وللعزلة أحيانا فوائد.

وللعزلة أحيانا فوائد.
محمد قاسم

وللعزلة أحيانا فوائد.(1)

في مفاصل تاريخية مختلفة مال نماذج من البشر الى اختيار حياة العزلة او شبه العزلة ، لأنها توفر جوا نفسيا أفضل ليلائم ما هم فيه.ويبدو انني على هذا الطريق .
فإنني أقضي معظم وقتي في الدار -واكاد أقول : في غرفتي .!
يسألونني :
كيف تقضي وقتا طويلا في الدار دون شعور بالملل ؟! .
فأقول : طيلة حياتي لم أشعر بما يمكن اعتباره مللا ، ولئن شعرت به فلمدد قصيرة.!
وكيف يمل من حوله مفكرون وعلماء ومثقفون ينتظرون مني إشارة ليفصحوا عن مخزونهم الثقافي في تجليات مختلفة ، ولا يتحدثون إلا بإشارة مني ، دون صخب او ثقالة ظل . (مكتبة حوت كتبا منوعة ومجلات باللغة العربية والكوردية وحتى الانكليزية والفرنسية وان كنت لست مؤهلا لقراءتها باللغات الأجنبية…فهي موجودة لمن يستطيع قراءتها .).
على يساري التلفزيون ينقل الي كل ما أريد من أخبار ومن مصادر شتى تعينني على استخلاص الأقرب للصواب والحقيقة…واستمتع بمشاهدة برامج ثقافية (عرض كتب ،او مقابلات مع مثقفين وسياسيين ومختلف الاتجاهات التي تصنف “ثقافية” ومنها “الفنية ” الموسيقية والتمثيلية ..اختار منها ما يلائم ذائقتي واهتمامي ،فأنتفع من محتوى ثقافي فيها ، واستمتع بالمحتوى الجمالي مشاهدة وسماعا …!
اللابتوب طوع يدي ، أتناوله كل لحظة لألقي نظرة قد تطول وقد تقصر بحسب الظروف ومدى جاذبية المادة التي أستعرضها وأقرؤها واشاهدها …
وفي اللابتوب يمكن استعراض معظم انشطة وملامح الحياة الدنيا ،بل وما يتصل بالحياة الأخرى أيضا …إنه حديقة منوعة النبات ، بل غابة كبيرة مع فارق انه منظم طوع اليد ، بخلاف الغابة التي لا انتظام فيها …
وحولي من الكتب ما ينجدني عندما تنقطع الكهرباء ، او عندما أشعر بالتعب مع اللابتوب او اجهاد عين ، فأستريح لفترات تطول او تقصر ..
وكثيرا ما أهرب من القراءة على اللابتوب إلى مشاهدة برامج على اليوتيوب ،اكتشفت مؤخرا قنوات جادة ربطت بيني وبين ماض اعجبت بمن فيه من كتاب وشعراء وفنانين ..كبار : عباس محمود العقاد -طه حسين ، عبد الرحمن البدوي ، زكي نجيب محفوظ ،بنت الشاطئ وغيرهم وغيرهم أتابع مقابلات معهم واستمتع بذكرى وقع أسمائهم على سمعي ، أجدد استذكارها ،اضافة الى مشاهدتهم عيانا -وهذا يعطي بعدا خاصا للاستمتاع والاستفادة معا .
إنه عالم ممتد لا ينتهي مداه ،وانا فيه أسوح بشهية مفتوحة ومتعة متزايدة …
“يتبع “.

وللعزلة أحيانا فوائد.(2)

فضلا عن ما تحدثت عنه من كتب وتقنية تخدم عزلتي فتؤنسني ،وإن كانت تقسو أحيانا كثيرة بما تنقل من اخبار وصور ذات طبيعة مؤثرة وربما كارثية…تجعل خدمتها مشوبة -دوما -بما يقلق النفس ويؤلمها .!
