الإسلام تاريخ في الزمان فكيف هو الآن؟

الإسلام تاريخ في الزمان
فكيف هو الآن؟
منذ أكثر من أربعة عشر قرنا –أي أكثر من ألف وأربعمائة عام-الذين يعتبرون أنفسهم مسلمين عالمين به روحا وشكلا…إيمانا وعبادات ومعاملات …اجتهادا ووعيا وإحاطة…الخ.
هؤلاء يحاولون ان يقدموا للمسلمين إسلاما ممكنا للعيش في حياة تتطلبها الظروف الواقعية –والحاجات المادية والنفسية-لكنهم –كما يبدو – لم يتوصلوا إلى هذه الحقيقة، مع ان الرسول (ص) قدم الإسلام في صورة ممكنة وسهلة:
“إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه-يسروا ولا تعسروا وبشروا وسكنوا ولا تنفروا” الحديث.
ولمن؟!
لبدو أميين، يقترفون الأغلاط والأخطاء والخطيئات في ألوان مختلفة، حتى عرفوا –قبل الإسلام-بـ “الجاهلين “وعرف عصرهم بـ”الجاهلية”
فلماذا أخفق العلماء “ورثة الأنبياء” في تقديم إسلام كالذي قدمه محمد (ص)؟!
كلمة الإخفاق هنا لا تعني الإسلام في حد ذاته، فالإسلام مستمر، ويعيش ومظاهره مؤثرة، ووجوده المستمر حقيقة…الخ. لكننا نتساءل عن جوهر الإسلام، هذا الجوهر الذي يمثل مساحة واضحة تمارس فيها روح الإسلام –إيمانا وعقيدة وسلوكا-عبادات ومعاملات وفقا لذلك-.
في ما فهمت بعد ان بلغت من العمر ستين عاما. وحصلت على إجازة جامعية في الفلسفة، وعشت كمسلم في حياتي منذ طفولتي بحكم تربيتي وانتمائي إلى عائلة متدينة –بل وأب عالم أنهى قراءة ما يسمى في اللغة الكوردية kitêbê rêzê ” الكتب التي تدرس وفقا لنسق معلوم ” والكتب المقصودة هنا هي الكتب التي تدرس لطالب علم الشريعة.
فيما فهمت من هذا كله ان العامل الذاتي الذي تدخّل في فهم الإسلام، وتفسير أحكامه –سواء عامدا أم بلا قصد-يمثل –ربما- أهم أسباب هذا الإشكال.
وزادني يقينا ما عشته في واقع المجتمع المسلم، وما تابعته في واقع المجتمعات المسلمة المختلفة عبر الكتب او التلفاز او غير ذلك…
المعروف-ببساطة شديدة-ان الرسول(ص) قال عن الصحابي النعمان بن قوقل ليدخلن الجنة إن صدق في فعل ما قال:
“أرأيت إذا صليت المكتوبة وصمت رمضان وحرمت الحرام وحللت الحلال أأدخل الجنة؟ “.
الصلاة معروفة-والصيام معروف-والحج ركن مشروط بالمقدرة المادية او المعنوية –وهذا مفروغ منه-. بقي الفاصل بين الحلال والحرام.
الحرام منه كبائر معروفة متفق عليها عموما وهي سبعة أساسية والصغائر كل ما سواها…ومع ذلك كله: “إن الله لا يغفر ان يشرك به، ويغفر ما دون ذلك “الآية.
فالمعرفة-إذا-تشمل كل الحرام-الخطيئات والذنوب بما فيها الكبائر…فهو الآمر والناهي لا يتوكل عنه أحد من البشر. حتى الرسل” قل إنما أنا بشر يوحى إلي”
فهو ناقل للوحي “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر “الآية. فلا المؤمن يضيف إليه شيئا ولا الكافر ينقص منه شيئا…”وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون “فهو “غني حميد” والعبادة هذه نوع –كما يمكن فهمه-تجلي الوجود الحيوي للإله حضورا ومهيمنا وموجها ومحاسبا لتصلح الحياة…ولا يملك هذه الخصائص سواه جل وعلا.
كل الآخرون يمارسون جهودا اجتهادية للمحافظة على الإسلام بملامحه الأصلية –وجوهره-الناصع …بما في ذلك ما يسمى” الفتوى ” وهي مجرد محاولة اجتهادية من زاعم علما يمكن لمن لا يعلم القضية ان يقلد هذا المفتي والأجر والذنب في عاتقه بحسب صحتها وخطئها …من أحسن السنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم القيامة ومن أساء السنة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم القيامة.
