ما مدى مشروعية ألقاب يوصف بها مسؤولون

الأخ الرئيس..
الأخ القائد.. العم هوشي..وألقاب أخرى
الأخ القائد …، العم هوشي منه،الأخ الرئيس ..، مام … كاك …. سيد المقاومة…. الملك المعظم أو المفدى..الأمير المفدى(بدلا أن يكون هو الفداء لأمته)الخ
جميعها مصطلحات تستخدم في مخاطبة المسؤولين(أو الإشارة إليهم) في مستويات مختلفة .. منبعها المجتمعات ذات النمط القبلي في التفكير، وهي تتضمن بعدا عاطفيا- قد يكون حقيقيا، وقد لا يكون- وفي الحالين فهي تعبير عن شعور بأحد الأمور التالية:
– شعور بفقدان شيء ما، يجعل المخاطبة بهذه المصطلحات نوعا من التعويض(شعور بالقرب من الزعيم مثلا أو..).
– رغبة في التعويض عن شيء مفقود(بالشعور بالتكافؤ معه بمعنى ما..) .
– تعبيرا عن تملق مشوه(مثاله التعبير الفلسطيني من فتح لهنية بالأخ هنية، أو من حماس لمحمود عباس بالأخ عباس(أو محمود عباس).وفي الواقع فكل من الطرفين يتهم الآخر بالسعي لإزالة الطرف الآخر..! وكل طرف يسعى بالفعل إلى إزالة الطرف الآخر-سياسيا على الأقل-..)وهذه حالة قائمة في جميع البلدان التي تستخدم هذه المصطلحات.. وإن كانت بنسب مختلفة ..!
– إبرازا لحالة متخلفة اجتماعيا وسياسيا..(حالة قبلية يغلب الشعور العاطفي فيه بشكل عام)..الخ
(ونحن هنا لا نقصد الإساءة،وإنما نحاول تحليل نمط سلوكي يرتكز إلى الحالة النفسية في الوقت الذي يفترض به أن يرتكز إلى حالة قانونية، فيقال مثلا:
السيد(السيدة) الرئيس، فخامة الرئيس،سيادة الرئيس..الخ. وإن كنت أفضل الاكتفاء بلقب السيد(السيدة) الرئيس، مثلما تستخدم كلمة السيد(السيدة) لأي إنسان كان.. كما هو السائد في الدول المتقدمة (مستر،سير،مسز..مسيو..الخ) فهذه الحالة وحدها هي المعبر عن توازن بين الناس كمخلوقات متكافئة في الخَـلْـق.. وفي الكرامة البشرية، ويلغي الشعور بالتميز الخَـلـْقي بين الناس على أساس العائلة أو الانتماء- أي انتماء-..! فاللقب هو وصف للوظيفة لا للشخص نفسه..ومن ثم فإن شعور الرئيس هو :سيعود يوما إلى الوسط الجماهيري بعد انتهاء وظيفته هذه..كما أن الناس يعرفون هذه الحقيقة فلا يرون فيه ما هو غير عادي، سوى بعض ملكات أهلته للرئاسة،إضافة إلى تفويض شعبي يفرض على المفوضين احترام تفويضهم هذا.. وبالمقابل فهناك من له بعض ملكات علمية تجعله يتفوق في ميدانها على الآخرين وهكذا الفنان, والممثل، والمنتج السينمائي والروائي. الخ.
ولن نتحدث – هنا- عن لقب الملك أو الملكة والأمير أو الأميرة والشيخ أو الشيخة..الخ. فهي جميعا ألقاب تعود إلى عهود لم تعد الثقافة العصرية تتقبلها إلا في حدود ضيقة جدا، مقيدة دستوريا،والحفاظ عليها لضرورات سياسية إدارية(وبدون لاحقات من مثل المفدى.. والعظيم.. والمعظم.. وغير ذلك.. من الألقاب التي لا تعبر سوى عن مؤثرات نفسيه غير واقعية..).
