مداخلة مع الدكتورة موزة في نظرتها للنقد

مداخلة مع الدكتورة موزة في نظرتها للنقد
محمد قاسم (ابن الجزيرة)
في مقال قصير للدكتورة موزة المالكي نشره موقع سجالات بعنوان :(النقد ليس حالة حرب) : تحاول أن تضفي على الأسلوب الذي ينبغي للناقد أن يتبعه شيئا من الرفق والمشاعر، لتأتي العملية مثيرة للقوى الحية في الإنسان، فيكون المنقود أكثر قابلية للاستجابة إلى مغزى النقد، وتفترض-أو تدعو إلى- أن يكون الناقد اختصاصيا، أو متمتعا بعلم يعينه على حسن ممارسة النقد، ليس فقط بالإضاءة على ما في الموضوع المنقود من النقص، بل وبالمساعدة على الإشارة إلى صوى يمكن للمنقود أن يتبعها، ويعدل من موضوعه على ضوء ذلك.
برأيها ليس الإنسان كاملا، فالمنقود ليس كاملا. ولكن الناقد ليس كاملا أيضا.
ولعل هذا هو المغزى من إيرادها لهذا البيت.
لا تقل عن شيء ذا ناقص جيء بأوفى ثم قل ذا أكمل
إذا ليتذكر الناقد حالته هذه وهو يوجه سهام نقده للآخرين الذين يتماثل معهم في قابلية النقص.
وأستعين بالحكاية التالية لتساعد أيضا على جلاء المقصود، وتشير إلى مغزى يفترض أن يستخلصه الناقد منها: يقال إن امرأة أخطأت. فسارع الناس إلى رجمها، فقال لهم المسيح: من لم يخطئ فليرمها بحجر، فتراجع الجميع.
وكأني بالدكتورة موزة تريد أن تقول شيئا من هذا.
فما دمنا جميعا معرضون للخطأ –وهذه حقيقة اكتشفها علم النفس، بل والتجربة في الحياة-كما نوه إليها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: ((كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)).
إذا علينا أن نكون في نقدنا منطلقين من الإمكانيات الواقعية من جهة، ومن واقع طاقاتنا من جهة أخرى.بعبارة أخرى: نراعي الواقعية في عملية نقدنا للآخرين، ونرتقي بإمكانياتنا العلمية والمعرفية والمنهجية في ممارستنا لعملية النقد، وفي الحالتين مراعاة البعد البشري بأبعاده المختلفة، النفسية والعقلية والتحصيلية (أو مراعاة الظروف بشكل عام).
في الواقع ما أعجبني في المقال قدرتها على إيصال الفكرة بعبارات قليلة وروح إنسانية نبيلة.
ولكن ذلك لا يمنع من السؤال:
ترى هل بلوغ الحالة المؤهلة لممارسة هذا النمط من النقد وبالمواصفات المعروضة أمر يسير في حياة الناس؟!.
ألا يحتاج الناقد أيضا إلى فرصة ينمو فيها، في وعيه، وخبرته، وتشكل شخصيته. حتى يصل إلى الصيغة المرجوة منه عمليا؟
أي ألا ينبغي أن نراعي هذه الأحوال في الناقد أيضا، كما تطلب الدكتورة موزة من الناقد أن يراعيها. ؟!
ومن جهة أخرى، إذا شددنا على الناقد في هذه الشروط، ألا يحتمل أن يؤثر ذلك في تضييق مساحة النقد -وهي ذاتها تقول عن النقد: -وإن بفهم خاص بها – ((..إنه المنهج العلمي الذي نخاصمه منذ قرون طويلة ،ولا نحرص على إتباعه في ابسط مشاكلنا،في حين انه الدواء لأكثر الأمراض الفكرية والاجتماعية..)).
أليس النقد –في الأصل –نوعا من الهدم ليبنى على أنقاضه ما هو أصلح…؟ ّ!
أليس الهدم –هنا – محرضا أو وسيلة لبناء أتم وأكمل في النهاية. ؟!
وهل يفترض بالناقد أن يكون موسوعة علمية ليمارس عملية النقد…؟
أم أن النقد في أبسط معناه هو: أن الناقد لاحظ-أو أحس-ما يراه نقصا فسلط الضوء عليه بالقدر الذي يحسن…؟
وإذا كانت الدكتورة تقصد الرفق عبر لغة مسؤولة، فذلك اقل ما يطلب من الناقد أن يفعله، بل هو الضرورة الأساسية ليكون النقد في اتجاه التأثير –إيجابيا-والبناء …!
ولكن علينا أن نقر بأنه لكل عمل ضريبته التي لا نتمناها، وللنقد أيضا ضريبته التي لا نتمناها.
إلا أن قص أطراف النقد لئلا يخدش. يؤثر في قيمة نتيجته المرجوة.
فالنقد يؤتي ثمره-غالبا-عندما يوجع، وفيما عدا ذلك فهو وسيلة دعاية للعمل أكثر من أن يكون وسيلة إصلاح.
صحيح أن الحساسية لدى الناس تختلف، فمنهم من يستجيب للإيحاء-إن اللبيب من الإشارة يفهم-ومنهم من لا يستجيب لقرع الطبول في أذنه:
لقد أسمعت لو ناديت حيا***** ولكن لا حياة لمن تنادي
ويفترض أننا نتفهم اختلاف الحساسية والمستوى، فلا يأتي النقد على وتيرة واحدة ووفق قوالب جامدة.
إننا نتفهم دوافع الدكتورة النبيلة، ونضم صوتنا إلى صوتها بالتوجه إلى النقاد:
يا ليتكم في نقدكم ارتقيتم إلى مقدرة عامة-وعيا ومعرفة وخبرة وأدوات…الخ-لتحسنوا مراعاة الأبعاد في أكمل حالاتها…!

المزيد من المقالات