فضلا عن ذلك فأنا أستمتع بمنظر الطبيعة الجميلة ، في جلستي على فراشي ممهدا وضعية جلوسي بما يريحني في الاتكاء ، وغطاء يمنحني الدفء . فأنا لا اميل الى دفء المدفأة ،ولم اوقدها خلال الشتاء إلا لزائر أو برد شديد. !
علمتني سنون حرمان من المازوت ان أقلل الاعتماد على دفء هومصدره . فاحسن اللباس، وأتدفأ في الفراش .
وقد جنبني هذا غزو امراض ناشئة عن البرد كالزكام والانفلونزا وما شابه. فضلا عن هواء نقي خال من آثار احتراق مازوت معظمه مواد غير صحية،لاسيما في السنوات الاخيرة .
نعم، أستمتع بمنظر الطبيعة من خلال النافذة ، واحيانا أفتح الباب أيضاعندما يكون الطقس مُعينا ، لا برودة قاسية فيه..
فأرى امامي أشجارا دائمة الخضرة كالسرو بنوعيه الأفقي والعامودي… والصنوبر والزيتون ونخل الزينة . .تشكل مع ما أرى من مساحة السماء لوحة جميلة تتعانق فيها خضرة وزرقة -إذ ا صفت السماء ، او زرقة مختلطة مع بياض قطع من غيوم متفرقة حينا ، ومتكاثفة ومسودة حينا آخر…
وهكذا فانا من داخل غرفتي أتمتع بكل ماذكرت ، في هارموني اعتدته مع توالي الأيام والسنين ، وارتسمت في شعوري ووعيي معان عن الحياة تجعلني أراها بعينين لا عين واحدة .
فليست الحياة فقط سياسة ، ولا هي ادب فقط،ولا فكر وحده ، ولا فن فقط…ولا هي جانب مادي في الطيعة فحسب ، ولا جانب روحي يتجاهل الحياة بكل ما فيها …
ان الحياة تكامل غني جميل يحتاج تأملا لإدراك معناها ، وائتلاف عناصرها، وما ينتج عن هذا الائتلاف والألفة من جمال ومتعة وايضا تحتاج ذائقة نمت في ظروف أقرب الى السلاسة منها الى تعسف يمليه سوء نمو و تربية وخلل في الذائقة…
وكما ينسب إلى ديوجين اليوناني الذي اتخذ مكانا -قيل أنه جرة كبيرة او دن او دار خشبية صغيرة. ليخلو الى نفسه بعيدا عن صخب الثرثرة التي يهواها الذين طالت ألسنتهم وقصرت عقولهم، او غلب خلل اخلاقي سلبي في سلوكهم ..
.فيهرفون بما لا يعرفون ، ويؤذون من لا يستحق أذيتهم ، ويشوّهون نقاء المعاني وجمال لطبيعة… من اجل هواية رديئة- أبوا ان يعالجوها- ويستبدلوها بهواية اكثر غنى وجدوى ومتعة…
نسب اليه انه قال للملك اسكندر الكبير ،الذي امل ان يقنعه بالعدول عن خطوته هذه، أو يقدم له حاجة ،فبحسب رأيه، لا يليق أن ينزوي فيلسوف مرب مثله في مكان صغير يحجبه عن الناس…قال له :” لا تحجب الشمس عني “,
وهو نفسه الذي كان يحمل فانوسا في النهار يبحث عن الحقيقة (او الانسان).