وربما كانت الإشارة إلى ما هو متداول بهذا الشأن في لبنان يدخل في هذا الإطار،على الرغم من تجذر معاني الحرية والديمقراطية في أذهان أبنائه،لكن ما يشوب هذا التجدر انه يستند إلى نمط (عربي) من العلاقات التي لم تتحرر من الأسلوب القبلي في الإدارة..ولذا فنسمع كلمات أصبحت ثقلا على الألسن أثناء الحديث:فخامة الرئيس، دولة الرئيس،معالي الوزير،الشيخ، السيد (ككلمة مرافقة لبعض الأسماء دون غيرها)..الخ.

ويمكن التخلص من هذه الألقاب بقرار دستوري(برلماني) عندما تقتضي مصلحة الشعب ذلك..!
يقول الله جل وعلا: (يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم).
ويقول الرسول في أحاديث كثير ة ومنها قوله في خطبة الوداع:
((ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع .!..دماء الجاهلية موضوعة..وربا الجاهلية موضوع..)) ويشرح الدكتور محمد سعيد البوطي هذا القول كالتالي:
(( فما المعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار؟..إنه يقول: إن كل ما كانت الجاهلية تفخر به وتتمسك به من تقاليد العصبية والقبلية. وفارق اللغة والأنساب والعرق.واستبعاد(كذا..) الإنسان أخاه بأغلال الظلم والمراباة.قد بطل أمره ومات اعتباره…))(1)
ويشرح بندا آخر بالقول(( ولقد أوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا .انه لا امتياز للحاكم من وراء حدود كتاب الله تعالى وسنة نبيه. ولا يمكن لحاكميته أن ترفعه قيد شعرة فوق مستوى المنهج والحكم الإسلامي.إذ هو في الحقيقة ليس بحاكم ولا يتمتع بأي حاكمية حقيقية، ولكنه أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى. ومن هنا لم تتعرف الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالحصانة أو الامتيازات لطبقة ما بين المسلمين في شؤون الحكم أو القانون والقضاء)) .
إذاً لماذا استمرار هذه الصيغ بطريقة تتراكب الألقاب فيها بعد اسم الملك أو الأمير..كلاحقات وكأنها امتياز إلهي أنكره رسول الله كما نفهم من شرح العلامة البوطي (المعترَف بقيمته العلمية في العالم الإسلامي عموما) ..؟
بتقديرنا الأمر يعود إلى حالة المجتمع الحضارية:
فالمجتمع- أي مجتمع- إما أن يكون متمدنا، وبالتالي، يعبر عن ذاته عبر وسائل متمدنة(حضارية) يكون القانون فيها الحكَم الرئيس، وإما أن يكون متخلفا يحمل خصائص المجتمع القبلي، ويعبر عن ذاته عبر وسائل قبلية أهمها،جيشان عاطفي، يحاول أن يجعل من هذا الجيشان- والذي يبنى على علاقات قبلية- الحكَم في الأمور، وهذا يعني إلغاء مفعول القانون، واعتبار السلوك النفسي أساسا للعلاقات.. ولذا فإن المصطلحات التي تسود في الحالة الثانية(حالة التخلف)،هي مصطلحات عاطفية،لا تعتبر للدور القانوني في العلاقة السياسية.وتسري – بالتالي- هذه المفاهيم – شعوريا أو لا شعوريا- في نسيج التكوين النفسي لأبناء هذا النوع من المجتمعات، وتصبح عائقا – بطريقة ما – أمام سيادة الحالة القانونية في التعاملات الرسمية،وتنعدم علاقة التكافؤ في التعامل، ومن ثم تنعدم العدالة..!
لنأخذ مثلا أية دولة عربية(أو عالمثالثية) إذا جاز تسميتها دولة فعلا وفق ما هو متعارف عليه قانونيا. ما الذي يمكننا ملاحظته..؟
الشكوى والتذمر الدائمين من المحسوبيات والفساد والرشوة..والتفرقة في التعامل بين المواطنين والوساطات …وهي حالات عامة تكاد تكون القاعدة في حياتها(أو فلسفة اجتماعية وسياسية تستعصي على المعالجة بسهولة).
