لمن أكتب؟!

لمن أكتب ؟!

الأثنين 10/كانون الثاني/ 1977 – 20/محرم/1397

منذ القديم درج المثل الحكيم القائل (( ليس من يعد العصي كمن يجلد بها )) وقال القدماء //لا يحس السبعان بألم الجائع // .
وقالوا أمثالاً كثيرة تعبر عن هذا المعنى …
ان المعاناة وحدها تجعل المرء يحس بقسوة اللحظة التي يعيشها في هذه المعاناة .. ويحس بوحشية العقل البشري المقنعة بوداعة الأوجه اللطيفة ، والابتسامات التي تنجلي عن أسنان بيضاء ناصعة ومنسقة ..
.! في مثل هذه اللحظات يحس المرء بقوة الحياة وارتباك العلاقات الإنسانية فيها ، بل قد يحس بالحاجة إلى التنفيس عن معاناته المتراكمة ، فيفعل ما سوف يسمى جريمة يستنكرها الناس ، ويعاقب عليها القانون …؟!
ان الإحساس بالظلم أو بالإهمال ( وهو ظلم ) شديد القسوة …. شديد الوطء على النفس البشرية عامة ، والنفس العزيزة خاصة . شيء واحد يريحها … عندما يحس بأن عدالة تتحقق في التعامل معه .
إنه يساوي الآخرين فيما يناله من خير أو شر .. إنه يعاقل باعتباره كائناً إنسانياً يختلف عن الحيوانات البكماء والعجماء …
وإذا كانت الكلمات المجردة لا تعبر دوماً عن دوافع يمكن أن يعاش ، وإذا كانت المسافة بين القول النظري والتصرف العملي تبقى موجودة دوما بسبب طبيعة كل منها ، فلا يعني ذلك أن يعذر من يسحق الإنسان في أغلى ما يملكه : اعتزازه بذاته وشعوره بكرامته ، بأنه إنسان.
وكما تعودنا سيتطوع الكثيرون ( الذين يعدون العصي ولا يجلدون بها ) بالقول : ما هذه الذاتية ؟ ما هذه الانفعالية ؟ ما هذه المثالية ؟وقد لا يفهمون من معنى هذه الكلمات سوى أنها الخيالية المحضة.
وأقول صحيح هذه ذاتية،وصحيح هذه انفعالية،وصحيح هذه مثالية ايضا. ولكن ليس كما يفهمها هؤلاء المترفين الذين يمتلكون أشياء كثيرة دون استحقاق شرعي أو قانوني أو أخلاقي ولكنه امتلاك بشراء الذمم والضمائر ..وكذلك الذي سخّر مجلسه خلف طاولته الأنيقة،وموقعه من السلطة والذي يفترض ان يكن لصالح العموم.فسخّر العموم لصالح أهوائه أو الأنانية.ويضاف إليهم أولئك المتلونون كالحرباء بلون الظروف المختلفة باسم الواقعية-والواقعية منهم براء- ينسابون كالماء في المسارب والدروب ولكن –لا كالماء الصافي- بل الذي عكرته أقذار الحياة بأنواعها،متملقون يطبلون يزمرون لمن يمتلك نصاب الأمور ويقلبون له المجن لأول فرصة تنفلت من يده زمامها..!
إنها انفعالية ذلك الذي يحس بإنسانيته تسحق من خلال المعاناة من خلال المماحكة في الحياة،من خلال تواصل الذات مع الموضوع مع الآخرين..فهي بهذا المعنى –إذا- ذاتية وانفعالية ومثالية ضمن إطار واقعي لما يجب أن تكون عليه حياة الإنسان..علاقات البشر..على الأقل رسم لمسرى المسعى الإنساني من الناحية الأخلاقية ..كلام نبرة الانفعال فيه جلية..ومساحة المعاناة فيه واسعة..فما مناسبته اذن..؟!
إنها الصلة بين المريض والطبيب والمشفى…!
وإن لي مع هذه المفاهيم مشوار طويل من المعاناة يمر عبر عديد من المشافي ثم بقية الكوادر الصحية…!