“يتبع”
وللعزلة أحيانا فوائد.(3)
أخفقت أن أصوّر قطة تتمطى عندما تصحو من رقدتها على فرش كرسي في البلكونة ،هربا من البرد والمطر ،والتماسا لدفء لا أعلم هل هو يكفيه ام لا .لكنها تقصده وهذا يعني أنها لم تجد خيرا منه، او انها استطابت الرقدة عليها .لاحظتها تتكور على نفسها وتضع رأسها بيبن قدميها لتقلل مساحة تعرضها للبرد الى أقصى حد ،ويبدو ان وبرها يتكفل بحماية جسمها الباقي ،هل هي غيزة ام تقدير إلهي ؟ هذا ما يطرحه الدكتور شوقي ابو خليل في كتاب جعل هذا السؤال عنوانا له . والشيء بالشيء يذكر -وهذا ما يسميه علم النفس بالتداعي ، فإن الدكتور شوقي كان يوما ما مدرسا للتاريخ في مدينتي ديرك المعربة الى مالكية ننسبة الى “عدنان المالكي “: الضابط البعثي الذي يقال ان الحزب القومي الاجتماعي السوري قتله ليقلّ تأثير حزب البعث في قضم مساحة التأثير الذي كان يتمتع به الحزب القومي الاجتماعي ( هذا ما ذهبت اليه المرحومة بادية الأتاسي حفيدة الرئيس السوري الأسبق هاشم الأتاسي) و التي تنشر ابنتها “ماسة الموصللي ” مقاطع من كتابها هنا .
وما قصدته من التمطي هنا (تمطي القطة) فهو انه انه ظاهرة حيوانية (وانسانية) بعد يصحو الكائن من النوم يبدو انه بحاجة اليه لتستعيد الأعضاء نشاطها وتنفض عن ذاتها الكسل .-وهذا ذكرني بقصيدة امرئ القيس ومنها التالي :
ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَــهُ
عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي
فَــقُــلْــتُ لَـهُ لَـمَّـا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ
وأَرْدَفَ أَعْــجَــازاً وَنَـــاءَ بِــكَــلْـــكَــلِ
ألاَ أَيُّـهَـا الـلَّـيْـلُ الـطَّـوِيْــلُ ألاَ انْـجَـلِــي
بِـصُـبْـحٍ، وَمَــا الإصْـبَـاحُ مـنِـكَ بِأَمْثَلِ
فَــيَــا لَــكَ مَــنْ لَــيْــلٍ كَــأنَّ نُــجُــومَــهُ
بــكــل مُــغــار الـفــتـل شُــدّت بـيـذبل
وأما أبيات النابغة فهي :
كليني لهمّ يا اُميـــــمةَ ناصــب……… وليــــــــل أقاسـيه بطيء الكواكـب
تطاوَلَ حتى قلتُ ليس مُنْقَـــض ……وليس الذي يرعى النجــــوم بآيـــب
وصدر أراحَ الليلُ عازبَ همّه ……………..تضاعف فيه الحزنُ من كل جانب
فالاسترخاء والتمطّي حركتان تلازمان حياة الكائنات الحية -والبشر خاصة – ولولاهما كيف كان للجسم ان يعيش متجددا وحيويا طيلة عقود قد تبلغ قرنا -في بعض الحالات -وان قلّت.
احاول ان أفعل ذلك أيضا ، فاخرج من الغرفة الى الحديقة امشي في الممر لتتغذى اعضاء جسمي بحيوية يستمدها من المشي ، واتنفس تنفسا عميقا اوصى به طبيب وعدد له فوائد تستحق التوقف عندها شريطة القيام بذلك حوالي نصف ساعة يوميا . وهذا ذكرني برياضة كنا نقوم بها منذ الصف الأول في مدرسة رميلان الباشا اواخر الخمسينات ،وكان معلمنا يبدوذا جسم رياضي -فضلا عن كونه شاعرا عرفت له ديوان اسمه ” أغان على الدرب “. اسمه محمد مصطفى عبد الرزاق .كان يُجري رياضة تبدأ مما كان يسمى “احماء” وهو ركض خفيف لمدة قصيرة ،ثم مجموعة تمارين معروفة “تمارين سويدية” ولها اشكال عدة ، كان يقل لنا -بعد الحركات المجهدة – تنفس عميق ، فنستنشق الهواء شهيقا بعمق من الأنف، ثم نطلقه زفيرا بقوة من الفم ..ويقول الطبيب ان هذه العملية يوميا لمدة نصف الساعة، تعالج على مشكلات صحية عديدة -بما فيها نقص الوزن- وتوفر حالة صحية افضل .!
