تشكيل المفاهيم -انزياح اللغة

تشكيل المفاهيم
انزياح اللغة
عندما يرغب أن يذهب الى التواليت يقول:أفّاط..
المسألة بسيطة..كانت أمه تقول له دعني اربط حفّاظتك ..ففهم ان الكلمة تدل على التغوّط..لأن الحفّاظة مرتبطة بمعنى التغوط دائما. فانزاحت الكلمة من الخروج الى الخلاء، أو التواليت، أو قضاء الحاجة..أو غير ذلك من التعبيرات المعبرة عن المعنى . واستقرت في ذهنه كلمة “الأفاّط” وشكلها؛ كفعل للتعبير عن حاجته الى الخروج الى التواليت..
وعند البعض انحازت كلمة “صيدلية” الى “صندليه” مثلا..وهناك العشرات من الحالات المشابهة..
وقد تستخدم تعبير التحضير أو الاستعداد للدلالة على الوضوء، وربما كل ما يتعلق به من خروج الى الخلاء وخلافه.
هذا حاصل في غالبه عند من يتحدث لغة مختلفة عن العربية ، ولنقل اللغة الكردية هنا.ولكن ما يمنع ان يحصل ذلك مع من يتحدث العربية من العرب أيضا..؟
إحداهن-وهي عربية- رغبت أن تتجنب لفظ كلمة التبول واستبدالها بكلمة أجمل وقعا ،وأقل إيحاء بمعنى التبول المباشر، فاستعاضت عنها –ولا ادري من أين استقتها- بكلمة “بشوشة” فكان الطفل يقول “بشوشة” للتعبير عن حاجته الى تبوّل..فكان وقع صوت “بشوشة”على السمع أرق.
إذا فكل لغة حية تمر بظروف ما يمكن أن نسميه الانزياح..أي انتقال مدلول كلمة أو معنى ..بالتعبير عن معنى متضمن في كلمة معينة، الى كلمة أخرى قد تكون قريبة من الكلمة الأصلية وقد تكون بعيدة أيضا بحسب ظروف الانحياز..
إن التمسك باللغة القديمة كما هي، أمر غير عملي لأكثر من سبب..
فالحياة تتغير..وتظهر أنواع جديدة من الأشياء، مختلفة،كما ان العلاقات تأخذ أشكالا مختلفة..ومستوى الحال النفسية –والتذوق الجمالي يتقدم عمّا كان.
فالتحضّر يغلب البداوة عموما؛ كنمط حياتي في مختلف جوانبها..
هل هذا يعني بالضرورة ان تسود لهجات على لغة تعتبر عامة..؟
لا بالطبع…
والدليل إن اللغة الإنكليزية كانت قديمة بكلمات ومعان أصبحت تسمى –الانكليزية القديمة- ولا تدرّس إلا للمختصين الذين يحتاجونها، خاصة المؤرخين، أو المهتمين بتاريخ العلوم والفلسفة والأدب.. ولم يؤثر على ذلك على تطور اجتماعي ولغوي مواز للأمة الانكليزية..بل إن أمريكا قد تبنت اللغة الانكليزية وأضافت إليها لكنتها، وربما بعض كلمات تميز طبيعة ثقافتها ..
لمَ –إذا-نظل دوما في خشية اندثار اللغة..ونظل نعالج الأمر بروح أيديولوجية –غالبا ما تستثمر سياسيا-..؟!
هذه الظاهرة مبالغ فيها في وسط معين عربيا..ناسين ان أكثر اللغات أمنا هي اللغة العربية مادام القرآن باق-وهو باق بوعد الهي:
“إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له حافظون”
……….. ببساطة الناس مختلفون
ببساطة الناس مختلفون، عرقيا، دينيا، طائفيا، مذهبيا وموطنا و…غير ذلك مما لا يحتاج إلى تخمين لمعرفته.
والشيء الوحيد الذي –ربما- يشتركون فيه جميعا، هو المصلحة..منذ الحلم بحياة هادئة، آمنة، مستقرة. ومرورا برفاهية تتنامى باستمرار؛ لتلبية احتياجات التطور الثقافي، والطموح بشكل عام، دائما..
لكن المشكلة هي، في طريقة التفكير، وصياغة الرؤية الثقافية – ضمنا الممارسة السياسية طبعا؛ باعتبار أن السياسة هي، نشاط اجتماعي خاص-لدى الناس- أو لدى بعضهم .
وتتفاقم المشكلة حول أسلوب التفكير تكوين مواقف وممارسات…؛ مع الذين يفكرون بطريقة سكونية؛ كناتج لبدائية الشعور، ومن ثم التفكير..
نجد هذا لدى المجتمعات التي ترتد إلى النمط القبلي في الحياة فكرا وسلوكا..