فأما هياكل هذه المشافي،وغرفها وإنارتها،وتجهيزاتها المادية المختلفة فلا حديث سلبي كثيرا عنها. ولكن السلبية كامنة في العاملين والمشرفين..ولا بد من استثناء قلة دوما بالقياس الى المخلين والمقصرين والمستثمرين الذين اكتسبت قلوبهم طبقات كيتينية عزلتها عن التفاعل مع المحيط البشري كما ينبغي..
ولعل المثل الأقرب هو الأنسب ليكون موضوعا للحديث..فلا تزال سياطه تلهب جلدي زلا تزال نتائجه تعصر وتسحق نفسي فكم مرة أشاهد –يوميا- سيارة الإسعاف تنقل طبيبا في قضاء حاجة شخصية لا تمت الى عمله في شيء.وكم مرة شاهدت سيارة الإسعاف تنقل مرضى متخمين بالمال يملكون سيارات خاصة،ولا تستدعي حالتهم المرضية تسخير السيارة الإسعافية لهم..ولكن كم مرة أيضا –وهذه واحدة منها – شاهدت الأعراض المطلق من الأطباء لنقل مريض بأمس الحاجة الى سيارة الإسعاف لنقله من المشفى أو إليه..!
المهم تاح فرصة الدخول الى المشفى فالوسائل أصبحت معروفة بكل ما فيها من أسى..ولعل أبسطها مراجعة العيادة الخاصة لطبيب يعمل في المشفى وعطائه المعلوم باسم المعاينة والفحص..!
فماذا تشعر وأنت في رواق المشفى؟ كأنك داخل مكانا غريبا عنك أو محظورا عليك فتسعى بكل طاقتك الى استحضار عبارات الرجاء والمديح والى تلمس نبرات رقيقة لطيفة ومخارج قصيرة للحروف والكلمات لتصوغ سؤالا تستفسر عن كيفية التصرف أو المريض متعلق بك يئن من أوجاعه فتكاد تنقطع لأنينه ونحه نياط قلبك عدا عن شعورك بالكد بعد سفر طويل قد تكون اجتزت فيه مئات الكيلومترات أو عشراتها..وعبر طقس قاس بحرارته أو برودته وهنا..أنت وحظك..فقد تلتقي من لا يعيرك انتباها يجعلك تشعر بنفسك تافها لا قيمة لوجودك..على الرغم من محاولاتك انتباه..أستاذ…دكتور…آنسة..الخ
إنهم مشغولون عنك بأحاديث كم تطول عندما تكون خاصة بينهم..وكم يصبح قصيرة وغالية ومهمة إذا أسعفت ببعضها.وفي حالات كثيرة ترى هذه الكوادر لا تعرف لمساعدتك طريقا..فمثلا..قلت لرئيسة الممرضات نريد ان نحمم المريضة ولكن الحمام مشغول بعربات وشر اشف فضلا عن عدم نظافته..؟
هزت كتفيها قائلة: لا أعلم انتظر الخادم التي ستأتي بعد ساعتين..ولكن فترة الزيارة تنتهي قبل مجيئها فهل تساعديني على البقاء..؟
لا …دبروا حالكم. وبالفعل دبرنا حالنا فقد أجلنا غسيل المريضة الى اليوم التالي حيث أحضرنا معنا كرسيا لتجلس عليه ونحينا الموجودات جانبا وكأننا في قطعة عسكرية..ندبر حالنا..
كانت هذه رئيسة الممرضات فكيف يكون الطبيب؟ إنه يتعامل مع المرض عبر شعاع العين عن بعد..ووقته ثمين فلا حق لك ان تشغله بسؤال عن المريض,,مهما بلغت الحاجة بك لذلك إذا استطعت أن تنفلت من المراقبة وبيت –مخالفا- عند مريضك فقد تلتقي به..ولكن لا تستفيد منه ما بوجهك لعون المريضة..