وقد أفترش الأرض -بعد نمو الحشيش واخضراره ، استرخي تحت أشعة الشمس . وعلى الرغم من انني اصطحب كتابا -عادة – لكن قراءتي تكون قليلة بسبب نفوذ اشعة الشمس الى جسمي، فاستلقي ، وانام لحظات غالبا .
وكتابي لهذه الفترة اسمه : ” العائد من التيه” قراءة في كتاب “وعي الذات الكوردية. وهو كتاب أراد مؤلفه الأستاذ خالص مسور ان يقرأ نقديا، كتاب الأستاذ ابراهيم محمود الذي يعتبرايضا كتابه نقديا … لكن ما قرات فيهما يشعر بان المثقفين ايضا في شعوب متخلفة- والكورد منها- يتأثرون بالحالة السيكولوجية الغالبة في تكوين الشخصية . وهذا ما حصل لكليهما ، فقد تأثر منهجهما النقدي بملامسة الشخصيات اكثر من قراءة نقدية لأفكارها. و نتاجها . وطغت تفاصيل لا لزوم لها في مجريات العملية النقدية.!
مع ذلك فإنني أرى في الكتابين-كحدثين- خطوة لكسر الجمود السائد ،وخرق الحساسية التي تجعل الحديث النقدي كانه في غابة الغام …!
ونتمنى -طبعا -ان يرتقي منهج النقد والتناول عموما، لدى شعوبنا ومثقفيها، لبناء منظومة ثقافية تستحق ان تكون بيئة تتفاعل فيها الجهود وترتقي .وتصبح تراثا غنيا لأجيال قادمة.
“يتبع”
وهذه لقطة في الحديقة لفي الربيع الفائت.

وللعزلة أحيانا فوائد (4)
ليست العزلة الاختيارية انطواءا –تحت تأير حالة نفسية غلب فيها عنت وتعب وقهر فانطوى امرؤ لذلك. ويكره لقاء البشر، حتى انه يفقد شهية التنزه في الطبيعة. فكأن عداوة تنشأ بينه وبين البشر والطبيعة، ويجد راحته وملاذه في انزوائه هذا
مثال على الانطواء ما وصل إليه رجل كان متعلما ومتميزا بعلمه وثقافته فقد تتلمذ على يد المرحوم ملا احمد بافيي إمام مسجد في ديرك في الستينات وما بعد وهو شخصية معروفة على مستوى منطقة ديرك وخارجها لعلمه وصلاته الاجتماعية فضلا عن معارفه في دمشق فقد تلقى دروسه فيها على يد كبار العلماء حينها.
فقه مصطفى هذا كان صديقا للمرحوم اخي محمد حسين وقد تعرفت عليه أكثر صيف العام 1961 في “حجركا فقها ” الملحق بالجامع الذي كان المرحوم ملا احمد اماما ومدرسا أيضا فيه. وهو من تلاميذه إلى جانب “ملا صالح وملا محمد، ولدا ملا حسن- امام جامع عنديور (عين ديوار). وكنت حينئذ في العاشرة وقد نجحت من الصف الثالث الى الصف الرابع الابتدائي، وارتأى أهلي –بعد وفاة والدي- في ذلك الصيف في عنديور –وكان هناك في حالة تصييف لاستنشاق الهواء النقي فيها كما وصف له الأطباء.
ولا أدرى –بالضبط مشكلة فقه مصطفى –لكنني وجدته قد انطوى وهو في حالة مزرية لا ينال اهتماما منظما – ومثله كثيرون – والمفروض ان الجهات المسؤولة تفكر بحل لأمثال هؤلاء بطر يقة ما …
اما العزلة فاختيارية، يلجأ اليها من يشعر بالحاجة الى وقت يستثمره في هدوء وبعد عن صخب الحياة، وربما لتوفر فرص التأمل او التفرغ لأمر ما والكتابة على رأسها.وقد قرأت عمن ترك الوزارة وفضل عطلة جسده النسبية ليتفرغ للقراءة والتأليف (ربما ابن الأثير) قصته مذكورة في كتاب “الكشكول” -للعاملي -لكن لا أتذكره الآن.