وقد نجد شيئا من هذا في المجتمعات التي تصنف بأنها متقدمة، ولكنها تظل حالات ذات طابع فردي(أو شرائحي ..)أي حالات يقوم بها أفراد وتجري مع بعض الناس، أو حالات تنتشر بين شرائح محددة ..وفي كل الأحوال فهناك قانون دائما يحاسبهم عاجلا أو آجلا- بحسب دينامكية الشعب نفسه، وهي مرتبطة بالعمر القانوني لدولتهم، وبأسلوب البدايات التي تم تشكيل دولتهم فيها، وبنوع الفلسفة السياسية التي يحكم على أساسها…
من هنا يقال: الأخ الرئيس، الأخ القائد،…الخ. وهي تزوير للواقع، فالأخوة تقتضي التقارب في نمط الحياة،لا أن يكون احدهم في الأوج، والآخر في الحضيض. وهي تزوير للواقع،فالأخوة لا تسمح بممارسة استغلالية من أخ لأخيه كما هو حاصل في الأنظمة السياسية التي تتبنى هذه المصطلحات العاطفية،موحية بالقرب بين الرئيس وبين الشعب،في حين أن الواقع يؤكد خلاف ذلك تماما، وإذا وجدت بعض مظاهر فهي خادعة..!
وهي تزوير للواقع، لأن الإخوة تقتضي التشارك في الخيرات، والمجتمع(الأخوة) ليس فقط محروما من الخيرات، بل هو في حالة استعباد من الأخ الرئيس، أو الأخ القائد…وهو في حالة حرمان من أدنى ما يفترض أن يتمتع به الإنسان، فما بالك بالأخ..!ولو استقرأنا خارطة هذا المصطلح نجده لدى الشعوب التي لا تزال في المرحلة الأولى من نمط الإدارة الذاتية(استقلال حديث، طور الاتجاه نحو الاستقلال، طور النضال من اجل نيل الاستقلال، حالة استقلال أساسها الانقلاب(أو الثورة)..الخ.
وأين نجد هذه الأحوال..؟
في فلسطين، في ليبيا،في سوريا، في مختلف البلدان العربية حديثة التكوين، في كردستان العراق..وغيرها من الحالات المشابهة..
في هذه المناطق – ومع تفاوت بينهم في الدرجة- نجد مركزية في الحكم، قبلية في أسلوب الإدارة،تمايز على أساس الانتماء العشائري(أو القبلي، فالسيد حميدي دهام الهادي ،وهو الذي يدعو إلى مجتمع قبائلي،يفرق بين القبيلة وبين العشيرة ويرى في العشيرة أقل شأنا من القبيلة ).
وفي الممارسة السياسية- وإن كان باسم الحزب- إلا أنها بصيغة تستند إلى الواقع العشائري، من حيث طبيعة العلاقات، وأفضلية التعيينات، وأسلوب توزيع الخيرات، وأسلوب إدارة العلاقات الوطنية(القانونية)
يزعم تطبيق القانون، ولكن يخضع القانون لمزاج الحالة العشائرية، وعلى الرغم من أن دولة مثل سوريا ذات تاريخ لا باس به من الاستقلال، إلا انه ومنذ تولي البعث الحكم، فقد أصبح القانون هو ما يريده الحزب، ومن خلاله، ما يريد قادته(اتجاه استبدادي غريب،ظاهره الديمقراطية –التي تسمى شعبية- لتطويعها للمزاج الحزبي،على حساب القانون(أيديولوجيا)ز ونجد الحال في بلاد أخرى عربية ليست بأفضل كما في مصر مثلا أو العراق، أو تونس، أو المغرب، أو السعودية..الخ.
إنها جميعا تعتمد إيهام شعوبها بعبقرية حكامها، وتخدير طاقاتها الفكرية وأحاسيسها المعرفية وصور التفكير المنطقي لديها..بقصد إطالة بقائها في عروشها دون حساب لحكم التاريخ وانعكاسات ذلك على ذريتها من بعد موتهم او الانقلاب ضدهم ..!!
وهكذا هي دورة الحياة في هذه المجتمعات(انقلاب- حكم- فساد وظلم واستبداد- انقلاب – حكم- فساد وظلم واستبداد- انقلاب…).
وما هو مصير الذرية..؟ ما هو مصير الشعب..؟ ما هو مصير الوطن..؟….الخ.
فهي أسئلة خيالية – وربما خائنة في نظر هؤلاء-…!!!.

 

المزيد من المقالات