و التي لا تزال القيم القبلية فيها نشيطة ،والمجتمع العربي منها..
أو نتيجة اعتقاد جامد يكوّنه المعتقد الديني لدى البعض، والذي لا تكون أدوات الاعتقاد فيه مستندة إلى التفكير،وإنما مستندة للاستسلام النفسي؛ وهذه أيضا ظاهرة قبلية في بعض جوانبها..!
وعلى العموم، فإن المجتمعات التي تعاني من الكسل في التفكير – مهما كانت الأسباب –يسود فيها مناخ ؛يوفر نمطا سكونيا في التفكير، ولا يتيح النقد أسلوب بحث عن المعرفة والحقائق..؛ بل ويحارب النقد، ويرى فيه تجاوزا على الشخصية في قيمها، أو مكانتها، أو مصالحها ..الخ.
هنا نتساءل..
لماذا بعض الناس –أصحاب المصالح ،غالبا، غير المشروعة- يتناسون-أو ينسون- أن للغير مصالح أيضا :معنوية كانت أم مادية..؟.
هل نقص في الوعي مثلا..؟
هل هو سوء في الإدراك؟
هل هو اختلاف في الاجتهاد ومن ثم الفهم..؟
أم أنه سوء تفكير وسلوك عن سابق نية وتصميم..؟!
ربما كان الاحتمال الأخير مرجحا في معظم حالات المصالح السياسية والاقتصادية..وبعضها الاجتماعية أيضا…!
فإذا تأكدنا أن الاقتصاد والسياسة كمصالح متفاعلتان-او ذات علاقة جدلية بتعبير ماركس..علمنا لماذا كل المشكلات التي تنجم في الحياة –سواء داخل الوطن الواحد أم بين الأوطان-او الأصح بين الدول والحكومات..
وإذا تأكدنا أن الدول المتخلفة يحكمها دوما أنظمة مستبدة ،لم تصل الى السلطة عن طريق صناديق الانتخابات وصوت المواطن..علمنا لم هذه الأنظمة لا تعير بالا للمواطن وصراخه ومطاليبه..بل تراه مجرد عبد في املاكه..
بساطة أم خباثة
بمتابعة بعض الخطوات في أنشطة البشر –خاصة السياسية منها –أو لنقل ذات الطبيعة السلطوية أيضا.. نلاحظ فيها سلوكيات أحيانا تبدو بدائية أو طفولية..وأحيانا تبدو عظيمة ومغامرة بل وخطرة..!
هل هذا من طبيعة السياسة..؟
هل إن الإنسان كلما زادت سطوته ازداد ارتداده الى ذهنية وسيكولوجية الطفولة ؟
لكن ليس أي طفولة، بل طفولة مشوهة..
في حكمة القدماء : عقل الملك عقل الطفل..فكلما عنّ في البال..فكرة لم يتردد في تنفيذها ..لأنه لا يحسب حسابا للشعب..فهو الملك، والشعب من اجل الملك.”الملك هو الملك”
وها هي الحكاية تتكرر من جديد..
فقط اختلفت التسمية الى : زعيم..او رئيس..أو أمين عام..أو سكرتير..أو قيادي..الخ.
ابتكر الإنسان –أو اكتشف-فكرة النهج الديمقراطي في التعامل مع السياسة –بل الحياة الاجتماعية – كل بحسب ما يلائمه..لكي يرتقي الناس الى وعي أكمل وأسمى..
في ظل سلوك المشورة ..او تبادل الرأي عن استحقاق يرجح الأغلبية وفقا لقاعدة..لا يخطئ الأكثرية..او ما عبر عنه الرسول (ص) في قوله: “لا تجتمع أمتي على ضلالة”. وهنا يستشف ان الكثرة عندما تتناول أمرا ما بالمناقشة فلا يحتمل وقوعهم في الخطأ..فضلا عن ان هذه الكثرة التي تسمى غالبية –سياسيا- تقيّد الرأس -ملكا كان اسمه أم رئيسا-
ففي ثقافة ذات طبيعة قبلية الجذور،ولا تستطيع انفكاكا عنها الأمر سيان ..
لنأخذ الثقافة العربية-أو العروبية في الأصح- ما هو الفرق بين الملوك والرؤساء في أسلوب إدارة البلاد سوى الشكل..؟!
ربما كان الملك يلبس لباسا قبليا والرئيس يلبس لباسا إفرنجيا..ولكن الأمر سيان في أسلوب النظرة الى الشعب..فالشعب هو الفداء ل”الملك المفدى” وللرئيس هو الفداء “بالدم والروح نفديك يا رئيس” ولكليهما مصفق أبدا..
هذه الثقافة أصبحت ثقافة المجتمع الطبيعية، وكأنها هي الثقافة الوحيدة –أو الأفضل –للشعوب..

….

 

المزيد من المقالات