لو قرأنا سيرة الذين يتعاملون مع الفكر والكتابة والفلسفة …لاحظنا ان مراحل اعتزال موجودة في حياتهم سواء داخل دورهم او في مصايف او فنادق …الخ. فلحظات العزلة توفر للنفس هدوءا وفرصة مراجعة الذات في الأفكار وفي الأفعال. وسواء أنجح المرء في تخطي اخطائه او لم ينجح، فهو يستفيد من مرحلة الاعتزال لتجديد وتهيئة أفضل مما كان عليه …لاسيما في ظروف صخب يرتفع فيها صوت الجهالة والمشاكل على صوت التفكير والعلم .!
ولا أعني هنا عزلة زهاد ومتنسكين في كهوف منعزلة عن البشر، والاغراق في جو خلوة روحانية احيانا قد ترتقي بالنفس وتهذبها، وقد توفر احوال تقربهم الى الله –بلغة الزهاد والمتنسكين –ومنهم المتصوفة نسبيا … والرهبان. وإن قصة الراهب بحيرا مشهورة في شكلي روايتها الاسلامية ، وخصوم الاسلام –ومنهم مسيحيون يعطون شروحا وتفسيرات ،كثيرا ما يتخللها الارتجال والمواقف النفسية وردود الأفعال النفسية …الخ.
فالعزلة هنا هي التخفيف من الاتصال بالبشر في الحياة العادية ، ليتخفف من تأثير العناصر المتعبة او المؤثرة على التفكير والمواقف والسلوك … وفيها مساحة طيبة للعودة الى الذات في داخلها ، ومحاولة التفكير دون تأثير تلك العوامل المذكورة في الواقع . فان ذلك كثيرا ما يوهج النفس واهواءها وانفعالاتها على حساب الهدوء الذي يمكّن من التفكير التاملي والمتحرر من المؤثرات النفسية …
“يتبع”
……………………………………………………………………………………………
فقه مصطفى في فيديو صدى الواقع
youtube.com
رجلٌ ليس من هذا الزمان… مصطفى الإنسان

وللعزلة -احيانا -فوائد (5)
ذاكرتي تعج بأحداث وذكريات فيها التي تجدد السرور والفرح ، وفيها التي تجدد الحزن والألم.
لا يملك المرء تدوين هذه الذكريات في ظروف الحياة اليومية ، وعلى الرغم من انني دونت كثيرا منها لكن ليس كما ينبغي .
عندما يعتزل المرء (وبالمناسبة يقال ان تسمية “المعتزلة ” جاءت من قول الحسن البصري عن تلميذه “واصل بن عطاء” إذ قال: “لقد اعتزلنا واصل ” بسبب اختلاف في فهم قضايا اعتقادية. وهذه شيمة العلماء والمفكرين والفلاسفة (المثقفين) فقد قيل لأرسطو : أفلاطون معلمك فلم تنتقده -او بهذا المعنى – فقال قولة مشهورة ذهبت مثلا: ” أنا أحب أفلاطون، لكنني احب الحق اكثر”..
فصاحب التفكير الحيوي والمتوازن ،وذو العلم الذي يجلّي الحقائق ، لا يتقيّد بما كان وما سمع وما قرأ ، لكنه يحاول ان يكشف ما لم يعرفه، ويصحح ما وجده خطأ –
ايا كان المصدر- أباه او معلمه او أي كائن بشري آخر.(في هذه الظروف يتقدم الانسان).
المهم :
منذ سنوات لا اخرج في نوروز ، لم أتأقلم مع طبيعة الاحتفالات الحزبية سواء في شكلها السياسي والخطب المتكررة والمملة والشعاراتية في معظمها -مع أنني لا أنكر حقهم فيها – فذلك منهجهم ومسؤوليتهم عنها ، ام الاحتفالات الشعبية المترافقة -عادة- في شكل مبالغة في تنويع الطعام وتفخيمه وغلائه…(وهو ما لا يراعي ظروف فقر النسبة الأكبر من ابناء الشعب ، لاسيما أن اماكن الاحتفالات عادة هي مواقع تجمّع -. وربما جعل المناسبة فرصة لتناول خمور وسكر بالنسبة لبعض الذين لا يفهمون المناسبات إلا فرصة لإرضاء نزواتهم وشهواتهم دون مراعاة أي اعتبار ..
