل في المسرح والسينما والمسلسلات … لصالح الاتجاه الذي يخترق الضوابط الاجتماعية سواء بحالة مباشرة لا يطالها القانون كما في الثقافة الأوروبية والأمريكية –الغربية-أم بشكل حالة تقل المباشرة فيها قليلا؛ تحت ضغط القيم الاجتماعية –ومنها الدينية، والعادات والتقاليد. وكله يشكل ما نسميه الضغط الاجتماعي. -أو الخطوط الحمراء والخضراء. في تحديدات للسلوك الإنساني؛ ولا ينبغي تجاوزها في أي تجل كان، ومهما كانت التسمية، ومنها الفن.
وعلاقة الفن بالاهتمام بالشكل كثيرا على حساب المضمون إضافة الى المبالغة فيه للإغراء او الاستجابة لدعوة النفس على حساب المتطلبات الاجتماعية الهادئة والرصينة.

………………………………………………..

أثر التمثيل في تشويه القيم النفسية
محمد قاسم
في المسلسلات عادة يمثل الممثلون الأدوار المختلفة..بطريقة توحي وكان الحالة النفسية تجري هكذا..!
فمثلا خلال اللحظة نفسها..يمكن ان يتحول في مشاعره ما بين الغضب والفرح والرضا و..او يبدي انه متعاطف ويكون خلاف ذلك..وينفذ ذلك بسهولة توحي للمشاهد-خاصة الشباب وقليلوا الخبرة –وكأن مجرى الحالات النفسية هي فعلا سهل التبديل بين اللحظة والأخرى..! وهذه رؤية تربوية..ينبغي ان نعطيها الأهمية الضرورية..على مستوى الأطفال والمراهقين خاصة، وكل الذين يفتقرون للمحاكمة العقلية الناضجة..لسبب ما..(عدم النضج-قلة الخبرة-انحراف في الصحة النفسية…الخ.)
مثل هذه الحالات توفر أرضية لتصورات خاطئة لا تتحقق في الميدان..في الواقع..
وتتسرب هذه التصورات الخاطئة او المشوهة ..رويدا رويدا في تشكيلات تكوين النفس الإنسانية في مرحلة النمو خاصة، مما يعطيها اتجاها نفسيا غير واقعي؛ يرافق الإنسان في جميع مراحل حياته؛ ما لم يتدارك ذاته.. هو أو غيره في مساعدته..ولكن المشكلة تكبر عندما تغزو هذه الحالة البيوت في كل زمان ومكان وكل الفئات العمرية للناس.أي تصبح الحالة عامة وواقعة .اجتماعيا.وتنتشر..!
إن البشر –كما هو معلوم- يتميزون بقدرتهم على التلاؤم مع المستجدات بحكم تميزهم بالعقل..ولكن بوصلة العقل هنا قد تنحرف عن مسارها عندما يشوش عليها بشكل او بآخر..الا تعتمد عملية التشويش ضد الرادارات مثلا لتضليلها..؟
إن التشويش عبارة عن عملية يتم بها التأثير على المعطيات بحيث لا تعود البرامج الرادارية تحسن متابعتها لأن كل شيء محسوب مسبقا(مبرمج) وعلى أساس ذلك يقوم الرادار النفسي بعمله-اذا جاز التعبير-..
وشيء من هذا يكون لدى العقل..!
عندما خلق العقل فإنه زود بمجموعة إمكانيات ومعطيات يقوم على أساسها بعمله-ربما مع فارق –أن العقل لديه قابليات التطور ذاتيا أكثر من الكمبيوترات والرادارات التي تعمل على مبدأ الكمبيوترات..