مع الاعتبار لمسألة “من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد واخطأ فله اجر واحد” طبعا إذا صدقت النية والجهد وتلك مسألة متروكة له وللإله، ولا يملك احد حيال ذلك سوى اجتهاد مقابل يفصح عن خطئه او يؤكد صوابه .. وتبقى الخيرة لمن يرى هذه الفتوى أقرب إلى ما يعتقد “استفت قلبك”. الحديث.
ولكي لا ننسى ثغرة يمكن تسلل البعض ممن اعتادوا على التصرف كوكلاء للرب، نذكر بان “كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون “الحديث.
فلا الذي يحاول الاجتهاد والفتوى بمعزل عن احتمال الوقوع في الخطأ، ولا الذين يقلدونه في الفتوى –او يتبعون فتوى مختلفة…
الجميع تحت احتمال الوقوع في الخطأ؛ سواء كمبدأ -مع الاعتبار لأن العلم يقلل من الخطأ كميا –وربما كيفا أيضا. وهنا فضل العالم على العابد. (ايراد لحديث). أو كحقيقة اجتهادية واقعة .
إذا، كل هذا التدخل المباشر في حياة الآخرين ليس له تبرير ديني إسلامي، وإنما هو بتأثير دوافع ذاتية، منها ما يعتقده صاحبه فعلا حقا، ومنها وسيلة تمرر عبرها رغبات وغايات خاصة ذاتية.
في الحالة الأولى نلمس بعض جهل، يُعتبر صاحبه مسؤول عنه، وفي الحالة الثانية علينا التأكد من واقع الحال قبل الحكم.
وهذا يحتاج متابعة دون خرق قيم الإسلام الأساسية-فالتجسس والحكم المتخيّل او الذي دوافعه نفسية وما يشبه ذلك غير مقبول. أو على الأقل غير ملزم لأحد.
يعتمد الإسلام على الظاهر، ولا يحاسب على الباطن إلا إذا كشفه بطريقة ما –لا تتجاوز ما يقبله الشرع كما أسلفنا.
وهنا يفترض بنا ان نتوقف قليلا عند مسمى الإسلام، إذا عدنا إلى الجذر اللغوي-المصدر –فهو مشتق من السلام، وأفعاله، سلم، يسلم، إسلاما، وتسليما، وسلما …الخ.
لذل كانت التحية المعتمدة هي” السلام عليكم…”واجتهد البعض فابتكر “السام عليكم” لمن يظن انه لا يستوجب حق السلام-وهو العدو. طبعا هذا اجتهاد مبني على نوع من التحايل على التعبير ..تجنبا للإحراج-وربما نوع او بداية لدبلوماسية تتبع في العلاقات –السياسية خاصة-. لكي لا يدخل المرء المسلم في نفق الكذب او التناقض مع الذات. فكيف يسلم على عدو –مثلا-بالسلام؟ مع ملاحظة أن البعض ينسب هذا الى الرسول نفسه.
لكنه في الوقت نفسه قد يكون في حالة تقتضي السلام كسلوك اجتماعي مفترض في هذا الموقف. هل هذا مبرر؟ ربما قياسا إلى مفاهيم الدبلوماسية اليوم.
لم لا يحق للقناعات ولو كانت دينية –ان تمارس نهجا دبلوماسيا؟
أليس الأمر-في الحصيلة-هو أمر علاقات مع اختلافات تتفاوت وربما تبلغ درجة العداوة –.لكن..!
دعونا هنا ننظر نظرة أعمق ..
– الدين قيم ايجابية كجوهر، همه إنقاذ البشرية من الضلال ووضعه في مسار الصواب –الهداية إلى الحق-.
– السياسة –بالمفهوم العلمي الأوروبي والغربي عموما والذي أصبح معتمدا في كل مناطق العالم…فإنها تبحث عن مصالح ملموسة –مادية ومعنوية– لذا فهي تبرر لذاتها إتباع أي وسيلة تؤدي إلى هذه المصالح، ومنها مثلا ما كان –ولا يزال وان بأشكال مختلفة- استعمار بلاد، والسيطرة على ثرواتها وتسخير أبنائها في المعامل والمصانع والحفريات المختلفة ومنها العميقة بحثا عن الفحم الحجري مثلا في فراغات أرضية كبيرة قد تتهدم في أية لحظة؛ أنفاق ومناجم …..هي مبررة في نظر السياسة السائدة-او الثقافة السياسية السائدة-.وبسهولة –وأحيانا ببعض تمنن –يعوّض المتوفون تحت الأنقاض…
في الدين-الإسلامي مثلا-” من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” الآية.
