مثقف عربي ولكن…!

مثقف عربي ولكن…!
ابن الجزيرة

قبل سنوات، لم أعد أتذكر عددها، وقبل أن يكون لدي (الستلايت) ربما في الثمانينات؛ كنت أتابع برنامجا يبثه التلفزيون السوري بإدارة رجل في مرحلة الشباب، يبدو عليه اللطف، وفي أسلوبه اللباقة، وكانت موضوعاته تربوية، اجتماعية، حوارية…!
لم أملك حينها إلاّ أن أقدر هذا الرجل الذي يكاد يتجاوز ما هو مألوف في الإعلام الرسمي، المقيد جدا، والمسخر لاتجاه مصلحة السلطة الحاكمة فقط. وعندما استفسرت عن اسمه قيل هذا، الدكتور يحيى العريضي مدير القناة التلفزيونية الثانية…!
قدرت له سلاسته، ولغته المسبوكة، وحيوية التفكير لديه، ومحاولته عرض الأمور وفق طبيعتها …!
مضت الأيام، ومضت السنون أيضا، …وجاء العام 2002 وبالضبط /9 نيسان، حيث دخل الأمريكان العراق بعون من البريطان وغيرهم” تحالف مؤلف من 31 دولة فيما اتذكر”، وجرى جدل ولغط: هل هذا استعمار؟ هل هو احتلال؟ هل هو تحرير من نظام دكتاتوري؟
واستمر الجدل واللغط: هل كان ينبغي أن يستمر الدكتاتور ليبقى العراق عربيا؟
هل العروبة عروبة الأرض أو عروبة الإنسان؟
لماذا تكثر الأنظمة الدكتاتورية في البلاد العربية بوتيرة أعلى مما عند غيرها؟
ما العروبة في مدلولها الدقيق؟
هل هي عروبة عرقية أم عروبة ثقافية؟
ما خصائص العروبة الثقافية، وكيف يمكن تفسير ثقافات الأمم غير العربية والتي تعيش معها في إطار الثقافة الاسلامية وعقيدتها؟
أين الحرية وكيف يجب أن تكون؟
هل الحرية يجب أن تكون بالقدر الذي يقدرها الحكام لمصلحة الوطن(العربي) أو (الأوطان العربية)؟
هل الأنظمة هي الوطنية أم الشعوب؟
ما المدى الذي يجب على الشعوب العربية أن يتمتع به من الحرية لئلا تنجر إلى أحابيل الغرب؟
هل الحكام دوما هم الأكثر وعيا وحرصا على مصلحة الوطن أو الأوطان… وهكذا…!!
بقي السجال مفتوحا على مصراعيه –كما يقال-.
وكعادتهم أكثر العرب(العروبيون) من الصخب والعويل، كلما جد جديد (تصريح يؤولونه وفق تخيلاتهم-حدث يضخمونه ليصبح مادة غنية للتعليق لديهم – تحليلات يكشف الزمن –دوما-بطلان أكثرها، ولكنهم لا يملون تكرارها ولا يحاولون تصحيحها حتى!
وتتبارى الفضائيات العربية(العروبية) في التهويل والتهويش في اختيار من يمثلون هذه الحالة في برامجها (هارون محمد – نصيف الجبوري –أحمد الحاج علي-عوني القلمجي -ياسر النحلاوي-سمير عبيد- سرمد عبد الكريم-علاء اللامي – د. عماد الشعيبي …وغيرهم ممن معهم أو يخالفونهم الرأي؛ ولكنهم يشتركون معهم في التهويل والتهويش(العروبي)…لا يراعون للمنطق ولا الحقيقة ولا الواقع ذمة أو عهدا…!
ويأتي من بين هؤلاء وأمثالهم من يحاول أن يكون أكثر هدوءا-مع الحرص الشديد على التمسك بهذا الخط المتطرف في التفكير الذي أنتجته مدارس التعصب القومية-البعثية خاصة-فكان هذا الصوت الذي نحن معه، إنه صوت الدكتور يحيى العريضي الذي استمعت إليه لأول مرة من قناة (المستقلة) بعد احتجاب طويل، لأني لم أكن أتابع التلفزيون السوري منذ حصولي على الستلايت (مثل غالبية السوريين الذين لديهم الساتلايت). هذا التلفزيون الذي لم يكن يهم المواطن فيه سوى بعض أخبار تخص الحياة اليومية (مرسوم لزيادة الرواتب وهو قليل، قانون يمس حياته سلبا أو إيجابا وإن كانت الحالة الثانية هي الأكثر حيث كان زاد الموطن دوما-حكايا وتمجيدا وتزييفا ما أنزل الله بها من سلطان، وغير ذلك مما يدخل في هذا الباب …).
فهذا التلفزيون بعيد كليا عن هموم المواطن السوري واهتماماته، ولم يكن متاحا للمواطن التداخل إلا في موضوعات فنية أو رياضية أو غيرها مما ليس بجوهري-اللهم إلاّ مداخلات معدة لها سلفا-أو على الأقل ممن هم في قطاره ولغاية مقصودة ومضللة غالبا. ليس لأنهم لا يعون، ولكنهم اعتادوا على ذلك انتفاعا… ومنهم الدكتور يحيى هذا –كما يبدو-
المهم…! استمعت إليه، وتكرر ذلك، حتى كانت المقابلة التي أجراها معه المذيع الشاب والمهذب والذكي (جمال) في قناة (المستقلة-الديمقراطية) اللندنية. فلاحظت عليه:
– ذبولا في المحيا وتخددا فيه، يبديه أكبر مما يقدر له من العمر.
– تلعثما في الحديث بخلاف ما كان عليه من السلاسة فيما مضى…
– تلاعبا بألفاظ ودورانا حول القضايا لم أكن عهدت فيه ذلك….
– بل وخباثة لم أكن أتوقعها منه بحسب انطباعي عنه من خلال إدارته للبرامج في القناة الثانية السورية…
– وانفعالا لم يكن معهودا منه أيضا…
وتساءلت لماذا؟
فكان الجواب سريعا ومباشرا: الرجل يشغل وظيفة تدر عليه من المال مالا يحلم به من في درجته العلمية وكفاءته وربما أكثر منه كفاءة! وفوق ذلك يعيش في أوروبا بعيدا عن ضغط الحياة اليومية الذي يشكل أسلوب إدارة النظام على من مثله، وهو -على كل حال -قد بدأ مسيرة يصعب عليه أن يوقفها، فقد حاول السيد عبد الحليم خدام – الأعلى مركزا والأقدم عملا في الحزب -أن يفعلها، فوجد مسرحية عجيبة تنتظره في أعلى المؤسسات حكمة-كما هو المفترض (مجلس الشعب مصدر الحرية والتشريع والذي يفترض أن أعضاءه من انتماءات مختلفة وممن اختيروا من بين المتميزين وعيا وقدرة وكفاءة…الخ –. وحاولت أن أتلمس له أعذارا وجدتها في بعض ما قاله أو اتخذه من مواقف… ولكني لم أستطع التماس الأعذار له في مغالطات لا تخفى على الصغير والكبير ومنها مثلا:
– قوله: من منع الكردي أن يتخلى عن كورديته؟ وهو يعلم حق العلم بأن أي وظيفة هي ممنوعة على غير البعثي في المستويات الإدارية بشكل خاص. إنه يعلم أن الطفل في سن الخامسة أو السادسة يدخل أول مؤسسة بعثية باسم (الطلائع) وفي جو احتفالي معلن تحت عنوان ((الاحتفال بالتنسيب إلى منظمة طلائع البعث)) حيث يكون من مراسيم حياته اليومية، التمجيد بحزب البعث وزعاماته (في المدرسة وفي الطرقات…وفي البيت يردد أناشيده وأشعاره أكثر من اهتمامه بدروسه وتعلمه!!)
– قوله: محمود الأيوبي كان رئيسا للوزراء وكان كرديا!!. يا له من فهلوي!!
ونسأل السيد العريضي: هل كان محمود الأيوبي بعثيا أم لا؟
ونسأله أيضا: ما هي شعارات وأهداف حزب البعث؟ هل هي تحقيق معنى الوطنية أم هي تحقيق معنى قومي عروبي (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) ونسأله أيضا: ما هو موقع الكرد في المنطلقات النظرية البعثية سوى أنهم ((الأكراد العرب)) بتعبير د. أحمد الحاج علي (عضو تطوير فكر البعث)؟ أي تماما كما تقول النظرية الطورانية التي صاغها (الذئب الأغبر كمال أتاتورك) اذ يقول: ((الأكراد أتراك الجبال)).!!
ونسأله أخيرا لا آخرا ما الخاصة الكردية في محمود الأيوبي سوى هذه المحاججة الممجوجة والمتهافتة أيضا؟!
يا حسرة على علم وفكر تكون هذه نتائجه ومفرزاته!!
– ونسأل ونتساءل مع السيد د.يحيى العريضي: كيف يكون –واقعيا وليس شعاراتيا-عندما يقول: ((بشار الأسد مسيحي أكثر من المسيحيين ودرزيا أكثر من الدروز و….الخ))؟
– كيف يسمح لنفسه-وهو يحمل شهادة دكتوراه في فقه اللسان الإنكليزي من أمريكا-أن ينتظر من الآخرين أن يتقبلوا نظرية لا سند لها في علم النفس، ولا في الواقع؟
– أليست المبالغة فيها، إما جهالة – وهو ليس جاهلا-وإما مغالطة أو ((مخابثة)) بلغته هو؟!.
– أسفت للواقع المؤلم الذي وصل إليه التفكير العربي(العروبي) على يد هؤلاء المداهنين من أجل مصالح لا ترتقي بأي حال إلى أن تكون بديلا للإنسان أو مضيعا لقيمة الإنسان!!
– أسفت للدكتور يحيى العريضي أن يتحول من مثقف ناضج لبق سلس، إلى مغالط مداهن ((مخابث)) …!
– والأكثر من ذلك ، أسفت على مثقف، يفترض بثقافته؛ أن تعزز الواقعية في التفكير وصياغة الرؤى –ومن بينها احترام الأخر والاعتراف بحقه في كل ميادين الحياة- أسفت عليه لأنه فقد الإحساس بهذه الأمور كلها، ومن ثم فهو لا يرى في الناس سوى بلهاء لا رأي لهم ولا وعي يسعفهم لإدراك مغالطاته الغريبة والعجيبة ….! فكيف تكون إذاً المخابثة – بلغته هو-؟!.
– والأشد أسفا وألما أن يتبع مثل هذا المنهج كورد يعلنون النضال من اجل قضية قومية/وطنية كوردية سواء كأفراد أو أحزاب او تنظيمات…؟!

 

المزيد من المقالات