كنت اخرج بعد الظهر كنوع من المشاركة، ، وفي بعض الأحيان كان اولادي يضطرونني لتناول الطعام معهم .. والشيء بالشيء يذكر -كما يقال :
في إحدة مناسبات الاحتفال بالنوروز في “باجريق ” القريبة من ديرك . جاءني صديق، قضينا معا اوقاتا طيبة رحمه الله ، واحيانا كان يزعجني -ويعترف انه يفعل ذلك لكنه يتحجج بأنه لا يقدر على نفسه… فخرجنا معا مشيا على الأقدام عبر المزروعات (الحنطة غالبا) . وصلنا الى مكان الاحتفال وتجولنا قليلا ثم عدنا .مضت سنون على هذه الحادثة ، لكنني تذكرتها هذه اللحظة.ولا بد من التعريف بصدقي هذا، المرحوم (فالحياةا لها نهاية بالنسبة لنا جميعا ) انه محمد امين “ابو عكيد” هذا الصديق المشاكس . رحمه الله .
وعلى ذكر “باجريق ” لا بد من تذكر تلك اللحظات التي لا تزال حية في الذاكرة على الرغم من مسافة البعد بيننا ، فقد كانت حوالي العام 1960 أو 1961 -كنت حينها في الصف الثالث او الرابع الابتدائي .كان الاحتفال بنوروز ممنوعا -كما كل نشاط يخص القومية الكوردية . وكانت سطوة المكتب الثاني في عهد عبد الناصر ثم الأمن السياسي فيما بعد -وقبل ان تتكاثر الأجهزة الأمنية التي باتت تضيق الخناق على الشعب في كل جانب ،الى درجة أن الرئيس بشار الأسد في مطلع القرن الحالي قد ألغى اكثر من 60 مادة يتدخل الأمن في حياة المواطنين من خلالها
كان المرحوم محمد حسين (اخي الأكبر) طالبا في المرحلة الاعدادية ،ويبدو انه كان منتسبا الى الحزب الديموقراطي الكوردي (البارتي ) قبل انقسامه عام 1965 على يد كل من الأستاذ عبد الحميد درويش ، الذي عرف اتجاهه -حينها -باليمين، والأستاذ صلاح الدين وصحبه (ملا نيو واظن عثمان صبري أيضا -والذي استبعد من موقع التأثير الذي استأثر به الأستا صلاح )،وعرف اتجاههم باليسار .
وبدأ منذ لك الوقت ،الصراع الحزبي العلني الذي كان ينجم عنه أحيانا عراك بالأيدي والعصي في القرى .
لكن الذي لا بد من الاشارة اليه أن ذلك لم يؤثر على نسيج العلاقات الاجتماعية ولم يفككه ،وكانت المصالحات تتم سريعا ،وتعود العلاقات الاجتماعية الى ما كانت عليه.
على الرغم من السرية الشديدة على انباء الاحتفال لكن اخي اخبرني بها لأشارك فيها مع ابن خالي ابراهيم حاج محمد عمر ، وكان المرحوم “تمر مصطفى ” أيضا قد اخبر كلا من “هازم لوند، وسليم احمد حسن (الذي استشهد في حرب مع اسرائييل عام 1973 ).
فاتقنا معا على التشارك وكنا اصدقاء، وزملاء في المدرسة وحصل كل واحد منا على مبلغ “ليرة سورية واحدة” لشراء حاجات الاحتفال ..