وإن هدم الكعبة-قبلة المسلمين والحجر المقدس-مئة مرة أهون من قتل إنسان بريء-لا فقط مسلم بريء-هنا الفارق كبير بين مضمون كله قيمة أخلاقية ومطلقة في المبادئ بلا تفريق…وبين قيمة مادية-المصلحة-تبرر أي شيء من اجل الوصول إليها لفئة محددة كنتيجة قوة او ذكاء خاص او من اجل إشباع رغبات مبتذلة –أحيانا-.
الدين الإسلامي – ويفترض ان الأديان كلها-إذا هو دين سلام لا عنف في أصل رسالته “لا إكراه في الدين “. ووفقا للحديث القائل: “…السلام على من عرفت ومن لم تعرف، أفشوا السلام بينكم”.
قد يجتهد مجتهد من هؤلاء الذين ينسون في لحظة ممارسة الاجتهاد أنهم إنما بشر يصيبون ويخطئون، وهم ليسوا سوى شارحين ومفسرين اجتهادا لا أحكام قطعية إلا فيما ورد النص فيه بلا احتمال التأويل اختلافا في الفهم. مع ان “اختلاف أمتي رحمة ” الحديث. هو أصل فهم النصوص وتفسيرها. فالبشر هم يقرؤون النصوص وبالتالي فهم يفهمون ويشرحون ويفسرون. استنادا إلى مقدار ما هم عليه من فهم اللغة وتشرب روح المعاني وتجربة تجلي المعاني لديهم أكثر من غيرهم فضلا عن مصداقية قد يفتقرون إليها غيابيا وان كانوا يحوزونها حضوريا. فنحن لا نعلم نيات ولا أسرار الناس. لذا اقتصرت الشريعة على التعامل مع الظاهر ولم تسمح بالحكم على النيات. ولهذا مثال طريف:
عاقب –أقام الحد -عمر بن الخطاب على بعض شاربي الخمر. فلما انتهت العقوبة قال: يا أمير المؤمنين وهل أستطيع الامتناع فو الله إذا خرجت من عندك سأشرب الخمر مرة أخرى .فقال عمر أقيموا عليه الحد، فرد علي قائلا الحد يقام على الفعل لا على القول.
فالقول صوت يذهب مع الريح ما لم يتحول تطبيقا في الواقع. والنية تصور داخلي لا حساب عليه ما لم يصبح فعلا تطبيقيا. لكن قد يكون في بعض الأحوال ضرورة الاحتراز من احتمال ان يتحول القول والنية إلى فعل لذا يجب الحذر خاصة في ظروف العداوة والتهديدات وأشياء من هذا القبيل. لكن الحذر لا يوجب -او يبرر – الوقوع في الخطأ بإقامة الحدود مثلا.
من هنا قيل عن الدين –الإسلامي-انه عفوّ وسمح…فهو يقول ما معناه:
حق الثأر محفوظ وفق قوانين تتولى الدولة تنفيذها لكن العفو أولى “وان تعفو هو أقرب للتقوى” فهنا حالة عدالة في تعويض الحق، وحالة سمو في التجاوز على الحق. وهذا يذكرني بقول لبي سفيان عندما اقتتل حيّان من قريش فقال: ألا تريدون ما هو أكبر من الحق؟
قيل وما هو؟
قال: العفو.
فالعفو خاصة قيمية –يبدو أنها باطنية داخلية فطرية في الإنسان لكن أحيانا تغطي عليها الرغبة في الانتقام. بتأثير الدوافع النفسية الغاضبة-إذا جاز التعبير-.
وبالمناسبة فإن التسامح والعفو في الديانة المسيحية جلية كما في الإنجيل إذ يقول: “من ضربك خدك الأيمن فأدر له الأيسر” ويفترض ان كلمة “شالوم” في اليهودية تعني السلام.
فالسلام والميل إليه –كما أفهم-هو ينبوع فطري دافق في حياة الإنسان ما لم يعكر صفوه او يمنع دفقه مانع –غالبا ما يكون نتيجة استسلام لغرائز لها وظائفها لكنها تحتاج بعض ضبط لا بد منه لكي لا تتجاوز حدودها التي تقتضيها ضرورات وجودها …ومنها حيوية الحياة والميول نحو الأخر المختلف جنسيا والحافز لأعمال مختلفة تغذي الحياة في جوانب منها البحث عن الرفاهية والمعيشة الكريمة. حتى وإن كانت فطرية هي أيضا لكنها قابلة لأن تطوى تحت جناح الوعي –العقل والتربية الضابطة لها ولمسارها. ولعل ذلك حكمة لا ندري سرها لكنها في ما يظهر على الأقل محركة للحياة عموما. لذا مما في التراثيات التي لست متأكدا من مرجعيتها لكنني أتفهم دلالتها ومغزاها ان عليا حبس الشيطان فتوقف الناس عن التفكير بالحياة. فكأنما هو ملهم –في بعض معنى وجوده-للأعمال. وعدم الاستجابة لتأثيراته نحو التجاوز في الخير معيار للتحدي والاستقامة.