والفارق الثاني ان الإنسان يمتلك قوى نفسية أخرى –العاطفة-الميول-النزوع-الغريزة..الخ-وهذه جميعا ينبغي ان تكون متآلفة مع العقل ليتكامل التكوين للشخصية فتصبح فاعلة ومتفاعلة وفق قدرة مبرمجة وقادرة –باستمرار –على تغيير برمجتها وفق المستجدات..ولكن هذه القوة عند الإنسان تتشوش عندما تدخل عناصر غريبة –غير موجودة ضمن البرنامج العقلي،أو حتى غير ممكنة التطبيق واقعيا، لعدم توافقها مع المثال-إذا جاز القول بذلك،ونستعير العبارة من أفلاطون- في هذه الحالة تجهد القوة العقلية للتعرف على هذه القيمة الجديدة فلا تتعرف عليه، لعدم وجود مثال له في العقل سابقا..وهنا سيكون الاختيار غير دقيق ..ويتشوه الصورة والمثال معا ..
قضية تربية قد تبدو مبالغا فيها.ولكن التمعن فيها وما يمكن ان ينتج عنها بالتدريج في حياة المجتمعات البشرية يجعل الأمر جديرا بالدراسة. فإن وجد ان هذا الطرح خيالي او مبالغ فيه ..فنكون قد اطمأنا الى ان سلوكا كنا نخشى منه لم يعد مصدر خشية..وإن بدا انه صحيح فحري بنا ان نعالج الأمر بما يخدم الحياة الصحيحة التي ينبغي ان يعيشها الإنسان.
…………………………………………………..
بعض ذكرياتي عن السينما
كما أقدر كنت في الصف السادس، وكانت الامتحان مركزيا في المنطقة. لذا فقد كانت المنطقة التي تحيط ب”ديرك” المعربة الى المالكية مركزا لامتحانات الصف السادس الابتدائي لذلك العام وكنت مشاركا في الامتحان.في إحدى المساءات رغبنا في مشاهدة فيلم سينمائي لا ندري ما هو فقد كان المهم هو حضور فيلم ولأول مرة في حياتي..
ويبدو أن الفيلم كان يعالج موضوع السود –ربما العبيد- فلم اعد أتذكر تماما طبيعة الموضوع –بل ريما لم أكن مهيأ أصلا لمعرفة أسلوب معالجة المواضيع في السينما حينها وكان أبيض وأسود طبعا..
مما أتذكر من العرض ان اسم البطل أو احد الأبطال “كيماني” وكان ماهرا جدا في ممارسة دوره البطولي الشجاع في ظروف القتال والنار والكلاشينكوف. وبالمناسبة فقد تجاوز عمر كلاشينكوف مخترع بندقية الكلاشينكوف الشهيرة والتي يسميها البعض بالكلاشن أيضا اختصارا. وقد تلقى تكريما في بلده روسيا-الاتحاد السوفييتي سابقا-وقد فقيل انه عبر عن أسفه لاختراعه هذا فقد كان يظن انه سيكون سلاح حماية ولم يدر بخلده انه سيكون سلاح قتل وإبادة ..!
المهم لا زلت أتصور ملامح هذا ال”كيماني” الذي أعجبت به أيما إعجاب ..كما إنني اسر في أسماعكم خبرا لا أريد لحد منكم ان يسربه ..عندما كانت سبطانة البندقية تكون في اتجاهي أثناء محاولة احدهم توجيهها الى خصمه كنت ألتم على نفسي وأحاول تجنب النقطة الموجهة إليها وأنا أعلم أنني في فيلم سينمائي ولكن وعيي وحالتي النفسية لم يكونا متوافقين تماما ..فكنت اخلط –نفسيا- الفيلم مع الواقع الذي كنت واعيا له.وهذه حالة الكثيرين ممن لم يحسنوا بلوغ نضج يفصل ما يشعرون به عن الواقع المخالف لمشاعرهم حتى بين بعض كبار السن أو الشهادة أيضا..فالمسألة تتعلق بالشخصية وتكوينها التربوي اجتماعيا.
لقد استمتعت بالفيلم على الرغم من التوتر الذي ظل يلاحقني كلما شاهدت منظرا مخيفا..
كان هذا حوالي العام 1962 .
وبعدها انتقلت الى مدينة ال”قامشلي” عروسة الجزيرة ،بل وعاصمتها أيضا ..وحينها ترددت على السينما مرات عديدة..

المزيد من المقالات