“يتبع”
صورة من تلك الفترة لا استطيع تحديدها بدقة
…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

وللعزلة -احيانا -فوائد (6)

عندما نخلو إلى أنفسنا اوقاتا -لاسيما إذا كانت مبرمجة ومنظمة- فإننا نصبح في حالة فيها تركيز، وتحرر من تشتت تفرضه الحياة في ظروف صخب ، ويسود هدوء وصفاء …تجعل الذاكرة فاعلة ،تستعيد ما في جعبتها ومخزونها من الذكريات سواء استدعاء وتعرفا لها او تداعيا …وتتزاحم الذكريات فنختار منها ما نحتاجه في اللحظة . وهذه إحدى فوائد العزلة (المؤقتة).
ذكرت في الحلقة (5) أننا ذهبنا إلى باجريق واخذنا معنا ما أخذناه ، وكان رجال سبقونا أتذكر منهم المرحومون حاج احمد ملا إبراهيم، صادق محمدي صور، حاج سليمان احمد صوفي محو، تمر مصطفى، محمد حسين ،وولا يحضرني الآخرون فعموما كانوا من أبناء جيلهم . وكان “ابو روشن” يحمل عصا يحركها ويتحدث بحماس أثار اعجابي حينها وأثرت فيما نشأ بيننا من علاقة فيما بعد-وقد كبرنا -واليء بالشيء يذكر فقد رأيته آخر مرة منذ حوالي عقدين او اكثر ،طلب مني حينها مراجعة مخطوط كتاب عن بارزاني الأب واحداث في ثوة ايار التي كان يقودها ،وكان كتبها باللة الكوردية وترجمعها احدهم الى العربية فساهمت في تنظيم ما ترجم باللغة العربية وضبط بعض ما فيها زوقلت له حينها لا أستطيع ضبط الجميع لئلا يتأثر السياق العام له.ثم سافر إلى السويد -حيث يقيم- ولم اعد اعرف عنه شيئا .
ومما أتذكر ان الشباب انتظموا في رقصة كوردية اسمها “رقصا فقها ” ولا زالت أصداء اغنية كانوا يغنونها أثناء الرقص ترن في أذني :
Ez kurdim kurdim kurdim welatê me kurdistan
mêr û gernas û merdin tev egîd û pêlewan
roja cengê em şêrin welatê me kurdistan
xudanê taca zêrin tev egîd û pêlewan
وحان وقت تناول الغداء فتجمعنا نحن الأطفال الأربعة ( سليم-هازم-0ابراهيم -محمد قاسم) وفرشنا طعامنا -من بينها علب السردين التي فتحناها ، وعندما تذوقناها كانت حادة لم نتحملها فلم ناكلها ، وصدف ان كان المرحوم محمد رسول من قرية رميلان الشيخ مرّ من المكان ،فقد كان يرعى أغناما في “كاني نعمي ” فأعطيناه اياها فتلقفها فقد كانت المعلبات من الماكولات المشتهاة حينها .
جدير بذكر أن الموقع كان على حافة ماء جار وليس في المكان السهل الذي اصبح -فيما بعد- مكانا للاحتفال بنوروز في ديرك، فقد كان الحرص شديدا ان لا يراهم احد
……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………

وللعزلة -احيانا- فوائد(7)

إذا قرأنا سيرة أي فيلسوف او عالم ، أو فنان ، وقبلهم الأنبياء والرسل سنلاحظ أن فيها اوقات خلوة _او عزلة_ يخلون فيها إلى أنفسهم ، يتأملون الحياة ،يحاولون تفسير الظواهر التي استعصت على فهمهم ، يجرون مقارنات بين المتشابهات والمختلفات من الموجودات ،لاسيما ما يتصل بالانسان ومنهج تفكيره والسلوك الذي يتبعه ، في حالته الفردية والجماعية ،الفوضوية والمنظمة…
نقف لحظة عند اشهر فيلسوف “أرسطو” يذكر توصيفه كتاب اسمه “مختار الحكم ومحاسن الكلٍم” للكاتب المصري ابي الوفاء بشر بن فاتك القائد المتوفي سنة 445 هـ 1053 م فيقول: كان أرسطو طاليس ابيض اجلح قليلا وحسن القامة …يسرع في مشيته اذا خلا،ويبطئ اذا كان معه اصحابه ناظرا في الكتب دائما لا يهدأ ، يقف عند كل كلمة ، ويطيل الاطراق عند السؤال ، قليل الجواب يتنقل في اوقات النهار في الفيافي ونحو الأنهار …” . انتهى.