حاولت التقاءه..فلم أفلح.فاتبعت طرقتين إحداهما:مراجعته باسم المريضة في المستشفى..وبعد انتظار 4 ساعات.دخلت عليه. وجرى الحوار التالي:
دكتور لا يوجد الدواء الذي وصفته للمريضة في الصيدليات الخاصة,وراجعت وزارة الصحة والفارمكس فلم أجده..فما العمل.؟ هز كتفيه قائلا : لا يوجد..ماذا أفعل؟ قلت دكتور،يمكن –على زعم والفارمكس- أنه يوجد بعد يومين فهل سنحظى به في هذه الحالة..؟ قال –وهو يهم بالخروج- لا اعلم الغيب..! قلت ولكن ربما وجد في مشفى المجتهد فهل تساعدوني على الحصول عليه من هناك..؟ إحالة من المستشفى مثلا..؟ فقال متهكما ..لو فعلنا ذلك فسننال من المجتهد ربما الضرب..قالها متهكما ونافذا صبره..وتدخلت الممرضة -ربما بإشارة منه- أو باعتياد منها_ قائلة بلهجة جافة:انتهى يا سيد..وعندما خرجت راجعت نفسي فيما بذلت من جهد فوجدته:مسعى على مدى ثلاثة أيام في البحث عن الدواء في كل ركن من دمشق..ووقوف على القدمين 4 ساعات انتظارا لمقابلة الطبيب..؟!
وأما الحصيلة فكانت : ماذا أفعل..؟ لا اعلم الغيب..! إذا أعطيناك إحالة الى المجتهد فربما نأكل قتله..!!
تأملوا معي .ماذا نستخلص من هذه الإجابات؟ وما العمل حيال مريضة في حالة صعبة(لمفوما) وجسمها منتفخ ورما..لا تحسن قضاء حاجة في التواليت..والذي لا يبعد عنها سوى مترين فقط ما لم يساعدها اثنان..ولا يوجد هذا الاثنان في المستشفى طبعا ما لم يكونا من أهلها..!! وممنوع عليهما التواجد عندها سوى أوقات زيارة معينة لا تتجاوز ساعات قليلة.. لأن المريضة اذا دخلت لضرورة تعد الثواني لتعود تاركة الممرضة تعاني من آلام السيروم..وكم ستكون محظوظا اذا اجابتك على بعض من استفساراتك
فإذا كان هذا هو الحال في المستشفى فما رايكم بالحادثة التالية ..في سعيي لحصول على الدواء الموصوف راجعت وزارة الصحة قابلت امين سر الوزير وعرضت عليه المشكلة فقال: ابعث الى الأردن أو الى لبنان
هكذا وببساطة عالج السيد امين سر وزارة الصحة مشكلتي كمواطن يستعين بع بعد أن اعيته الحيلة ..وبعد جدل أحلت الى مؤسة فارمكس حيث قابلت موظفة –هي الوحيدة حتى الآن- في أسلوبها اللطيف وجهدها المشكور اذ اتصلت بمواطن الأدوية فأشارت الى بوجوده في المجتهد وعليك بتدبير أمرك.
ولكني لم احسن تدبير أمري..وحال المريضة تزداد سوءا ولا نجد ما يشعرنا بحصولها على ما تستحق من عناية الطبيب أو الممرضات –كما ينبغي- وفضلا عن ذلك فقد اخرجت بعد ان أعطيت جرعة (shop (. وضاعت كل محاولاتنا لإبقائها في المستشفى أو إحالتها الى مشفى آخر لتبقى تحت إشراف طبيب..حتى يحين موعد مراجعتها..وكم كانت قاسية ظروف نقلها الى دار أختها الكائن في الجبل(قاسيون).وكنت احدث نفسي أثناءها اذا كنت هنا أتمتع بمعرفة كثيرين قرابة أو صداقة ..وهذه معاناتي..فما بال الذين لا يملكون هذه الحالة..وشر البلية ما يضحك كما يقولون.
ان السخرية تعيش في نفسي عندما أستعرض حالتي هذه..
هذه الأبنية الضخمة –الطب النووي – مثلا.وهذه التجهيزات المتطورة وهذه التصريحات المنقمقة والمزخرفة من المسؤولين..الخ كل ذلك لم يوضع في خدمة المرضى الا وفق مستوى بسيط قد لا يتجاوز 50-60% من الطاقة والمؤهلات المتوفرة..في حين أن 40-50% منها مهدور بين استهتار الكوادر الفنية (طبيب،ممرضة…)والعاملة احيانا..وأجر المريض واهله على الله فيما يلقونه من عذابات وآلام..!!

المزيد من المقالات