لا بد من الإشارة إلى أن بعض ظواهر تبدو في مظهرها كأنها إسلامي لكنها في واقعها تستثمر الإسلام لغاية مختلفة. فمثلا قتل الناس الأبرياء بالمفخخات…ما هو المصدر الديني له إذا كان الدين يقول” من قتل نفسا بريئة فكأنما قتل الناس جميعا”.
ومثلا: هل من قيم الدين حرق أبنية وقتل سفراء وقناصل ليسوا في وضع القتال والمواجهة المباشرة…-بل هم في حكم المعاهدين-وهو الداعي إلى السلام والسلم…وتعظيم قتل الأبرياء. ؟!
لعل عنوان مثل هذه الحالات هو الانتصار للنفس المنحرفة وليس انتصارا للدين كما يحاولون ان يوهموا او يستغلوا مشاعر العوام.
تذكرت هنا حكاية لعلها من مرويات المصري توفيق الحكيم:
أن عابدا حاول قطع شجرة كانت مثار اشكال لنظرة الناس إليها دينيا، فاعترضه الشيطان وحاول منعه وتصارعا فكان يغلبه العابد لكن الوقت لا يبقى لقطع الشجرة، واستطاع في لحظة الشيطان ان يقنعه بتركها فيعطيه ذهبا كل يوم لكنه بعد فترة انقطع عن الدفع فغضب العابد وذهب لقطع الشجرة لكن الشيطان اعترضه وتصارعا فغلبه تعجب العابد من ذلك فقال الشيطان لا تعجب. عندما كنت تصارع من اجل الله غلبتني لكنك عندما صارعتني من اجل قطع الذهب عنك فقد غلبتك.
وهنا نحتاج إلى بعض تحليل لحقيقة التدين…والفصل بين الفهم الخاص-الذي يحتمل الخطأ ويحتمل التحريف ويحتمل تسخير الدين لغايات لا صلة بها بالدين. الخ.
الدين-كما فهمته-نوع من تنظيم الحياة في الأرض بين الناس بعضهم بعضا ضمن الاختلافات المختلفة والمتعددة. وبين الإنسان والقوى الكونية المختلفة في دولة الإله إذا جاز التعبير. فضلا عما في ممارسة التدين بمختلف عناصره العقائد والعبادات والشريعة المنظمة للمعاملات…الخ. من رياضات ومجاهدات روحية تؤدي إلى منظومة أخلاقية من القيم والمنظمات.
لذا فمنظومة الشرائع –بغض النظر عن الخلل المحتمل في تنسيقها- هدفها تنظيم الحياة وتنظيم العلاقة بين الفرد والفرد وبين الفرد والجماعة وبين الجماعات …فهي بذلك تمثل تنظيم الحياة لكن الفشل في هذا التنظيم-بغض النظر أيضا عن الأسباب –جعل الناس يتجهون اتجاهات مدنية للعمل على هذا التنظيم لإنقاذ الحياة اليومية الطبيعية الدنيوية من اجتهادات تستثمر مفاهيم وقيما لمصالح خاصة ..فيصبح اللعب دنيويا في عمومه بدلا من اللعب بأدوات تنسب الى القداسة والله ومغيرها لتحقيق مصالح خاصة دنيوية مما ولد مشكلات كثيرة ظهرت في الشرق والغرب معا وغيرهما أيضا كل بحسب طبيعة الثقافة السائدة ودرجة الحضارة الفاعلة عمليا في نسيجها. ان جاز العبير.
ومن الأخطاء مثلا ان الأفراد في لحظة غضب وانفعال –سواء أكان مبررا أم لا – يمكنهم ان يورطوا المجتمع كله بل والوطن أيضا في مشكلات بدون ضرورة حقيقية ومنها مثلا رد الفعل العنفي تجاه تجاوزات غربية او جماعات من أديان مختلفة ومنها الفيلم المسيء للرسول كآخر حدث وما نتج عن رد الفعل من أذى كالقتل والحرق والتدمير ..الخ.

المزيد من المقالات