قضاء الوقت على شواطئ البحار والأنهار نعمة لا تتوفر لكل احد، لكن الذين يفوّتونها يخسرون كثيرا مما يمكن ان يضاف الى حياتهم الروحية والبدنية..
وعندما استشكل على ابي حامد الغزالي امور لم تتوضح في ذهنه -وكان حينها يدرس في المدرسة النظامية في بغداد- فهجر الأهل والتدريس وغاب قرابة شهرين او اكثر يخلو فيهما الى نفسه، ويبحث عما استشكل عليه … حتى استقرت نفسه وهدأت، وركنت إلى قناعة أعادت إليه استقراره ، واعتنق مذهب(منهج) الصوفية ، معتبرا ان مصدر الشعور بالحقيقة هو “كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف لطيف فارغ”.
طبعا هذا ولّد صراعا بينه (أو بين الصوفية -وحتى معظم المسلمين) وبين الفلاسفة، فانتقد الفلسفة في كتاب أسماه “تهافت الفلاسفة” . ورد عليه ابن رشد بكتاب أسماه “تهافت التهافت” ومذ ذاك لا يزال الصراع دائرا .ولأن الغزالي كان أبرع -او أقرب -للاتجاه السائد حينئذ، فقد غلب اتجاهه واصبحت الفلسفة في موقع ضعف دفاع عن النفس–ولا تزال آثاره واضحة في النسيج الثقافي الاسلامي .
ولا زالت عبارات متهافتة دارجة في الثقافة الشعبية مثل “بلا فلسفة”.
مع ان الفلسفة تعني : التعمق في التفكير والفهم .والفلاسفة متميزون وهم الذين أسسوا للمدرسة الفكرية التي انتهت الى نشأة العلوم ونموها وتطورها وظهور التكنولوجيا.
وربما كان هذا سببا في أن الغرب الذي كان في مرحلة متاخرا قد تجاوز تأخره وحقق اكتشافا في الفكر والعلوم ومن ثم الساسة والادارة …
لا نود ان نرى الأمور بعيون الانبهار “النفسي” لكن نعترف بواقع ماثل للعيان ، وهذا ينبغي ان يدفعنا -لا للانبهار والاستلاب- ، بل للحماس والحيوية في القراءة والتأمل والانتفاع من نتائج جهود بشرية منذ فجر التاريخ وحتى اللحظة التي نحن فيها، على قدر استطاعتنا ،”فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها “-الآ ية
و”كل انسان خلق لما هو ميسر له” او في معناه- الحديث
الواقعية والتنظيم والتدرج والاستمرار …خصائص يحتاجها الذي يريد أن يكون شيئا .
– “عن عبد الله – بن أحمد بن حنبل – قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد: إلا في مسجد، أو حضور جنازة، أو عيادة مريض؛ وكان يكره المشي في الأسواق.حلية الأولياء(9/ 184) ”
– من اقوال دستويفسكي عن العزلة
العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام عقله — دستويفسكي
– العزلة وطن للأرواح المتعبة – إرنست همينغوي
ابتعادنا عن البشر لا يعني كرهاً أو تغيراً ، العزلة وطن للأرواح المتعبة. – إرنست همينغوي
– حينما يقل اهتمامك بما يفعله الناس – أندرو كارنجي
“كلما زاد عمري قل اهتمامي بما يقوله الناس وأكتفى بمشاهدة ما يفعلونه” – أندرو كارنجي
ملاحظة الأقوال الأخيرة مقتبسة من موقع: https://adabworld.com/اجمل-ما-قيل/العزلة
…………………………………
“يتبع
https://www.comonistkurd.de/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D9%88%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%84%D8%A9-%D8%A3%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AF

المزيد من المقالات